مايك بومبيو (يمين)، دونالد ترامب، جون بولتون
مايك بومبيو (يمين)، دونالد ترامب، جون بولتون
لندن – “القدس العربي” – إبراهيم درويش
ناقش الأكاديمي ستيفن وولت، الباحث في جامعة هارفارد، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لديه فكرة واحدة بالخروج من الاتفاقية النووية لكنه لا يعرف كيفية تحقيقها. وقال في مقالة نشرتها “فورين بوليسي”: أخيرًا خنع ترامب لأنانيته، والحسد النكد لباراك أوباما والداعمين المتشددين له والمستشارين الصقور الجدد له وفوق كل هذا جهله وخرج من خطة العمل الشاملة للفعل”. وسيكون قراره مع قرارات أخرى الأكثر تأثيرًا ومهزلة في السياسة الخارجية. ولا بد من معرفة أين سنذهب من هنا، فقرار ترامب لا يهدف لمنع إيران الحصول على السلاح النووي، فلو كان هذا غرضه لحافظ على الاتفاقية النووية التي شهد الجميع أنها منعت إيران من مواصلة طموحاتها النووية.
وبالتأكيد فإن الولايات المتحدة هي الطرف الذي فشل بالوفاء بتعهداته منها. ولا يهدف ترامب من تمزيق الإتفاقية لمواجهة التأثير الإيراني في المنطقة ودعم بشار الأسد وحزب الله، فلو كان هذا ما يريده لحافظ على الإتفاقية التي تمنعها من الحصول على السلاح النووي ولتعاون مع بقية الدول للضغط عليها. ولن يستطيع ترامب جمع التحالف الدولي نفسه الذي دعم الاتفاقية بل لن يدفع إيران للتفاوض بعد اكتشافها أنه لا يمكن الوثوق بواشنطن.
منطقة الجزاء
فما الذي يجري هنا؟ بسيط، يقوم بالخروج من الإتفاقية على رغبة بوضع إيران داخل “نقطة الجزاء” ومنعها من إقامة علاقات طبيعية مع الغرب.
والهدف هو توحيد إسرائيل، الجناح المتطرف من اللوبي الإسرائيلي- إيباك ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطية والصقور الذين يمثلهم مستشار الأمن القومي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو. وهؤلاء يخافون مع حلفاء أمريكا في المنطقة من الاعتراف يوماً ما بإيران ومنحها مستوى من التأثير. فليس التسيد الإقليمي هو الذي تريده إيران ولكن الاعتراف بأن لها مصالح إقليمية يجب التعامل معها. وهذا أمر بغيض على الصقور الذين يريدون الحفاظ على عزلة إيران ونبذها للأبد.
وضمن هذا المنظور الحديث عن تغيير النظام الذي يعملون عليه منذ عقود، وهو هدف مجاهدي خلق التي كانت على قائمة الإرهاب الأمريكية. وهي جماعة مكروهة في إيران لكن النواب الجمهوريين والديمقراطيين يدافعون عنها. ويرى الصقور أن هناك طريقين لتغيير النظام. الأول من خلال ممارسة الضغط على إيران على أمل حدوث انتفاضة شعبية تطيح بحكم الملالي. أما الثاني فهو دفع إيران لاستئناف برامجها النووية وهو ما يعطي واشنطن المبرر لشن هجوم عسكري عليها. وبالنسبة للخيار الأول فهو مجرد تعلل بالأماني، فقد استمر الحصار على كوبا مدة 50 عاماً ولم ينهار نظام فيديل كاسترو. ولم يؤد حصار استمر ستة عقود أو يزيد على كوريا الشمالية لانهيار النظام فيها كما ولم يمنعها من مواصلة البحث عن السلاح النووي.
وقيل لنا إن النظام الإيراني على حافة الإنهيار ولم يحدث هذا، ولم تطح العقوبات بصدام حسين ولا بمعمر القذافي. وشعر الصقور بالجذل قبل أشهر عندما اجتاحت إيران تظاهرات وتوقعوا انهيار النظام. لكن أمريكا شهدت تظاهرات أوسع منذ وصول ترامب للحكم فهل يعني هذا تغييراً قريباً للنظام في البلاد. وفي الوقت الذي تساعد العقوبات على دفع المعارضين للتفاوض وتغيير مواقفهم لكن الخروج من الإتفاقية النووية لن يركع إيران. وحتى لو حصل تغيير في النظام فلن يحصل استقرار في إيران. ففي العراق غيرت أمريكا النظام وتركت وراءها الفوضى وتنظيم “الدولة”. والقصة نفسها في ليبيا والصومال واليمن وأفغانستان وسوريا حيث تدخلت قوى أجنبية. ودعونا لا ننسى التجربة الأمريكية في إيران عندما أطاحت حكومة محمد مصدق عام 1953 وبذرت بذور الغضب التي أدت لثورة عام 1979. ولا تنس دعاة تغيير النظام بمن فيهم الحركة الخضراء التي تدعم البرنامج النووي ولم تكن تريد أن تكون ذنباً لأمريكا حتى لو وصلت إلى السلطة.
سيناريو مضحك
أما خيار المواجهة الذي يقوم على فرضية توجيه ضربة عسكرية على طريقة صقور بوش “الصدمة والترويع” على أمل دفع الإيرانيين للانتفاضة والتخلص من حكامهم، فهذا سيناريو مضحك، ففي اللحظة التي تغير فيها الطائرات الأمريكية والإسرائيلية على إيران فسيكون رد فعل السكان هو دعم حكامهم والتعبير عن حس الولاء للوطن. ولن توقف الغارات الإسرائيلية أو الأمريكية طموحات إيران النووية وربما أخرتها لعام أو عامين. بل ستقنع كل إيراني بضرورة تأمين سلاح ردع، تماماً كما فعلت كوريا الشمالية. ولو اندلعت حرب إقليمية وخسرت فيها أرواح وبذرت فيها أموال فسيتحمل مسؤوليتها ساكن المكتب البيضاوي، ولن يستطيع إخفاء الحقيقة من خلال حرف اللوم على الآخرين او كتابة تغريدات على التويتر.
وفي النهاية لا يقدم ترامب سياسة خارجية منضبطة كما وعد ناخبيه عام 2016 ولا يقوم بتصحيح أخطاء سلفه الكثيرة “بل ويجرنا ترامب إلى السياسة الخارجية الساذجة غير الواقعية وغير المقنعة التي تبناها جورج دبليو بوش في ولايته الأولى، وتعيينه لبولتون وبومبيو في مجلس الامن القومي والخارجية وترشيحه لجينا هاسبل لسي آي إيه ليست عودة للتشينية (نسبة لديك تشيني)”. فقد قال أوتو فون بسمارك، مرة إنه من الجيد التعلم من الأخطاء لكن الأفضل التعلم من أخطاء الآخرين. والقرار الأخير يعني أن أمريكا لم تتعلم من أي منهما. فلم تعد أمريكا تعمل الصواب كما قال وينستون تشرتشل مرة. ففي عهد ترامب أصبحت أمريكا ترتكب الأخطاء ولكن بعد النظر في كل الخيارات الصائبة.