ليست الحداثة هبة معطاة، سواء على مستوى التنظير أو الممارسة، لاقترانها أساسا بالفقد، وباعتبار أن تملكها مشروط باستعداد الذات للتجرد الكلي من ذاتها بما هي ذاكرة هوية وذاكرة خصوصية، كي تتمكن من منازلة ضواري الأزمنة البائدة، المتربصة بها في مجموع ما تتردد عليه من فضاءات مادية ورمزية، والتي رغم انحدارها من مجاهلها المستقلة بقوانينها وقيمها، فإنها قادرة على التحكم في حركية الواقع المعيش، وإخضاعه لطقوسها ومسلماتها النظرية.
وهذه الهيمنة المتعددة الأبعاد، هي التي تحدث ارتباكا مزلزلا في قلب المسارات، التي يحاول أن يفتحها التحديث في قلب هذا الواقع، أما بالنسبة لمصدر الارتباك، فيعود أساسا إلى هشاشة هذه المسالك وضعفها، أمام قيم الأزمنة القديمة التي تقدم ذاتها بوصفها أصلا مُعدًّا سلفا لممارسة استمراريته وتحكمه في كل ما سيلي من أزمنة، ثقافات وحضارات، علما بأن الأصل يكون دائما معززا بعنف تعاليه، وتمحوره الأعمى حول مركزيته المتجهمة، بما يعني انتشار مسافات شاسعة من الاختلافات التي تتعارض فيها المفاهيم، وتتناقض المنهجيات.
وفي السياق ذاته، ينهض تساؤل إشكالي من قبيل، ثمة أرضية محتملة قابلة لاستضافة حوار ممكن بين الخطاب العَقَدي المعبر عنه في الأصل، والخطاب العلماني المعبر عنه في خطابات التحديث؟ حيث ينتصب ذلك الالتباس الكبير بين أخلاق الحضارة، وحضارة الأخلاق، وهما معا يتكاملان في تفجير سؤال علاقة الكائن بالضرورة التاريخية، وإذا ما سلمنا سلفا بأن الحداثة تدين بحضورها لعصر الأنوار، فهل يعني ذلك، أن الأمر يتعلق بامتياز مكاني؟ حيث يقترن هذا العصر عادة، بمركزية استعمارية غارقة في دماء ما سحلته من شعوب؟ وهل كل دائرة نالت حظها من الأنوار، ستنال بالضرورة حظها من قبَس الحداثة؟ وإذا كانت الحداثة مقترنة أصلا بالعقل، أليس من حقك التساؤل عن الحمولة الدلالية لهذا العقل؟ وهل هناك وصفة جاهزة، نهائية، ومطلقة لصياغة قوانينه ومنظوماته؟ وهل ثمة في جميع الأمكنة والأزمنة عقل واحد بالمواصفات نفسها، والميكانيزمات نفسها؟ ألا تمارس الخصوصية المكانية تأثيرها المباشر على بنية العقل؟ باعتبار أن المكان بمثابة دينامية اجتماعية وثقافية وحضارية؟ بمعنى إلى أي مدى يمكن فصل العقل عن محيطه؟ وهو أمر يندرج في باب الاستحالات، حيث يمكن الحديث عن أنماط جد متعددة من أنماط العقل، انسجاما مع تعدد شروطه الاجتماعية، وخصوصياته الثقافية، فالعقل ليس مجرد بنية قائمة الذات، بقدر ما هو ترجمة لتفاعلات موضوعية وذاتية، يكون لها دورها المركزي في تنويره، أو إقباره، حيث لا يمكن الحديث عن منهجية مشتركة بين عقل يتواجد في القطب المتجمد الشمالي، وآخر يتواجد في الصحراء، مادام العقل يظل مقيدا بشروط أمكنته وأزمنته، بما هي شروط معرفية وثقافية واجتماعية، وفي هذا الإطار سوف نفتح قوسا ضيقا، يخص الكثير من رموز الحداثة، الذين عودونا على مناقشة الحداثة من منطلق تشهيرهم المجحف بالتراث، «باعتباره عقبة كأداء في طريق كل ممارسة تنويرية»، وعلى الرغم من اقتناعنا بأهمية وضرورة مساءلة أي ظاهرة ثقافية ومعرفية من وجهة نظر نقدية وموضوعية، إلا أننا لن نتردد في الإعلان عن تحفظنا، حينما ينفلت النقاش من إطاره النقدي والعقلاني، إلى الحيز التشهيري، إذ لن يكون بوسع مقاربة تتوفر على الحد الأدنى من المسؤولة، أن تتنكر جملة وتفصيلا، لما يتميز به التراث من أهمية تاريخية تتمثل في توثيقه للمسارات الذهنية والفكرية والجمالية، التي عايشتها شعوب بعينها في محطات محددة من تاريخها، مع اقتناعنا بأن هذه الأهمية ينبغي ألا تكون ملزمة لأي منهجية علمية، بدعوى تعالي التراث وقداسته، ذلك أن القداسة تشل حركية كل مراجعةٍ، نقاشٍ، أو إعادة نظر وتفكير، بما يجعلها عائقا حقيقيا لاشتغال العقل، والقول بلا جدوى الجدل وإعمال الفكر، والتأمل النقدي، يعني القول بإمكانية الاستغناء التام عن العقل، بل أكثر من ذلك، يعني الإقرار الضمني بعقوقه وقصوره، وهما معا يُفتيان بضرورة الحجر عليه، صيانة لحرمة القداسة المعبر عنها دائما، بسلطة أصلٍ لن يكون له تبديل.
وفي الوقت نفسه، ليس من الضروري استحضار سلطة التراث من أجل اعتماده وسيلة نهائية لحل إشكالات حداثية، تأكيدا على نجاعته الإجرائية، وديمومة معالجته لكل ما يجد في حياتنا اليومية والفكرية من إشكاليات، بمعنى أن الوعي الحداثي معنيٌّ بالبحث، ضمن آفاق تقنية ومعرفية متعددة المداخل، تفاعلا مع مختلف المستجدات الناتجة عن الحركية الطبيعية، التي يتسم بها العصر في راهنيته الصادمة، بدل توريط العقل في مأزق البحث عن وسائل خرقاء، لإعادة الروح إلى أجداث تحللت تماما، ولم يتبق منها ما تتخطفه بغاة الطير، كما هو الشأن بالنسبة لممارسات ثقافية، تبدو من وجهة نظرنا جد مَرَضية، يتخذ خلالها جهابذة مفكرينا مقارعة التراث أفقهم الدائم للبحث والسؤال، كتعبير ضمني عن إصابتهم بالعي، والعمل على مداراته بشطط المزايدة، التي أمست منهجية معتمدة عمليا، في تحصين المواقع الرمزية لنسبة كبيرة من الحداثيين المعطوبين، كما لو أن الطريقة المثلى والوحيدة، التي تتيح لهم فرصة احتلال موقع مريح في صالون المعرفة، هي رفع الشعارات المناوئة للذاكرة التراثية، ففضلا عما يفضي إليه رفع الشعار من سهولة في التلقي وميكانيكية في الاستجابة، فإنه إلى جانب ذلك، يمارس سحره على المتلقي، خاصة أن تمثله لا يتطلب أي مجهود فكري أو معرفي، تماما على غرار المزايدة، التي تعتبر وسيلة غير مكلفة فكريا، ولا تتطلب من ممتهنيها سوى القليل من الجرأة، والقدرة على الصراخ الخالي من أي حمولة فكرية. لهذا السبب تحديدا تتصف الخطابات العربية المنتصرة للحداثة، بلكنتها السجالية، التي يقتصر فيها الفكري على أداء دور توابلَ، تُشرعن الوجبة السجالية، وتضفي عليها ما تيسر من لذة المصداقية.
وبفعل تحول السجال إلى موضوع مركزي، أضحى ممكنا القول بهيمنة حداثة سجالية بالمفهوم القدحي للكلمة، التي تتجسد خصائصها في خلوها من الفكر، ومن البعد التأملي، ومن الإشكاليات الحقيقية الجديرة بالمقاربة، وبموازاة ذلك، يمكن الإشارة إلى مفارقة على درجة كبيرة من الغرابة، وتتعلق بظاهرة الفصام الجذري، القائم بين الحداثة الثقافية والحداثة الحضارية، طبعا من وجهة نظر المراكز الغربية، ذلك أن الخطابات التي تفرزها الحداثة المركزية عن الثقافة، تتميز بانفتاحها المغرض و المسرف إلى درجة الميوعة، فهي تدعو إلى التنوع والتعدد ومراعاة الخصوصية واحترام الآخر، والدعوة إلى عدم المفاضلة بين الثقافات، من خلال تقييم كل نسق ثقافي على ضوء قوانينه الخاصة به، باعتبار أن المعايير الموظفة في تأطير جمالية برج إيفل الباريسي، ينبغي عدم اعتمادها في مقاربة القيمة الجمالية والوظيفية للسهام التي تصنعها قبائل البِيغْمِي المنسية في مجاهل الأدغال، وهو ما يرتقي بالمنجزَيْن معا إلى مكانة ثقافية مشتركة، لكن وبمجرد إخضاعهما لمنطق التصنيف الحضاري المعتمد من قبل المراكز الحداثية، فإن قبيلة البيغمي بمجموع ما صنعته وتصنعه من سهام، من بداية الكون إلى الآن، يتحول للتو، إلى نكتة تُطوِّح بها خارج أي تصنيف حضاري أو إنساني. بهذا المعنى، تنفصل الحداثة الثقافية، عن الحداثة الحضارية الموجهة بقوانين التقنية وأسواقها المالية، ذات البعد الأسطوري. من هذا المنظور، تصبح الخطابات المتمحورة حول الحداثة الثقافية، محض كذب وبهتان، إذ سيتعذر إنكار الصيغة اللاأخلاقية التي يتم بها إقصاء الخصوصيات الثقافية، وهو ما يحفزنا على إعادة النظر في مفهوم التعدد، بالنظر إلى ما يلفه من غموض، بمعنى هل هو قيمة موضوعية تتضمن اعترافا فعليا بالآخر؟ أم أنها مجرد أكذوبة لا تلبث أن تكشف عن بشاعة ملامحها ضمن خاصية التصنيف الحداثي للشعوب؟
٭ شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني