بعد النتائج المرضية التي انتهت بها الجولة الحالية من المواجهة مع إيران في سوريا، يجب على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن تركز في هذا الاسبوع الجهود ايضا على ما يحدث في المناطق. الخطر الاساسي للتصعيد الذي سيخرج عن السيطرة يتعلق بالمظاهرات الكبيرة المخطط لها على طول الجدار في قطاع غزة يومي الاثنين والثلاثاء. ولكن في الشمال ايضا فان إحباط العملية الإيرانية والهجمات الكثيفة لسلاح الجو لا تشكل نهاية الامر في هذه المرحلة ولا توجد أي اشارة على أن إيران تفكر بوقف اتجاه تركيز قدراتها العسكرية في سوريا.
في قطاع غزة جرت أول أمس مظاهرات لحماس، وكان ذلك نهاية الاسبوع السابع على التوالي، فلسطيني واحد قتل والمئات أصيبوا. عدد منهم بالنار الحية. ولكن يبدو أن منحى الانخفاض في عدد المصابين مستمر، وكذلك يبدو أن هناك رداً على الاختراع الاخير لحماس، اطلاق الطائرات الورقية الحارقة على حقول الكيبوتسات والبلدات في غلاف غزة، الذي الصق له في وسائل الاعلام اسم «إرهاب الطائرات الورقية»، رغم أن ذلك اغضب ضباط الجيش.
الجيش الإسرائيلي استعان بمتطوعين قاموا بتشغيل طائرات مسيطر عليها سريعة وصغيرة. خلال دقائق كان يمكن رؤية قرب كيبوتس ناحل عوز كيف تقوم طائرة كهذه باعتراض طائرة ورقية قابلة للاشتعال بواسطة التصادم معها، وطائرة مسيطر عليها صغيرة أخرى تسقط طائرة ورقية أخرى عن طريق ضربها بقطعة خشبية. هذه الحلول كالعادة تم ارتجالها بصورة سريعة جداً. رائد في الجيش النظامي اقترح هذه الطائرات المسيطر عليها التي تصطدم بالطائرات الورقية. ضابط معسكر قيادة فرقة غزة، هاوي الصيد في الاجازات، اقترح الطائرة المروحية المسيطر عليها التي تنغرس في الطائرة الورقية. القصة كلها حدث فيها تحول حاد غير معقول عندما حاول اليمين اطلاق طائرة ورقية انتقامية باتجاه غزة وحرق بالخطأ حقل في الجانب الإسرائيلي. اتجاه الرياح في منطقة كبيرة مفتوحة خدع جهود الجنود في استخدام الغاز المسيل للدموع، الذي في بعض الحالات انتشر بين الجنود.
ولكن الانتظام العسكري يبدو الآن اكثر تنظيما وعقلانية، كلما تمت مراكمة التجربة في مواجهة أساليب عمل الفلسطينيين الجديدة: مظاهرات جماهيرية، مدنية ظاهريا، التي في ظلها يقترب عشرات الشباب ونشطاء الأذرع العسكرية إلى الجدار في محاولة المس به واقتحامه. نظرة من البطارية التي بالقرب منها يوجد موقع للقناصة في جنوب حاجز كارني، تدل على المهمة المعقدة. من بين الاسلاك الشائكة التي وضعها الجيش الإسرائيلي غرب الجدار، في أراضي القطاع، وبين الجدار نفسه، تفصل فقط بضع عشرات من الامتار. اقتحام جمهور للمنطقة الفاصلة يمكن أن يتم خلال دقائق، من داخل هذه المنطقة تم في الاسابيع السابقة تشغيل عبوات بدائية وقنابل يدوية.
الجيش الإسرائيلي وضع في كل نقطة احتكاك قادة كتائب وألوية، الذين يصادقون شخصيا على اطلاق نيران القناصة. أحيانا، لا سيما عندما يتعلق الامر بقناصة نظاميين ورجال وحدات الشرطة، فان القناصة أنفسهم يقررون عدم اطلاق النار، لأنهم لا يستطيعون التأكد من أنهم سيصيبون فقط ساق المتظاهر وفقا للتعليمات. وحسب اقوال الجيش، لا يتم على طول الحدود استخدام ذخيرة حديثة وفتاكة اكثر. عدد بارز من حالات الموت حدث بسبب انحراف رصاصة أو شظية خرجت بعد اصطدامها بالارض.
من زيارة ثانية إلى المنطقة في الاسابيع الاخيرة ومن سلسلة محادثات مع ضباط وجنود، لا يبدو هنا ذاك الفرح الموصوف في عدد من ‘علانات اليسار. الجيش الإسرائيلي استدعى إلى الحدود دبلوماسيين أجانب، الذين زيارتهم لمواقع القناصة اثناء المواجهة ربما ستمنحهم نظرة مكملة للصورة التي تبدو منها الامور من السفارات في تل ابيب.
هناك عدد من الخطوط المفاجئة في سلوك الفلسطينيين. هذا هو الاسبوع الثاني الذي يحرق فيه المتظاهرون المعبر التجاري في كرم أبو سالم من الجانب الفلسطيني. وزير الدفاع افيغدور ليبرمان أمر باغلاق المعبر إلى حين فحص خطورة الاضرار. ورغم ازمة الكهرباء في القطاع فإن الخيام التي من داخلها تخرج المظاهرات إلى حاجز كارني، تضاء بكشافات ساطعة في وضح النهار.
من اليوم ستنتشر على الحدود حوالي 11 كتيبة، أكثر بثلاثة أضعاف من حجم القوات العادي قبيل المظاهرات القريبة.
في الجيش يستعدون لحوالي 100 ألف متظاهر ويتوقعون محاولات جماهيرية، عنيفة اكثر من السابق، لاقتحام الجدار. هذه المرة الحادثة ستكون أقل تماهيا مع حماس. فتح السفارة الأمريكية في القدس غدا وذكرى يوم النكبة في يوم الثلاثاء سيوفران العلاقة الفلسطينية الشاملة للاحتجاج الذي يمكن أن يجر اليه ايضا من يؤيدون الفصائل الاخرى. في مساء هذا اليوم قصف سلاح الجو نفق حفرته حماس قرب معبر ايرز في شمال القطاع. هذا هو النفق التاسع الذي دمره الجيش الإسرائيلي في القطاع في نصف السنة الاخير.
ستجري ايضا مظاهرات في الضفة الغربية وفي شرقي القدس، رغم أنه في الوقت الحالي لا يظهر أي حماس جماهيري، وفي الضفة تم الحفاظ على هدوء كامل تقريبا خلال الاسابيع المليئة بالمصابين في القطاع. ولكن الحاجة إلى إظهار سيطرة على الشارع يتوقع أن تخرج ايضا رجال فتح في الايام القادمة. في الخلفية من شأن فتح السفارة الأمريكية أن يعطي دافعية جديدة ايضا لعمليات الإرهابيين الافراد. في هذا الاسبوع سجلت محاولتي دهس في الضفة، وجندي من الجيش الإسرائيلي أصيب بروح طفيفة، أيضاً في الضفة الغربية سيتم تعزيز القوات في لواء آخر.
تبادل اللكمات على الحدود السورية في فجر يوم الخميس، الذي وصف من قبل سياسيين كثيرين وفي عدد من وسائل الاعلام تقريبا كعيد وطني، حظي فقط باهتمام قليل في إيران. في إسرائيل يعتقدون أنه توجد للنظام مصلحة في الحفاظ على المواجهة بصورة متواضعة وتقليل خسائرها، التي لم يتم الاعلان عن الرقم النهائي لها. في إيران، بالمناسبة، يسمع ادعاء معاكس وكأن إسرائيل تكبدت قتلى وتخفي هذا الامر عن الجمهور (ادعاء يبين معرفة قليلة بالمجتمع الإسرائيلي تكفي لاعتباره هذا الادعاء غير معقول).
بعد الاحداث ثار سؤال لماذا استخدم الجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس، قواته بصورة لامبالية جدا، بحيث أن معظم القذائف التي اطلقت سقطت في الاراضي السورية، والاربع الباقية تم اعتراضها من قبل القبة الحديدية. في الاستخبارات العسكرية يعتقدون أن سليماني كان واقعاً تحت ضغط لتنفيذ هجوم مستعجل، بعد اصابة مخازن سلاح وخلايا اطلاق في الهجمات الإسرائيلية في الايام التي سبقت الاطلاق. للمرة الاولى كشف عن احدى الوسائل التي ارادت إيران نشرها في سوريا: نظام صواريخ مضادة للطائرات من انتاجها، (مداها حوالي 110 كم)، استهدف اصابة طائرات سلاح الجو اثناء الهجمات الإسرائيلية في سوريا.
جهاز الاستخبارات يقول إنه قد انتهت الجولة الحالية للقتال في سوريا. إيران ستجد صعوبة في مواصلة المواجهة المباشرة، قبل نشر الانظمة المضادة للطائرات بعيدة المدى بقوة ومعظم العمليات مكشوفة للاستخبارات الإسرائيلية. وحزب الله، حتى بعد نجاحه في الانتخابات اللبنانية، ليس متحمسا لتقديم مقاتليه كمتطوعين للقتال، لكن سليماني يوصف كخصم عنيد، يقوم بتقييم ما حدث والاستعداد وفحص اساليب عمل جديدة ـ في كل الحالات لا يتوقع أن يتنازل عن خطة التمركز في سوريا فقط لأنه تلقى بعض اللكمات. في الجيش راضون حتى الآن عن سير عملية «الشطرنج» ضد إيران في سوريا، ويحاولون عدم الانجرار إلى المديح الذي تغلف فيه وسائل الاعلام نجاحهم العملياتي.
يمكن الافتراض أنه حسب رأي رئيس الاركان آيزنكوت هناك درجة من السخرية تكمن في العناق المؤثر للمراسلين والمغردين من اليمين. وهؤلاء هم نفس الذين اتهموه بشكل دائم بالانهزامية واليسارية في السنتين الاخيرتين بسبب تعامله مع الجندي اليئور ازاريا وتصميمه على عدم تحويل المناطق إلى غرب متوحش في ذروة موجة إرهاب السكاكين.
التطورات في اليوم التالي لـ 15 ايار ترتبط بالدرجة الاولى بعدد المصابين في غزة في مظاهرات الايام القريبة. فور انتهاء موجة المظاهرات الحالية سيبدأ شهر رمضان، وفي كل سنة من السنوات التسع الاخيرة انتهت فترة الصوم بعدد من العمليات اكبر من المعتاد. في الشمال يمكن توقع استمرار المعركة مع إيران، وربما بقوة ووتيرة أقل مما في الشهر المكثف الاخير. ولكن مشكلات إسرائيل الأمنية لن تختفي حتى لو ظهر في هذه الاثناء أن الجيش الإسرائيلي ينجح في الامتحان الاصعب من بين الامتحانات التي مر بها، تنفيذ مهماته من خلال الامتناع عن الانجرار إلى حرب شاملة.
هآرتس 13/5/2018