أزمة الهوية في رواية «كتاب الأسرار» للجزائري إبراهيم سعدي

تركز رواية «كتاب الأسرار» للكاتب الجزائري إبراهيم سعدي، على شخصية نذير زاهر، أستاذ جامعي متزوج وله مكانة اجتماعية مميزة، انفصل والداه في طفولته بسبب اعتقاد الأب بأن الأم خائنة، حتى اختفت. ليظن أنها هربت مع عشيقها، ظل ذلك الفعل يطارد الأب حتى تزوّج من امرأة أخرى وظلّ يعنفها حتى قتلها في يوم من الأيام بذنب لم ترتكبه. يذهب نذير الطفل، بوصية من الأب، إلى عمّه ليكفله بعد تسليم والده نفسه للشرطة، ليكتشف أن عمه المعروف بـ«زوج امرأة الشهيد»، كما يقال، هو قاتل ذلك الشهيد زمن الثورة الجزائرية. وهو ما جعل نذير زاهر يعود إلى ذاته مستفسراً عن دواعي الجريمة في عائلته، فيكتشف بعد سفره إلى المكان الذي جاء منه أنه ينحدر من سلالة مجرمين.
هكذا ستصير مشكلة الهوية والانتماء وسواسا وقلقا وجوديا داخليا لنذير زاهر، بعد جريمة الأب واكتشاف جريمة الأجداد وجريمة العم، إن صدقت الإشاعات. حتى نشأت لديه فوبيا الإجرام، لم ينفع معها مستواه العلمي ولا مكانته الاجتماعية ولا زياراته للطبيب النفساني. فيتحول بدوره إلى مجرم حين يقتل صديقه الوحيد مرزاق.
يجد نذير زاهر وراءه تاريخا قائما على القتل، سنّه الأجداد وصار ملتصقاً بالسلالة وملمحا محددا للهوية. يحاول التخلص منه عبر القراءة، فيجد نفسه في النهاية مخلصا لقدر عائلته. يتفوّق على مكانته الاجتماعية والثقافية وتخريجة الطبيب النفساني، والبحث العلمي. فيجد نفسه عاجزا أمام سلطة قدر اكتشفه بعد جريمة والده، ما دمر مشاعره، وصار مقتنعا بأنه لا محالة سيصير مجرما إخلاصا لهوية السلالة.
يعيش «البطل» مشاعر العزلة وذنب الانتماء إلى سلالة مجرمين، سيتحول في ما بعد إلى لامبالاة وقلق ويأس وعبث، لما يقدم على فعل أي شيء، بما في ذلك التعاون مع الشرطة، نتيجة فقدانه أي سند يرتكز عليه، على الرغم من محاولته الهروب والتعالي على مشكلته بالبحث العلمي، الذي سيقوده إلى نتائج مماثلة لحياته، تجارب حياتية مليئة بالقتل والانتقام والعزلة والمنفى والعبث والانتقام من الذات. ليلقى المصير نفسه، ويجد نفسه قاتلا هو الآخر، ويعيش ما تبقى من حياته بهوية جديدة، لكن بدون أن يستطيع التخلص من ماضيه ومن هويته الأولى. تعمل رواية «كتاب الأسرار» على فضح أفعال الشخصية المفككة والمتشظية لأنا تعيش حالة من اللاقدرة أو العجز أمام ما تقدم عليه من أفعال، لا علاقة لها بالبطولة التي افتقدت في مجتمعه الجزائري الذي صارت فيه الجريمة أمراً مألوفاً في العشرية السوداء، وفي أحيان كثيرة بلا جدوى. فيعوضه البطل المجرم القدري الذي يتخذ مسارات غريبة تعكس التناقضات الداخلية التي عجز عن تجاوزها. فيظل الشعور بالذنب يطارده وكذا انتماؤه إلى سلالة المجرمين يساهم في تهديمه من الداخل.
وعلى الرغم من تركيز الرواية على شخصية نذير زاهر، فإن ذلك لم يمنعها من الالتفات إلى شخصيات الأخرى، وإن كان ذلك دائما في ارتباط بالشخصية المركزية، وهو ما جعلها تتداخل مرآويا مع شخصية نذير زاهر.

تماهي الهوية

أمكننا التوقف على مجموعة من التقاطعات والتداخلات بين شخصيات الرواية، وصلت إلى درجة التماهي في بعض الأحيان. ويمكن أن نرصدها في ثمانية عناصر.
1- التوتر مع المكان: لا تحمل الأماكن في الرواية أي مواصفات إيجابية، ما ينتج عنه وجود تنافر بين الشخصيات والأمكنة، فكل الأمكنة التي انتقل إليها نذير زاهر أو عاش فيها تنعدم فيها شروط الحياة.
2- اختفاء الشخصيات: تتعرض مجموعة من شخصيات الرواية للعنة الاختفاء، بكل معانيه، اختفاء يصير معادلا للموت.
2-3- الغموض: تحيط بكل شخصيات الرواية مساحة من الغموض وتشوب السرية كثيرا من سلوكاتها وأفعالها. وهو غموض اختياري تراه الشخصيات وسيلة لمواجهة ومجابهة واقعها، والاستمرار في الحياة، ووسيلة لتجاوز أزماتها النفسية والعاطفية. كما تجد الشخصيات غموضا في سلوك بعضها وتصرفاتها فتتوقف متسائلة، لا ترتاح لبعضها بعضا بسهولة، ليتقوى لديها الخوف والشك والاحتياط.
4- كشف الأسرار: غموض الشخصية يجعلها موضوعا مستغلقا ومحط اهتمام ومتابعة وملاحقة، وهو ما يقود الشخصيات الأخرى إلى محاولة فك طلاسمه، فتتحول الشخصيات إلى موضوعات لبحث الشخصيات الأخرى. فتحاول فتحها والتفكير فيها والبحث عنها ولو تطلب منها ذلك السفر. يقود بحث الشخصيات إلى نتائج مفاجئة ومثيرة بالكشف عن حقائق كان من الأفضل تركها غامضة ومسكوتا عنهاً. مثلا: اكتشاف أن الشاعر أبرها امرأة وراءها سر كبير، واكتشاف نذير أن أجداده قتلة، واكتشاف أن عمه قاتل. وقد تفرض غواية البحث والاكتشاف على أصحابها السفر والانتقال إلى أماكن مجهولة وحافلة بالأخطار.
5- السفر: تسافر جل شخصيات الرواية إذ غدا السفر في الرواية وسيلة للكشف والاكتشاف. بدل أن يكون الهدف منه طلب الاستجمام والراحة، كما هو معهود، صار هدفه البحث والنبش في ماضي الذات وماضي الآخرين وأسرارهم. كما أنه ليس كشفا واكتشافا للطبيعة والناس والعادات والأثنوغرافيا، وإنما هو كشف للأسرار المتعلقة بالذات مثل البحث عن الأصل، وسؤال الأصل، والهوية، بالبحث عن الأجداد وحقيقتهم ﴿نذير﴾. فيكتشف نذير، المنذور للبحث والانتقال من مكان لآخر، سرا خطيرا هو تأصل الجريمة في سلالته لدى أجداده. فهو سفر في الزمان والمكان والعرق. ويتم السفر إلى أماكن مهجورة تنعدم فيها الحياة، وهو نوع من الموت الرمزي، وبدل أن يحل أزمة الذات يضاعفها، خصوصاً لما تكتشف سرا كان من الأفضل الإبقاء عليه في طي الكتمان.
6- التأزم: تعيش جل الشخصيات أزمات نفسية داخلية أو اجتماعية أو عاطفية. لا تحاول الإفصاح عنها بسهولة، وتُبقيها متستّرة، حتى تكشف عنها شخصيات أخرى إما ببحث مقصود أو على سبيل الصدفة، وخصوصاً الشخصية الرئيسة، نذير زاهر، الذي يخرج من أزمة ليدخل أخرى.
– أزمة الانتماء والهوية لدى نذير زاهر، التي ستولد لديه أزمة نفسية وهي فوبيا الإجرام، متمثلة في الخوف من أن يتحول إلى قاتل. وخوفه من قتل زوجته، مثل ما فعل والده.
– أزمة مرزاق العاطفية، إذ يعمل على التكتم على حبه لنهلة أمام صديقه نذير،
– أزمة الإمام أمقران العقدية، كيف كان ماركسيا في شبابه، وتم تعيينه إماما بعد تخرجه في مكان ناء تنعدم فيه أبسط شروط الحياة،
– أزمة ضياء العاطفية لما اصطدم حبها للونيس بسر لا يعرفه إلا عمها وهو قتل والد لونيس لوالدها،
– أزمة نهلة، زوجة نذير، النفسية بسبب أزمة زوجها وانشغالها به ومساعدته على تجاوز أزمته، بعد أن اكتشفت أنه مهووس بالبحث عن امرأة اسمها ضياء،
– أزمة التهميش بالنسبة للونيس، على الرغم من تاريخه الفني الحافل، وثانيا أزمته النفسية الناتجة عن فقدان الحبيبة ضياء.
7- العزلة: تعيش أغلب شخصيات الرواية العزلة، وتقضي ما تبقى من أيام حياتها وحيدة، خصوصا لما تفقد الأمل في إيجاد حل لأزمتها، أو يصبح الحل مستحيلا، أو التستر على فعل شنيع قامت به. فهناك حدث أو ذكرى أليمة تجعل الشخصيات تختار العزلة مكرهة. فتكون العزلة مخرجا لها من أزمتها، تخمدها في الظاهر، لكنها تظل مشتعلة في الباطن. ومن ذلك نذكر:
– اختيار مرزاق العزلة والواحدة ورفض الزواج بعدما تزوج نذير بحبيبته نهلة،
– الوضع المزري الذي آل إليه لونيس نتيجة موت زوجته أثناء الوضع وحبيبته، فانتهى إلى العزلة بفندق،
– اختيار والد نذير العزلة لما ارتأى العيش وحيدا، على الرغم من إلحاح نذير على العيش معه،
– المنفى الاختياري لنذير بمروانة، بعد إقدامه على جريمة القتل استجابة للقدر،
– العزلة الإجبارية لأمقران إمام مسجد مروانة بسبب التعيين، لكنه مع مرور الوقت استأنس بها، وفضل البقاء ساعة فرار الجميع بسبب فهمهم الخاطئ لهلوسات نذير أثناء احتضاره اعتقادا منهم أنه ولي.
– عاشت ضياء بدورها العزلة والنفي والغربة متماهية مع أبي حيان التوحيدي لما رفض عمها تزويجها بلونيس، لسبب خطير كانت تجهله.
كما نسجل انشداد الشخصيات إلى الطبيعة وهروبها من الإنسان؛ هروب والد نذير بعد جريمته المتمثلة في قتل زوجته، هروب نذير إلى قرية مهجورة. هروبها هو نفي اختياري عقابا للذات على ما اقترفته من جرائم بشعة. كما أفضى اكتواء الشخصيات بأزمات مشابهة إلى جعلها مرايا لبعضها بعضا.
8- التماهي: جعلت كل هذه التداخلات والتقاطعات الشخصيات متماهية ومرايا لبعضها بعضا، ومن ذلك نذكر:
– حكاية الرجل الذي وجده نذير في جاما بدوره ناشدا العزلة،
– بين الونيس ونذير؛ الأول أراد التخلص من هويته وماضيه بعد الإهمال الذي تعرّض له، والعيش بهوية جديدة وهو ما فعله نذير، الذي أصابته عدوى لونيس ليظهر بهوية جديدة هي عثمان أيوب تخلصا من ماضيه وجريمته البشعة. كذلك والد لونيس قاتل ووالد نذير قاتل. موت زوجته ضياء أثناء الوضع يوازيه اختفاء نهلة خلال الطوفان. موت نهلة بدون قبر يوازي أنها عاشت موزعة بين إرضاء زوجها وإرضاء نفسها حتى عاشت ما تبقى من حياتها في صورة ضياء، من خلال محاولتها التماهي معها،
– تماهي نذير ووالده وأجداده: القتل، والمرور من تجربة السجن، وأخيرا نشدان العزلة خلال ما تبقى من الحياة.

تركيب

هكذا استطاع إبراهيم سعدي، باختياره الروائي المتمثل في التركيز على الشخصية الروائية، خلق عالم روائي ينبني على شخصية مثقف يحوله القدر إلى مجرم، ويجرده من كل مزاياه. يحاول تجاوز أزمة هويته بالبحث والسفر فيكشف عن عوالم مليئة بالأسرار وشخصيات تتداخل معه في أزماتها ومسارتها.

٭ كاتب مغربي

أزمة الهوية في رواية «كتاب الأسرار» للجزائري إبراهيم سعدي

بوشعيب الساوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية