اليد التي وقعت على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي كانت يد ترامب، ولكن الصوت والعقل خلف الخطوة كانا لنتنياهو. غير أن «نجاح» بيبي في حمل الولايات المتحدة على الانسحاب من الاتفاق من شأنه أن يكون محملا بالمصيبة لاسرائيل من ناحية استراتجية، سياسية وأمنية، ويعيدنا إلى الوضع ما قبل التوقيع عليه. في 2015 كانت إيران توشك على تحقيق قنبلة نووية في غضون أشهر، رغم أن نظام العقوبات ضدها احتد من العام 2010. ويثبت الانجاز الاستخباراتي الهائل للموساد بالقطع كم كان الإيرانيون قريبين من القنبلة قبل الاتفاق.
معظم محافل الامن في اسرائيل، وعلى رأسهم رئيس الاركان، يعتقدون بأن الاتفاق الحالي «ليس جيدا بما يكفي ولكنه مع ذلك خلق خطة استراتيجية، توقفا للبرنامج النووي (الإيران) لـ 12 حتى 14 سنة ودحرج إلى الوراء لجزء من القدرات (الإيرانية)». هكذا قال رئيس الاركان في مقابلة عشية الفصح. فقد أجل الاتفاق البرنامج النووي لعقد من الزمن على الاقل، ومنذ التوقيع عليه في 2015 قالت كل محافل الاستخبارات، بما فيها الأمريكية وخبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان الإيرانيين ينفذون الاتفاق بعناية. وأكدت الوكالة في تسعة تقارير منفصلة تمسك إيران بالاتفاق. كل طلب للرقابة في قواعد عسكرية إيرانية استجيب، بما في ذلك حرية الوصول والزيارات المفاجئة. وأكدت الاستخبارات الأمريكية ذلك.
ان حجة ترامب ونتنياهو المركزية ضد الاتفاق هي الخوف مما سيحصل بعد أن ينتهي مفعوله بعد سبع سنوات. هذه الحجة غريبة جدا. تصوروا وضعا يبلغ فيه طبيب ما مريضه بأنه بعد بضعة أشهر سيمرض بالسرطان، ليس لدى الطبيب علاج كامل ضد المرض، ولكن يمكنه أن يؤجل وقوعه. مفهوم بأن الشخص العاقل سيفضل تأجيل وقوع المرض، على امل أن يتوافر علاج ناجع وكامل. هذا بالضبط هو الوضع الذي نشأ بعد الاتفاق. فمن الافضل أن يؤجل الخطر 12 حتى 14 سنة، مثلما قرر رئيس الاركان من التصدي لقنبلة نووية الان. كما ان الحجة بأن الإيرانيين سيكون من حقهم في نهاية فترة الاتفاق ان يطوروا قنبلة ليست دقيقة. فاذا قرروا ذلك، فستكون الاسرة الدولية من حقها أن تعمل ضدهم بكل قوتها السياسية، الاقتصادية والعسكرية.
من 2015 أُزيح عن اسرائيل خطر وجودي فوري. وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق من شأنه ان يؤدي بالإيرانيين إلى استئناف البرنامج النووي من النقطة التي توقفوا عندها، بدعوى أن الاتفاق خرق، وسيعود سكان اسرائيل لان يعيشوا تحت التهديد المحدق من قنبلة ذرية إيرانية. واسوأ من ذلك، فان استئناف البرنامج النووي الإيراني من شأنه أن يؤدي إلى سباق تسلح نووي في الشرق الاوسط. فقد أعلنت السعودية بانه في مثل هذه الحالة ستعمل على تحقيق قدرات نووية، وواضح أن مصر ايضا لن تجلس مكتوفة الايدي.
من الصعب التقليل من المخاطر الأمنية الاستراتيجية لمثل هذا السباق على اسرائيل. وسيكون الغاء الاتفاق ايضا بمثابة صب الزيت على شعلة التوتر العسكري في الشمال، وسيعظم المواجهة في كل ما يتعلق بالتواجد الإيراني في سوريا.
ستجد اسرائيل نفسها في عزلة بشعة، صحيح انها ستكون مع الولايات المتحدة، في مواجهة الاسرة الدولية، وبالاساس الاتحاد الأوروبي، الذي يعارض بشدة الغاء الاتفاق ويقترح بدائل جديدة، بما فيها تحسينات مستقبلية فيه. ولكن بدلا من تبني مثلا سياسة الرئيس الفرنسي، التي تراعي قلق اسرائيل، يراهن نتنياهو ويتخذ سياسة عديمة المسؤولية ومفعمة بالمخاطر.
لقد كانت سياسة بيبي النووية مغلوطة منذ يومه الاول كرئيس وزراء في 2009. فقد غير سياسة شارون واولمرت، اللذين فهما بأن هناك أموراً «كبيرة على اسرائيل»، وضع نفسه في رأس الصراع العالمي ضد إيران، بل وأعلن بأن اسرائيل وحدها يمكنها ان تحبط البرنامج النووي الإيراني المتفرع والمتطور. 11 مليار شيكل استثمرت في الاستعدادات لقصف إيران، ولكن بيبي لم يتجرأ على تنفيذ خطته، ومعظم المال ضاع هباء منثورة.
يتبجح نتنياهو بأن حملته أدت إلى عقوبات ضد إيران. بالفعل، اضرت العقوبات بالاقتصاد الإيراني، ولكنها ليس فقط لم تبطىء السباق الإيراني نحو القنبلة، بل جعلته اكثر تصميما. من يوهم نفسه الان بأن تجويع الشعب الإيراني سيدفع آيات الله للتخلي عن القنبلة، لم يتعلم شيئا من درس كوريا الشمالية.
لاسفي، لم يجر تقريبا في الجمهور بحث جدي في سياسة نتنياهو الرافضة للاتفاق النووي. فبغياب معارضة سياسية، حان الوقت لأن يطلق رجال الامن، الذين يعتقدون بأن الغاء الاتفاق سيىء لاسرائيل، صوتهم ويحذرون من المخاطر التي تنطوي على ذلك.
يديعوت 10/5/2018