خسارة أن عباس لم يهتم بتعلم التاريخ

حجم الخط
0

في الخطاب المشهور الذي ألقاه أمام المجلس الوطني الفلسطيني، تفاخر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في أن ينقل لمستمعيه «درساً في التاريخ». الكارثة، شرح عباس، لم تكن نتيجة اللاسامية، بل نتيجة «السلوك الاجتماعي» لليهود الذين اشتغلوا في الاقراض واعمال البنوك، وهكذا أثاروا عداء الشعوب الأوروبية لهم. ومن أجل تبرير هذا الادعاء استند عباس إلى اقتباسات عن كارل ماركس وستالين وغيرهما، وليس إلى أبحاث.
إلا أنه في الحقيقة تبنى رواية لاسامية عمرها مئات السنين تماهي اليهود مع حب المال كتفسير للكارثة، وبهذا وضع عباس نفسه في المعسكر اللاسامي، وهو المعسكر الذي كان منذ البداية غير منفتح على تعلم التاريخ الذي يستند إلى الحقائق. إن معرفة بالحد الادنى للتاريخ اليهودي كانت ستعلمه أنه ليس فقط فعليا كان اليهود ذوي مهن متنوعة، بل أن معظم اليهود في أوروبا كانوا فقراء. وفحص اساسي للتاريخ الأوروبي كان سيعلمه ايضا أن مصادر الكراهية لليهود هي مصادر دينية، وأن تعاظم اللاسامية في أرجاء أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، من خلال تطوير شيطنة اليهود في أطر ايديولوجية وسياسية، هو الخلفية المركزية لقتل اليهود في الكارثة.
ادعاء آخر مدحوض أسمعه عباس في خطابه، يقول إن اتفاق النقل الذي وقع بين الوكالة اليهودية ووزارة المالية الالمانية، بعد أكثر من نصف سنة على تولي هتلر للحكم، يدل على أن هتلر كان ينوي التسهيل على هجرة اليهود إلى اسرائيل، وذلك بهدف استراتيجي يتمثل بدعم الصهيونية والاضرار بالفلسطينيين. إلا أن موقفه من المشروع الصهيوني عبر عنه هتلر جيدا في كتابه «كفاحي» (1925) عندما كتب أن «هدف الصهيونية هو انشاء مركز تنظيمي لاعمال تحايلهم بأبعاد دولية، مركز له سيادة ومحمي من تدخل الدول الاخرى، أي ملجأ للانذال ومدرسة عليا لتطوير المحتالين».
اتفاق النقل لم يكن كما هو معروف تعبيراً عن تأييد ايديولوجي للصهيونية، بل كان تعبيراً عن عدم الجدية التي مثلت السياسة المناهضة لليهود للنازيين في بدايتها، التي أدت إلى البحث عن طرق مختلفة من اجل «ابعاد اليهود بشكل كامل عن المانيا» (هدف وضعه هتلر في العام 1919) بأسرع وقت ممكن. وقبل صعود النازيين للحكم كان هناك في المانيا «ضريبة هرب»، التي هدفت إلى منع هروب الاموال من الدولة. وازاء الازمة الاقتصادية العالمية في العام 1929 صعبت هذه الضريبة على الخروج من المانيا لأن دولاً كثيرة أغلقت أبوابها أمام مهاجرين ولاجئين فقراء. الوكالة اليهودية أجرت مفاوضات وتوصلت إلى اتفاق مكّن، عبر اتفاق مالي مؤقت، يهود المانيا الذين أرادوا الهجرة إلى اسرائيل من الحصول على تعويضات عن جزء من اموالهم التي استثمروها في المانيا. في هذا الاطار هاجر فقط عدد قليل من اليهود من المانيا. هتلر نفسه لم يكن مشاركا في بلورة الاتفاق.
من الجدير ذكر أن الكارثة كانت وليدة عقيدة تقول إنه يجب محو الوجود اليهودي الشامل. في لقائهما في تشرين الثاني/نوفمبر 1941، وفي ذروة الكارثة، أوضح هتلر لمفتي القدس، الحاج امين الحسيني، بأنه عندما ستندفع القوات الالمانية عبر جنوب القوقاز نحو الشرق الاوسط «سيكون هدف المانيا هو تدمير اليهود الذين يعيشون في الفضاء العربي الموجود تحت رعاية بريطانيا العظمى» (هذا حسب تسجيل من اللقاء).
من المؤسف أن زعيماً فلسطينياً يعرض رواية تاريخية مشوهة تتعلق بتاريخ اليهود بشكل عام، وبظروف حدوث الكارثة بشكل خاص. حجة المتحدث بلسان عباس بعد أن قال ما قاله، هي أن عباس لا يمكن أن يكون لاسامياً لأنه كعربي ينتمي للعرق السامي، هذا الادعاء فقط يضيف لبنة اخرى إلى تشويه التاريخ والتساذج.
اعتذار عباس بعد مرور خمسة ايام من الادانات يدل على مقاربة ايجابية كما يبدو، لكن أولا يجب الاشارة إلى أنه لم يقل في الاعتذار بصورة واضحة إنه يتراجع عن قراراته التاريخية. ثانيا، إن من يفحص بصورة دقيقة سيجد أنه لم يغير في اعتذاره الادعاء الاساسي في الرواية الفلسطينية. لقد أبدى اعتذاره امام «أبناء الديانة اليهودية» الذين تضرروا من اقواله، وشدد على أنه «يحترم الديانة اليهودية مثل الديانات الاخرى»، أي أن اليهودية حسب رؤيته، هي فقط ديانة وليست خاصية وطنية لشعب، معني بالتعبير عنها بصورة سياسية. من هنا يأتي أن الصهيونية ليست سوى اختراع كولونيالي مكّن من إيجاد شراكة ايديولوجية بينها وبين النازية. كما يتأتى من ذلك أن الفلسطينيين يدفعون ثمن جريمة الكارثة، لأن اسرائيل أقيمت من خلال استغلال الكارثة. الفلسطينيون بناء على ذلك هم ضحايا الضحايا. هذا الادعاء لا يسري من ناحية تاريخية.
بالضبط في سياق النزاع المستمر الذي نوجد فيه، نحن بحاجة إلى قادة يعرفون البحث التاريخي الجدي ويوجهون أنظارهم مباشرة إلى الحقائق.

هآرتس 10/5/2018

خسارة أن عباس لم يهتم بتعلم التاريخ
تصريحاته لا تتوافق مع الحقائق التاريخية التي تظهرها الأبحاث الجدية
دان مخمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية