اللُّـوبَـر

حجم الخط
0

بعد العصر توقفت بنا الشاحنة في ‘باب العُقْلَة’. قفزنا منها بخفة، فتطايرت منّا ذرّات الغبار من دون أن يطير الوسخ والتعب.
كنا كوكبة من العمال الفتوّة، بِـيَد كل منّا أشياؤه القليلة وقد سترها في كيس ‘لاستيكي أو في قفة صغيرة. هي بعض الأواني المتقشفة نحمل فيها طعامنا حينما نُساق إلى الحَفْرِ والرصّ، ونقل الحجر والرمل. إثر النـزول تشتّـتْنا واتخذ كل منا وجهة. أما أنا فكنت مدركاً أنها نهاية الأسبوع. الراتب في الجيب، و’خندق الزربوح’ بعيد، ثم لا بأس قبل ذلك من التوقف، لحظات، في محطة مريحة مساء السبت لاسترجاع الأنفاس. وتمـتمتُ:
– سمك أحمر مقلي في الزيت. ‘حريم السلطان’ بنسائه الفاتنات وألوانه الساحرة. ثم الشاي المنعنع مع حميدة في آخر السهرة..
من ‘باب العُـقْلَة’ انغمستُ في الطريق الصاعد إلى ‘المـَصْدَع’ من حيث اشتريت سمكاً. ومن ‘المـَصْدَع’ هرولت إلى ساحة ‘الفدّان’. هناك ارتخيت على أول كرسي صادفني في المقهى العالي. طلبتُ بعض الراحة وأنا أشعثُ أغْبر، بعد نهار شاق. وضعتُ الكيسين ال’لاستيكيين على الأرض؛ أحدهما به طنجرة صغيرة، وثرموسٌ، وكأس، وحـوى الآخر سمكاً. قربتهما في حذر من رجليّ، وأوقدت سيجارة نفثت دخانها نحو الزرقة المهددة بالغروب. أملتُ الكرسي إلى الوراء وأسندته إلى الجدار الأبيض، متخذاً وضعية من ينظر إلى الأفق. ولم يمهلني النادل طويلاً حتى وقف فوق رأسي. طلبت قهوة بالحليب، وألححتُ أن تكون مركّزة، زائدةَ السكر. ولم يبتسم. ربما خـمّن أني عابر سبيل، أو أن هيئتي توحي بأني لن أجود عليه بدرهَمِ الهِـبَةِ. المهم أنه أولاني ظهره، وأتاح لي الفرصة لاستعراض سحابة نهار كامل من الإنهاك في الهواء الطلق.
كنا حديثي العهد بالزواج أنا وحميدة. وفي الأسابيع الأخيرة كثيراً ما جرنا الكلام إلى ما نشتهيه من ألوان الطعام والشراب التي تذوقناها أو نحلم بتذوقها. أما المناسبة فغالباً ما تأتي طـيّ تعاليقنا على روائح الجيران المتسربة إلينا من المطابخ عبر نوافذ المنازل المتلاصقة. كل جار يتنبأ بالطعام الذي سيأكل جاره في يوم مخصوص، اعتماداً على ما يشم من روائح. في يوم الجمعة تُهيمن رائحة الكسكس على معظم الحي. وفي أيام المطر الشديد تتناوب روائح البيصارة أو العدس أو اللوبياء. أما روائح السمك المقلي فكفيلة كي نعرف من خلالها إنْ هو سمك طري أو غير طري، سردين أم شرال. وأحياناً كنت أهمس لحميدة ساخراً:
– الويل الليلةَ للجارة السعدية.. طنجرتها احترقت..
وبحكم مروري المتكرر بـ’المـَصْدَع’، حيث سوق السمك اليومي، جذبني منه نوع فاخر يميل إلى الحمرة الشفافة التي تنطلق من ظهره، ثم تزداد شفافية ونعومة كلما تمّ الاتجاه نحو البطن. هو في حجم الكف المفتوحة. لَـزِقٌ كجلد الفتاة الكاعب، طري كالبحر ساعة يكون وديعاً. وعندما استفسرتُ قيل لي إنه يسمّى ‘اللّوبـر’، فاستغربت الاسم الذي لم أسمع به أيام الصبا في المدشر، وأثار فـيَّ أحاسيس غير مفهومة. وفي هذا المساء عزمتُ واشتريت منه نصف كيلو رغم ثمنه المرتفع. لقد تنازلت عما يقارب ثلثي أجرتي اليومية.
كنت، بحكم العادة الصباحية قد غادرت المنـزل باكراً وقصدت ‘باب العُقْلَة’. هناك نتجمع نحن العمال في انتظار شاحنة الشركة لتنقلنا نحو ‘المضيق’ حيث نقضي سحابة النهار في رصّ الأرصفة، وحفر الطرقات وتزفيتها. هو عمل يُثلج الأطراف شتاءاً ويشق الرؤوس صيفاً. لكن، وبحكم العادة أيضاً تكيفت مع الظروف والتقلبات المناخية مهما تكن قسوتها.
في هذا المساء لم يكن المقهى مكتظاً حين ارتخيت. ثمة شاب قريب مني، تفصلني عنه طاولة فارغة. يجلس وحيداً في هيئة من ينتظر حبيبته، أو هو في بداية البحث عنها. كانت عيونه متَّقدة، تشع ببريق غريب طالبةً الأنوثة، عن قرب أو عن بعد. نظرته الأنوف توحي بأنه في انتظار أنثى أميرة.. وليس كل أنثى. ومع ذلك كان ثمة ضجيج الساحة وصوت التلفاز القادم من عمق المقهى. وأفلحتْ القهوةُ المركّزة في أن تنعشني رغم اتساخ الأطراف والذقن غير الحليق. وحينما مددت ساقيّ إلى الأمام أحسستُ كأني أتمطط في حمّام دافئ في فندق من فئة خمسة نجوم. وأنستني المتعة الصغيرة لزوجة العرق الكريه الذي يزعجنا عندما نكون غارقين في خندق طويل؛ نرمي التراب إلى ما فوق رؤوسنا فتتناثر علينا حبـيباته، وتختلط بحميمية جلدنا. وفي فسحة الغداء نلوذ بالظل، ونجلس في حلقات صامتين أو متمتمين، لا نبالي بالمارة ولا هم يبالون بنا. ثم يُخرج كل منا عيشه الكفاف فنلقمه ونبلله بمشروب غازي أو بشاي معبـإ في قنينة أو ثرموس. وخلال المضغ البطيء نتبادل نظرات فيها حزن، وتعرية، ومساواة.
وأُذن للمغرب في الزاويتين القريبتين من المقهى فانتبهت إلى ضرورة الانطلاق من جديد. إن المسافة التي تنتظرني من ‘الفدّان’ إلى ‘خندق الزَّرْبـُوح’ طويلة. ثم إن حلم حميدة بمساء السبت لا يقل تأججاً عن حلمي بالاحتفاء بمتع تواطأْنا عليها منذ زواجنا قبل شهور. لذا وجب التعجيل.
غير أن دخول الحمام ليس كالخروج منه كما يقولون. إذ بعد ما أديت ثمن القهوة وانحنيت لتناول الكيسين البُـنيين من الأرض عثرت على كيس الأواني دون كيس السمك. فتشت بهمة، ثم فتشت من دون جدوى. ثم نهضت واقفاً أبحث حوالـيّ وقد بدأ يتمكن مني بعضُ قلقِ الفتنة. وتساءلت:
– أين اختفى الكيس الثاني؟ هل نسيته عند بائع السمك؟ كَلاَّ، بدليل يقيني بأني وضعته أمام رِجليّ مع الكيس الآخر حينما جلست. هل طار به الجن لما رآني أجلس في مقهى واقع بين مسجدين هما في الأصل زاويتان؟
ودار مـخي في الفراغ كمحرك الشاحنة المعطوبة، إلى أن انتبه الشاب صاحب الأميرة المجهولة. إذ بعد لحظاتِ صمتٍ مشحونة تفضّل عليّ وسألني بكل هدوء الدنيا:
– هل تبحث عن كيس السمك؟
أجبت على التو:
– نعم. أين هو؟!..
ثم أشار بنفس الهدوء إلى أصل الجدار الذي يتكئ عليه، واتجه بسبابته إلى ما بين الكراسي، بعيداً عن المائدة الفارغة. هناك على بعد مسافة قصيرة من مجلسي عاينت قطة سوداء ممتلئة، عاكفة على قضم سمكة في سَكينةٍ. قال:
– رأيتها تجرّ الكيس فظننت أنه زبل مرمي.
وتشنج كل جسدي مهانةً، مترنّحاً ما بين هوة الحقارة وبصيص الأمل. ولم أجب، وإنما انقضضت على الكيس من دون أن أتجرأ على ضرب القطة. كانت تمضي في جريمتها دونما مبالاة، فبدت لي في تلك اللحظة كمومس من الدرجة الرديئة، أحقر حتى من أن تُضرب.
وأطلعْتُ الشاب على ما في الكيس:
– انظر.. كانت به ثلاث سمكات..
وعِوض أن يساندني تأفف من دون أن ينظر. ثم حاولت التهوين من قدر الخسارة:
– من حسن الحظ أنها لم تأكل كل السمك..
غير أن الشاب لم يعلّق ولا اهتم بالموضوع مثل اهتمامي، فانحرف ببصره إلى متّسع الساحة. وخمّنت أنه ربما انتظر مني أن أرمي بالسمكتين الباقيتين إلى القطة اللامبالية. لكني تناولت الكيس وجمعت أطرافي وتهيأت للانصراف. كنت، خلال الجلسة قد تخيلت الزاد مقسوماً بيني وبين حميدة، وطمعت في أن آكل سمكتين وهي سمكة لولا أن اعتداء القطة أربك المخطط كلياً. حتى السهرة نفسها ستشوبها منغصات لا أعرف كيف أشرحها.
حينما انطلقتُ سمعت الشاب يوصي بوقار:
– إن عزمتَ على أكل السمكتين اغسلهما جيداً.
ولم أرد..

روائي وناقد مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية