هل يمكن تحويل الضحايا على الحدود مع غزة إلى وقفة من أجل التسوية مع حماس؟

حجم الخط
2

صلاح البردويل هو أحد الناطقين بلسان حماس في غزة. عندما روّج لأحداث يوم الاثنين في الاعلام الفلسطيني، مجّد بطولة منظمته، وتضحيتها. فقد قال ان «50 تقريبا من الـ 61 قتيلا هم من رجال حماس. رسالة واحدة للرأي العام في العالم، رسالة معاكسة للجمهور في البيت: نحن نعرف التكنيك. أما في الجيش الاسرائيلي فقد سارعوا إلى تبني القصة. وبدا هذا كمقطع من أسطورة الفصح: 61 ناقصاً 50 يساوي 11. الرضيعة لا تحتسب: فقد ماتت بخلل في القلب، إثنان قتلا في حادثة عمل. والنتيجة اننا قتلنا ثمانية مواطنين فقط، 10 في الحد الاقصى.
الجيش الاسرائيلي يخرج من يوم المعركة على الجدار باحساس بالنصر. الجدار لم يقتحم، الصواريخ لم تطلق، أحد لم يقتل في الطرف الاسرائيلي، ولم يختطف أي جندي. وباستثناء بضع عشرات الحرائق في المناطق الزراعية، لم تكن أضرار. في بلدات غلاف غزة احتفلوا بالفصح، بيوم الاستقلال وبباقي الاعياد بلا عراقيل. حماس وصلت إلى نقطة درك لم يشهد لها مثيل، ولا حتى بعد الجرف الصامد. يوجد هنا انجاز وتوجد فرصة. عبء القرار ينتقل إلى القيادة السياسية.
في يوم الثلاثاء، يوم النكبة، سافرت على طول الحدود في غلاف غزة. إذا كان وصل يوم الاثنين 44 ألف غزي إلى نقاط الاحتكاك على طول الجدار، ففي يوم الثلاثاء وصل بضعة آلاف. والقلائل الذين تقدموا إلى الامام، تحت ستار الدخان الاسود الذي انبعث من الاطارات المحترقة، صدوا. وانتهى اليوم بقتيلين. ريح باردة، نسيم، هبت على طول اليوم من بحر غزة. وبعد الظهر اشتدت الريح، وبالون هيليوم مشتعل وصل من معبر كارني وسقط في حقل قمح، قرب جدار كيبوتس ناحل عوز، وقريباً جداً من سيارتي. وفي غضون دقائق وصلت النار إلى ارتفاع متر ونصف وتقدمت في خط مباشر، تتقدم وتحصد، مثل المنتج الحي. كان في النار جمال مخيف، جمال شيطاني.
بعد عشر دقائق وصلت سيارة الاطفاء الاولى. تندر مسؤول الامن في شكدة، قرية زراعية في المنطقة. وبينما كان يمد أنبوبه، ووصلت سيارتا إطفاء كبيرتان إلى الحقل مع خراطيهما، ومجندات من كتيبة كركل، مسلحات بمكانس اطفاء، وقفوا في صف أمام النار ووراءهن جاءت جرافة تي 9 عسكرية كبيرة، حطمت المزروعات بلا رحمة. وفي غضون 20 دقيقة هزمت النار في ناحل عوز. ولكن في هذه الاثناء، شرقا، قرب مفترق ساعد، أحرق بالون هيليوم حقلا آخر.

بقوى عالية

حماس، قال أحد القادة في الميدان، خططت لتحويل يومي الاثنين والثلاثاء إلى مواجهة بقوى عالية. وكان التطلع لمشاركة حتى 200 ألف شخص. كل من صعد إلى الباصات حصل على 50 شيكلاً والعائلة حصلت على 100 دولار. وتلقى رجال حماس أمراً بالوصول إلى الاحداث مع عائلاتهم. في المواجهات السابقة كانت خمسة مراكز احتكاك. أما يوم الاثنين فكانت 12. من ناحيتهم كان هذا حدثاً عسكرياً مداراً. كان لهم قادة كتائب أخذوا موقع القيادة على كل الجبهة، خلايا متخصصة، وسائل قتالية. أمر اليوم لم يترك مكانا للشك: يوم الاثنين سيكون الحضور في الساعة العاشرة صباحا. وستتحدد ساعة الصفر، التي يتقدم بعدها المتظاهرون من كتلة واحدة وبصدر مكشوف نحو الجدار. يجلب المتظاهرون سكينا أو مسدسا، ويخبئونها تحت الملابس ولا يستخدمونها طالما لا يلتقون الجنود أو السكان الاسرائيليين. والطلب هو عدم قتلهم بل جلبهم: هذه ورقة مساومة حساسة تخافها اسرائيل؟
وماذا من جانبنا؟ يوم الخميس الماضي جرت لعبة حرب بمشاركة قادة الـ 12 كتيبة التي رابطت في نقاط الاحتكاك. ودعا قائد المنطقة الجنوبية ايال زمير إلى أقصى درجات ضبط النفس، البحث في كل هجمة جماهيرية محرضا مركزيا واطلاق النار على اقدامه. اما الاخرون فلا تطلق النار عليهم إلا إذا وصلوا إلى مسافة صفر عن الجدار. في الليلة التي بين الاحد والاثنين ادخلت شاحنات إلى ساحة الفصل الأمني، قاطع بعرض 100 متر داخل غزة يفصل بين السياج المتلوي والسياج الالكتروني. ورش الشاحنات المادة النتنة على طول السياج على أمل أن تردع. ونثرت الحوامات الغاز الذي كان يفترض أن ينزل بين الجماهير. بعض الحوامات دمرت. ووزعت آلاف المناشير. وأكثر من ذلك، يقول مصدر عسكري في الميدان، لم يكن بوسعنا أن نفعل.
وكان الخوف هو انه اذا اقتحم الجمهور السياج، فسيقتل مئات. ومنعا للمذبحة رابطت قوات الشرطة في الخط الثاني والثالث. وطورت تقنيات لاحتواء وصد الجماهير لاعادتهم إلى اراضي غزة.
وكان التفكير في الجيش الاسرائيلي دفاعيا: كان الافتراض انهم اذا هاجموا أهدافا نوعية لحماس، فمن غزة سيردون بنار الصواريخ. وستتشوش الحياة في الجبهة الداخلية. ونشأ نوع من الحوار، حيث يركز الطرفان على السياج. واستخدم سلاح الجو ضد أهداف لحماس في الساعة الخامسة بعد الظهر فقط. بعد أن اطلقت خلايا من المنظمة النار على قوات الجيش الاسرائيلي. كانت هذه نقطة الانعطافة: ثمانية اهداف هوجمت، فسحبت حماس فوراً الجمهور إلى الوراء.
يوم الاحد مساء، قال اللواء زمير لرئيس الاركان انه يخشى ان ينتهي يوم الغد بـ 100 ـ 200 قتيل. كان هذا هو التقدير العام.

في أقصى الطرف

الخطة الاولى لرئيس حماس في غزة، يحيى السنوار، كانت الوصول إلى مصالحة مع السلطة الفلسطينية. السلطة تدير غزة، وحماس تحتفظ بسلاحها. أبو مازن رفض، والضائقة في غزة تفاقمت.
أما الخطة الثانية فكانت جلب الجمهور إلى الجدار من دون أن تتدهور غزة إلى معركة شاملة. وبالاجمال، فشلت الخطة. نجحت في رفع غزة إلى العناوين الرئيسة في وسائل الاعلام الدولية، في احداث أزمة بين اسرائيل وتركيا، واعادة حماس إلى جدول الاعمال في الضفة، ولكنها توقفت هناك. السؤال، قال مصدر عسكري، هو ماذا يقول السنوار لرجاله اليوم، هل توجد خطة ثالثة. الفرضية في الجيش الاسرائيلي هي ان ليست له خطة ثالثة. فهو عالق بين حائطين: حائط تكتيكي وحائط استراتيجي. النشاط حول السياج سيستمر، في أيام الجمعة لرمضان وفي 5 حزيران/يونيو، يوم النكسة، ولكن الحائط التكتيكي لن يقتحم.
أمام الحائط الاستراتيجي تجده معزولا: المصريون يسحقونه. قوات داعش في سيناء يرون فيه عدواً ويحبطون التهريبات في الانفاق. اسرائيل تغلق عليه من حواليه، واحتياجات السكان تضغط عليه من الداخل. وهو على شفا الانفجار، «في أقصى الطرف». وهنا جاءت الفرصة.
توجد أربع إمكانيات: معركة عسكرية شاملة مع حماس، معركة عسكرية جزئية، سيطرة السلطة الفلسطينية باسناد إسرائيل، تسوية مع حماس. الحرب لا تريدها اسرائيل، وعملية منسقة مع أبو مازن أبعد من أي وقت مضى. فبعد أن أحرق جمهور متحمس مساء يوم الجمعة المنشآت في الجانب الغزي من معبر كرم سالم، أرادت حماس التوجه فوراً إلى اعادة بناء ما دمر: فالحريق لم يتطابق ومصالحها. ثمن إعادة البناء هو 30 مليون شيكل. ويطرح السؤال، من سيدفع. السلطة رفضت، وفقط بعد أن مارست اسرائيل الضغط عليها، استجابت. المعبر أُغلق ليس بسبب وحشية حماس بل لأنه لم تتبق حمالات خشبية لاستخدامها بتحميل البضائع.
اذا كانت الحكومة لا تريد حربا، لا تؤمن بامكانية تطيير حماس من غزة بدون حرب، ولا تؤمن بالسلطة، يتبقى أفق واحد ـ تسوية.
التسوية هي تعبير بمنظور واسع، من اتفاق وقف نار، هدنة لعشر سنوات وحتى لتسهيلات هامة في المعابر. وزير الدفاع ليبرمان يقول انه لن تكون هدنة. وهو يقيم معارضته على الدروس التي تعلمها من حرب لبنان الثانية. يقول ليبرمان: «اعطينا حزب الله الهدوء في 2006. وتلقينا بعد 12 سنة حزب الله آخر تماما، مدرب جيدا، مع عشرات آلاف الصواريخ. هذا ما تريد حماس أن يحصل في الجنوب.
إن لم تكن هدنة، فعلى الاقل خطوات مدروسة لتحسين الوضع الانساني والامكانيات الاقتصادية في القطاع. يمكن الاستعانة بتأثير مصر، بأموال دول الخليج، بالتدخل الاوروبي. لاسرائيل في هذا الشأن شرط مسبق، اخلاقي وسياسي: اعادة جثتي اورون شاؤول وهدار غولدن، وابرا منغستو وهشام السيد المحتجزين لدى حماس. الافتراض في الجيش الاسرائيلي هو انه عندما تفهم حماس خطورة وضعها، فإنها سستدرج الاسرائيليين في التفاهمات.
يوم الثلاثاء تحدث ليبرمان هاتفياً مع وزراء وموظفين في سلسلة من الدول الاوروبية. كلهم شجبوا العملية الاسرائيلية. ولم يجد لديهم استعداداً للتعاون، العالم العربي هو الاخير غير متحمس. وهو يقول: «الكل يقولون نعم نعم نعم، نعم، نعم، ولكن عندما يأتي هذا إلى المضمون، يختفون. ليس لدينا شريك في الحل».
فسألت «أين الابداعية. فمهم في النهاية سيسقطون عند حافة بابنا».
فقال ليبرمان «هناك أساسان: الابداعية وقدرة الصمود».

ناحوم برنياع
يديعوت 18/5/2018

هل يمكن تحويل الضحايا على الحدود مع غزة إلى وقفة من أجل التسوية مع حماس؟

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية