إسطنبول ـ »القدس العربي»: تسود حالة من القلق والترقب أوساط اللاجئين السوريين في تركيا مع اقحام المعارضة ملفهم بشكل غير مسبوق في التجاذبات السياسية الداخلية في إطار الحملات الانتخابية التي بدأت تحضيراً للانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة المقرر إجرائها في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران المقبل.
ومبكراً ركزت العديد من أحزاب المعارضة التركية على اللاجئين السوريين في خطاباتها الانتخابية، مقدمة وعوداً للناخبين باتخاذ إجراءات صارمة ضدهم في حال فوزها بالانتخابات المقبلة.
ويعيش في تركيا قرابة 3.5 مليون لاجئ سوري، منهم 200 ألف فقط يقطنون في المخيمات المقامة بالمناطق التركية القريبة من الحدود السورية، والأغلبية الساحقة منهم تتوزع في المحافظات التركية المختلفة، ويتلقون خدمات صحية وتعليمية ويمارسون أعمالاً متنوعة لتوفير مصاريف حياتهم الأساسية.
وعود وتهديدات
أبرز الوعود العلنية المقدمة تتمثل في التعهد بإعادة اللاجئين في تركيا إلى بلادهم تدريجياً عقب الانتخابات، وقالت ميرال أكشينار زعيمة حزب «الجيد» والمرشحة للانتخابات الرئاسية إنها ستعيد اللاجئين إلى سوريا قبيل شهر رمضان المقبل، حال فوزها، وهو الوعد الذي قدمه مراراً حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، وغيره من الأحزاب.
وتحاول هذه الأحزاب من خلال دعايتها العلنية والأخبار التي تنشرها عبر وسائل إعلامها ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير مباشر إلى تسخير ملف اللاجئين كورقة رابحة في يدها للتأثير على نتائج الانتخابات المقبلة. وتقول المعارضة إن الحكومة التركية تقدم للاجئين ما لا تقدمه للمواطنين الأتراك، وتبث أخبار مفادها أن الحكومة تقدم للاجئين رواتب شهرية مرتفعة وخدمات صحية وتعليمية مجانية وتسهيلات يُحرم منها المواطن التركي، وتعتبر أن تواجد اللاجئين هو السبب في ارتفاع نسبة البطالة في تركيا وتراجع الأوضاع الاقتصادية في البلاد بشكل عام.
في المقابل، تحاول الأوساط المقربة من الحكومة التأكيد على أنه ورغم تقديم تركيا لخدمات واسعة للاجئين السوريين طوال السنوات الماضية، إلا أن الخدمات المالية المباشرة والخدمات التعليمية والصحية يتم تغطيها من منحة الـ6 مليار يورو التي تعهد الاتحاد الأوروبي بدفعها للاجئين السوريين في تركيا باتفاق الحد من الهجرة الموقع بين أنقرة وبروكسل.
سياسة الحكومة تجاه اللاجئين
الضغوط الكبيرة من قبل المعارضة التركية على الحكومة ومحاولاتها الإضرار بمكانة حزب العدالة والتنمية الحاكم في الشارع التركي من خلال ملف اللاجئين، بدأت منذ سنوات، ودفعت الحكومة إلى القيام بالعديد من الإجراءات العملية التي أدت إلى تقييد وضع اللاجئين في العامين الأخيرين بشكل خاص.
فعملياً، ومنذ أكثر من عامين توقف تدفق اللاجئين السوريين إلى تركيا بشكل كبير، وتوقف الأمر على أعداد صغيرة جداً تصل من سوريا عبر المعابر الرسمية أو التهريب، والموجودين حالياً في تركيا أغلبيتهم الساحقة هم من وصلوا خلال موجات الهجرة الأولى قبيل سنوات.
وخلال تلك الفترة ـ العامين الماضيين ـ قامت الحكومة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية بإجراءات كثيرة للحد من وصول اللاجئين بشكل عشوائي أو بأعداد كبيرة، واتبعت سياسة بناء المخيمات داخل الأراضي السورية، والقيام بمبادرات سياسية وعسكرية لمنع حصول تطورات تخلق موجات هجرة جديدة قرب حدودها، إلى جانب فرض الحصول على تأشيرة الدخول للسوريين الذين يريدون الوصول لتركيا من الخارج، وغيرها من الإجراءات التي حدت من وصول اللاجئين.
وفي اتجاه آخر، قام الجيش التركي بعمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون» وتمكن من تأمين مناطق جرابلس والباب وأعزاز ولاحقاً عفرين، وقالت الحكومة التركية إنها تمكنت من إعادة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى منازلهم بفضل هذه العمليات، وحاولت تقديم ذلك في إطار مساعيها إلى إعادة اللاجئين من تركيا لبلادهم ولكن ضمن شروط تضمن عودتهم لمناطق آمنة وتتمتع بمقومات الحياة الأساسية.
وفي مارس/أذار الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان: «سنحل مشكلة عفرين وإدلب، فنحن نريد عودة إخوتنا اللاجئين إلى ديارهم، وهم أيضاً يرغبون في العودة إلى أراضيهم بأسرع وقت ممكن، ولا يمكننا الاحتفاظ بـ 3.5 مليون لاجئ إلى ما لا نهاية، يمكن لقسم منهم أن يبقى هنا».
ومن خلال ما سبق، يتبين أن حزب العدالة والتنمية ما زال يتبع سياسة معينة اتجاه اللاجئين تحاول الموازنة بين مبادئه الأساسية المتعلقة باحتضان اللاجئين وسياسة الباب المفتوح، وبين احتواء غضب الشارع التركي وسحب ورقة إعادة اللاجئين من يد المعارضة في الانتخابات، وبالتالي يتوقع عدم حصول تغيير كبير في أوضاع اللاجئين السوريين في حال فوز العدالة والتنمية وأردوغان بالانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، مع استمرار سياسة تهيئة الأوضاع للعودة الاختيارية للاجئين دون إجبارهم على العودة إلى سوريا قبل انتهاء الحرب بشكل كامل.
على الرغم من أن تحالف الحزب الحاكم «تحالف الشعب» المكون من العدالة والتنمية والحركة القومية والوحدة الكبرى ما زال الأوفر حظا للفوز في الانتخابات المقبلة أمام تحالف المعارضة، إلا أن تعهداتهم وتهديداتهم ما زالت تثير الكثير من القلق لدى اللاجئين.
زعيم حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة ورداً على سؤال حول إمكانية طرد حزبه للاجئين في حال فوزهم في الانتخابات، قال إنه لن يعيد اللاجئين إلى الحرب للموت هناك، وإنما سوف يعمل على إحلال السلام في سوريا ومن ثم إعادة اللاجئين إلى مناطقهم.
وفي حين يُجمع المحللون على أن ما تقدمه المعارضة في ملف اللاجئين لا يتجاوز حالة الاستغلال السياسي لملفهم لحصد أكبر قدر ممكن من الأصوات في الانتخابات المصيرية المقبلة، يؤكدون على أن المعارضة ليس لديها أي برنامج أو رؤية محددة لكيفية التعامل مع هذا الملف الشائك.
وفي كل الأحوال، من غير الوارد أبداً لجوء المعارضة ـ في حال فوزها ـ إلى إجراءات تعسفية وفورية اتجاه اللاجئين، مع ترجيح سيناريو التضييق لجعل اللاجئين يفضلون العودة إلى الداخل السوري على البقاء في تركيا وهي عملية تدريجية ربما تستمر لسنوات.
الجدل حول الجنسية
حالة الخوف والقلق من نتائج الانتخابات التركية لم تنحصر باللاجئين السوريين، وإنما امتدت لتشمل اللاجئين الحاصلين على الجنسية التركية، والذين باتوا يعتبرون مواطنين أتراك ويتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة.
هذا الخوف نبع من تصريحات وتلميحات لجهات معارضة قالت فيها إنها ستلجأ إلى مراجعة ملفات السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية في السنوات الماضية مع التلويح بإمكانية تجريدهم منها.
وفي ظل عدم وجود أرقام رسمية أو إحصائيات ثابتة، يدور الحديث عن حصول عشرات الآلاف ـ على الأقل ـ من اللاجئين السوريين على الجنسية التركية، لكن المعارضة التركية تقول إن الأرقام أكبر من ذلك بكثير، وربما تصل إلى مئات الآلاف.
وبينما تقول الحكومة التركية إنها تمنح الجنسية التركية بموجب القانون للكفاءات ومن يحصلون على إقامات عمل وتتجاوز فترة إقامتهم 5 سنوات بموجب القانون، تقول المعارضة إن حزب العدالة والتنمية الحاكم يريد الاستفادة من تجنيس اللاجئين في الحصول على أصوات انتخابية، وهو ما تنفيه الحكومة.
وفي ظل الخوف المتزايد لدى الحاصلين على الجنسية، والجدل المتواصل بين الحكومة والمعارضة، يرى مختصون بالقانون إن سحب الجنسية أمر بالغ التعقيد ولا يتم بهذه السهولة، مرجحين أن الأمر لا يتعدى حالة التجاذبات السياسية ومحاولة المعارضة اجتذاب أصوات شريحة من الشارع التركي غير راضية عن سياسة الحكومة اتجاه اللاجئين لا سيما منحهم الجنسية التركية.
ويستدل على ذلك بأن الحكومة التركية وعلى الرغم من استصدارها قانوناً من البرلمان يتيح سحب الجنسية بشروط معينة، عجزت حتى اليوم من سحب الجنسية من مئات العناصر المنتمين إلى ما بات يعرف بـ«تنظيم غولن الإرهابي» ومتهمين بارتكاب جرائم والمشاركة في محاولة الانقلاب، إلى جانب عجزها عن سحب الجنسية من متهمين بالانتماء إلى تنظيم بي كا كا الإرهابي وبعضهم متهم بالمشاركة في تفجيرات قتلت العشرات وما زالوا فارين خارج البلاد ولم يتم سحب الجنسية منهم.