ربما تذكرنا الأسبوع المقبل من أيار (مايو) على أنه مختلف جدا، على أنه شهر العاصفة التي ستهب على إسرائيل والمنطقة، مع أن أيار (مايو) نفسه لم يكن شهرا مختلفا للفلسطينيين، لأنهم يتذكرون فيه نكبتهم (1948) وقرروا هذا العام أن يعلنوا عن ذكراهم وذاكرتهم بطريقة مختلفة، من خلال مسيرات العودة الكبرى التي تجتمع منذ 30 آذار (مارس) على الحدود في غزة للإعلان عن حق العودة ومحاولة الزحف إلى مدنهم وقراهم التي طرد أباؤهم وأجدادهم منها. وهي طريقة مختلفة للتعبير عن الحق عبر التظاهرات السلمية كخيار للمقاومة بدلا من المواجهة العسكرية. فسكان غزة الذين يشكل اللاجئون نسبة 70 في المئة منهم خبروا حروبا ثلاث مدمرة وحصارا خانقا منعهم الحركة والحلم حتى. وهم وسط انقسام فلسطيني- فلسطيني استخدمه الأعداء الإسرائيليون والعرب من أجل التحايل على القضية الفلسطينية وتهميشها.
تسخين وهدايا
ففي الشارع العربي اليوم نرى ظواهر غريبة عن اصطفاف عربي- إسرائيلي باسم محاربة إيران. ومن هنا يحلو للمعلقين الإسرائيليين الحديث عن شهر أيار (مايو) الساخن، بل وقال مسؤول استخبارات إسرائيلي سابق إن «مايو هذا العام هو الأخطر منذ عام 1967»، مع أن إسرائيل هي التي تسخن الأجواء سواء على جبهة غزة أو الجبهة الشمالية في سوريا. فخيار القوة هو ما تتكشف عنه الحكومة اليمينية المتطرفة، ففي غزة قتل 45 فلسطينيا برصاص القناصة وجرح المئات بعد مسيرات كبيرة للعودة التي يحضر الفلسطينيون يوم الإثنين المسيرة الكبرى احتجاجا على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وفي الشمال زعم أفيغدور ليبرمان، وزير دفاع إسرائيل الذي يعيش في مستوطنة قرب بيت لحم أن الطيران الإسرائيلي دمر في حملات قبل فجر الخميس معظم البنية التحتية الإيرانية في سوريا. وهي جزء من مواجهات مباشرة بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية على الساحة السورية. وبدأ التسخين في واشنطن التي تبعد آلاف الأميال عن الجبهة السورية أو غزة، فساكن البيت الأبيض دونالد ترامب، يحب منح الهدايا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكانت آخرها قرار الخروج من الاتفاقية النووية التي وقعها سلفه باراك أوباما في عام 2015 في انتصار واضح لخيار المواجهة الذي يدعو له نتنياهو منذ أكثر من عقد، بل وتجاوز سلطة الرئيس أوباما وذهب مباشرة إلى الكونغرس أثناء التفاوض على الاتفاقية محرضا النواب الأمريكيين على رئيسهم ومسعرا نيران الحرب. أما الهدية الثانية فهي قراره العام الماضي نقل سفارة أمريكا من تل أبيب إلى القدس واعترافه بها كعاصمة لإسرائيل، متجاوزا، أي ترامب التقليد الأمريكي الذي مضى عليه الرؤساء بتأجيل البت بالقضية لحين مرحلة المفاوضات النهائية. لكل هذا فنحن أمام اسبوع محمل بالكثير من المخاطر، خاصة أن شهر رمضان سيحل في نهايته، وأن وفدا رسميا لم يستبعد ترامب قيادته بنفسه لافتتاح السفارة الجديدة التي بدأ سفير واشنطن ديفيد فريدمان بعرض صورة عن شكلها. وفريدمان داعم متحمس للاستيطان وتبرع لجماعة يهودية صنفت على قائمة الإرهاب كما تقول صحيفة «جيروزاليم بوست» (11/5/2018).
استعراض القوة
ولو نظرنا للأحداث المرتقبة في القدس وغزة فإننا أمام سيناريوهات تصعيد، ففي 13 أيار (مايو) سيتدفق على القدس الآلاف للاحتفال بتوحيد المدينة تحت السلطة اليهودية بعد احتلال الجزء الشرقي منها عام 1967. وكما يقول نيل زبلر في مجلة «ذا أتلانتك»(11/5/2018) فإن من بين هؤلاء الكثير من المستوطنين الذين يأتون من مستوطنات الضفة وفي احتفالات سابقة دخلوا للأحياء العربية وخربوا المحلات التجارية العربية بشكل يؤكد استعراض القوة وملكية المدينة. وتتوقع الشرطة الإسرائيلية هذا العام أن يصل عدد المشاركين إلى 50.000 للاحتفال ليس بتوحيد القدس ولكن في اليوم التالي 14 أيار/مايو وهو نقل السفارة الأمريكية للقدس وسيشارك فيه وفد أمريكي كبير منهم بقيادة نائب وزير الخارجية جون سوليفان ويضم وزير الخزانة ستيف منشتين وجارد كوشنر صهر ومستشار ترامب وإيفانكا ترامب ابنته ومستشارته. واختيار موعد الافتتاح لم يكن عرضيا بل مقصودا للتزامن مع مرور 70 عاما على إنشاء إسرائيل حيث تعترف اليوم واشنطن بالقدس كعاصمة رسمية لها. ولأن 15 أيار (مايو) يعتبر بالنسبة للفلسطينيين هو يوم النكبة وطردهم من قراهم وممتلكاتهم، فهناك تحضيرات لتظاهرات في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية التي باتت تقود المقاومة ضد السياسات الإسرائيلية التعسفية. ففي صيف العام الماضي أجبر سكانها سلطات الاحتلال على رفع البوابات الألكترونية التي نصبت على أبواب الأقصى. وتقول الاستخبارات الإسرائيلية أن رئيس السلطة محمود عباس لا يريد خروج الأمور عن السيطرة. رغم غضبه على قرار ترامب نقل السفارة الذي اعتبره انسحابا أمريكيا من العملية السلمية وانتصارا لنتنياهو الذي سيرى أنه حقق هدفه الذي طالما سعى إليه وهو اعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل من أقوى حليف. وعلى ما يبدو فانتصاراته لن تتوقف كما تقول صحيفة «فايننشال تايمز» (11/5/2018) فالفلسطينيون على موعد بعد أسابيع مع «صفقة القرن» المتحيزة لإسرائيل. ونقلت عن يوجين كونتروفيتش مدير شركة القانون الدولية في القدس التي نصحت الإدارة بشأن نقل السفارة، إن أيا من هذه لم يكن أحد يتخيلها قبل عامين. وتأتي كما يقول في لحظة مهمة لتظهر نجاحات نتنياهو. ويقول إن الاعتراف بالقدس يعبر عن عودة دولية لإسرائيل فهي «في طليعة الأحداث الدولية وبتضامن كامل من جيرانها العرب»، في إشارة إلى تحالف الدول العربية معها لمواجهة إيران. ففي الأشهر الماضية استقبل رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي وكان ضيف شرف على الرئيس فلاديمير بوتين في احتفالات النصر. لكن النصر الأكبر لنتنياهو هو غوايته لترامب كما يقول مسؤول إسرائيلي بارز. فقرار نقل السفارة هو مثال كلاسيكي عندما يتوافق طلب إسرائيلي مع نزعات ترامب ليتخذ قرارا ظل خارج التفكير وتردد الرؤساء الأمريكيون بعمله. بل أصبح نتنياهو «متعهدا» أوكل له ترامب شأن السياسة الخارجية كما بدا في قرار الأخير الخروج من الاتفاقية النووية الإيرانية حيث غلبت إدارة ترامب خيار المواجهة على الدبلوماسية كما بدا في تحليل دانيال ليفي في «فورين بوليسي» (11/5/2018) حيث قارن بين دبلوماسية الرئيس الكوري الجنوبي التي منعت مواجهة مع الجارة الكورية الشمالية ودعوات الحرب التي أطلقها نتنياهو بحيث تضع المنطقة التي تعاني من حروب على فوهة حرب جديدة.
ماذا بعد البهجة؟
لكن هذا لا يخفي حالة النصر والجذل التي تنتشر في إسرائيل هذه الأيام وحس المعلق شيمي شاليف في «هآرتس» ان «في هذه الأيام بنيامين نتنياهو هو ملك ودونالد ترامب هو رب، ومستوى الادرنالين عال في شرايين هذا الشعب بشكل سيؤدي إلى فيضان هرمونات التستسترون». مضيفا أن نقاد الزعيمين يأملون بأنهم مخطئون بمخاوفهم وأن الجو الحماسي لن يتحول إلى كارثة. وقال بن كاسيبت المعلق في «معاريف» واصفا حالة الجذل بأنه مثل مباراة كرم قدم تفوز فيها إسرائيل بـ 10-0 و«المشكلة هي أن صفارة النهاية لن تنطلق أبدا» فـ «اللعبة الخطيرة التي جررنا إليها قد تتحول ضدنا في أي لحظة، فليس لديها قوانين واضحة وتعرف المؤسسة الأمنية أننا لسنا في وسط المباراة التي لم تبدأ بعد».
ثمن التجاهل
رغم كل هذه البهجة لإنجازات «الملك» نتنياهو، وتذكروا أن الصحافة الإسرائيلية أطلقت على أرييل شارون لقب «الملك» قبل أن يصاب بنزيف دماغي ويبقى لسنوات بين الحياة والموت، فإن هناك «وجها» آخر للمسألة وهو «التجاهل» الذي يقول خالد الجندي من معهد بروكينغز بمقالة نشرها موقع دورية «فورين أفيرز» (3/5/2018) بشكل جعل أكثر منطقتين محرومتين في فلسطين-غزة والقدس الشرقية – في طليعة المقاومة السلمية. فمسيرات العودة الجارية منذ أسابيع في غزة هي مثل اعتصامات المقادسة صيف العام الماضي ضد البوابات الألكترونية أمام الأقصى. ويرى أن جماعات العمل المدني في القدس وغزة عبأت السكان لبناء زخم اضطرت فيه حركتا فتح وحماس لتبني المسيرات. ويرى أن ظهور حركات احتجاج سلمي في منطقتين معروفتين بالعنف هي إشارة عن دخول السياسة الفلسطينية مرحلة جديدة. وهي بالضرورة أخبار سيئة لكل من إسرائيل والسلطة وحتى حل الدولتين. فالعملية السلمية التي قادتها الولايات المتحدة ركزت خلال السنوات الماضية على نسبة 40 في المئة من الضفة الغربية التي تعمل فيها السلطة الوطنية فيما تجاهلت القدس الشرقية وغزة نظرا لوقوع الأولى تحت السيطرة الإسرائيلية واعتبارها «عاصمة» أما الثانية فلحكم حماس لها التي تعتبرها أمريكا جماعة إرهابية. وبهذه الطريقة تحولتا لنقاط متفجرة. ومنذ عام 2007 تعيش غزة حالة من الحصار الخانق زادت فيه معدلات البطالة إلى 43 في المئة وفقد الشباب الأمل وأصبحت نسبة 38 في المئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر و80 في المئة يعتمدون على الدعم الدولي. وحسب الأمم المتحدة فتلوث المياه الصحية وغياب الخدمات الصحية تجعل منه غير صالح للعيش. وأسهمت السلطة الوطنية في تدهور الأوضاع المعيشية عندما امتنعت عن دفع فواتير الكهرباء ورواتب الموظفين. ولم يكن حال القدس الشرقية مختلفا عن غزة مع أن عزلتها تمت بهدوء حيث حرم سكانها الفلسطينيون البالغ عددهم 300.000 من الخدمات الرئيسية وعزلوا عن السلطة الوطنية وأصبحوا منسيين. وبالإضافة لفصلهم عن الضفة الغربية وعزل مناطقهم من خلال المستوطنات، فقد تعرضوا لتمييز صارخ في الخدمات سواء الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم وحق الإقامة. ومع أنهم يشكلون نسبة 39 في المئة من سكانها إلا أنهم لا يحصلون إلا على نسبة 12 في المئة من خدمات البلدية. وتعيش نسبة 75 في المئة منهم تحت خط الفقر. وزادت عمليات القهر بعد فشل كامب ديفيد وتم تجريد أكثر من 14.000 من إقاماتهم وتركت سياسات القمع وملاحقة المؤسسات المدنية والسياسية سكان القدس حسب محلل «أيتاما بدون قيادة». ومن هنا فتحول غزة والقدس الشرقية لمناطق احتجاج سلمي يمثل تحديا لإسرائيل والسلطة وبشكل أقل لحماس. فرغم الشجب الدولي لطريقة تعامل إسرائيل مع المتظاهرين العزل إلا أنها لا تزال تؤمن، بل ومسلحة للتعامل مع أعدائها بالقوة. ومع أن حماس ليست الطرف الذي بدأ الاحتجاجات لكنها تبنتها نظرا لتعبيرها عن المزاج العام وليس كتحول في نهجها المقاوم. إلا أن الاحتجاجات تمثل تحديا أكبر لعباس الذي وقف متفرجا، واتهم حماس باستغلالها لمصلحتها. ولكنه تخلى عن مسؤولياته لمواجهة مشاكل القطاع ورفض العودة إليه إلا في حالة فككت حماس القوى الأمنية. وبهذا الموقف المتشدد جعل عباس نفسه وسلطته لا أهمية لها. فثلثا أهل الضفة يريدون رحيله، ولكنها أعلى في غزة، 80 في المئة الذين ابتعدوا عن أجندته السياسية أيضا. وهذا يدعو للعودة بالاهتمام بغزة والقدس باعتبارهما مفتاح الدولة الفلسطينية إن كان هناك أمل لقيامها.
إبراهيم درويش