قرار محكمة جنايات القاهرة بحل جماعة الاخوان المسلمين أعادت الجماعة الى سابق وضعها القانوني وموقعها السياسي السابق،’منذ أربعينات القرن الماضي الى يوم الناس هذا، باعتبارها جماعة محظورة قانونيا ومطاردة سياسيا. طغى الجانب السياسي من هذا الحكم، موقفا وتطورات، على الجانب القانوني، حيثيات وإجراءات. لا الاخوان كانوا حاضرين في إجراءات التقاضي ولا من ينوب عنهم، وهم المطاردون أمنيا المتهمون سياسيا والمحاصرون إعلاميا. والحقيقة ان هذا الحكم القضائي جاء تابعا لحكم سياسي سابق اتخذه الحكم المصري الجديد بقيادة الفريق الاول عبد الفتاح السيسي بمطاردة الاخوان واعتقال قياداتهم وإغلاق مقراتهم. لا يغير هذا الحكم من واقع حال الاخوان شيئا، فمقرات الجماعة محرقة او مغلقة او مهجورة، وقياداتها وغالب أعضائها، إما في المعتقلات او في حالة هروب واختفاء مما جعل ردهم الطبيعي على هذا الحكم القضائي، ‘انا الغريق فما خوفي من البلل’. ولكن خلف هذا المشهد المصري المعاد والمعتاد’في الصراع ما بين الاخوان والدولة المصرية الحديثة، بطابعها الملكي او الجمهوري، يلح علينا سؤال حارق يشغل الباحثين والفاعلين السياسيين، يكاد يتحول من جراء طابعه الملح والخاص الى سؤال مصري بامتياز هو، هل الدولة المصرية الحديثة بنية ومضمونا غير قابلة للتعايش مع الاخوان، لماذا تجد هذه الدولة الراسخة والرائدة في قلب الإقليم العربي نفسها، او يدفعها الحاكمون فيها الى الدخول في صراع وجودي صفري مع هذه الجماعة؟ كأن الدولة في مصر لا تتحقق او لا تكتمل او لا تستقر الا باستئصال هذا الجسم الإخواني، وفي أحسن الحالات محاصرته وإضعافه. هل الصراع مع الاخوان ذو معنى وجودي لهذه الدولة، أم هو وظيفة بالوكالة عن قوى دولية وتوابعها المحلية؟ الثابت’ان التنافي اصبح حقيقة تاريخية،’سواء وجد تفسيره في التاريخ الحديث للدولة المصرية باعتبار بنيتها ومرجعيتها العلمانية، في مقابل مرجعية الاخوان الدينية الاسلامية، او يجد تفسيره’في التاريخ السحيق لمصر بانتسابها للفرعونية المطبوعة بحكم الفرد الاله، الذي لا يقبل الشراكة في الحكم في تناقض مع بيعة وولاء جماهير الاخوان لمرشد يدينون له بالطاعة. رفيق حبيب المفكر القبطي يصف صراع الاخوان مع العسكر، بان النواة الصلبة للدولة (الجيش) في صدام مع النواة الصلبة للمجتمع (الاخوان) . الدولة عجزت على مدى خمسين عاما على استئصال الاخوان من المجتمع ومن السياسة في مصر، ولكن الاخوان أيضاً عجزوا طيلة هذه المدة عن فهم الدولة المصرية، في كيفية مقاربتها او التعايش معها، حتى وهم على رأسها. طول سنين الفراق والتصادم زاد من منسوب الشك والريبة، والإحساس بالتهديد المتبادل وصل حدود الصراع الوجودي والتناقض البنيوي. منذ انقلاب يوليو 52 الى انقلاب يوليو 2013 ونشأة كتلة المصالح المتحكمة في هذه الدولة والمتكونة أساسا من الضباط الكبار للقوات المسلحة التي لا ترى حاكما لمصر من دونها، والتي دعمت سيطرتها السياسية على الدولة بسيطرة اقتصادية ( حوالي 30 في المئة من الاقتصاد المصري تحت السيطرة المباشرة للقوات المسلحة) فلم يعد الجيش المصري يسيطر على رئاسة الدولة وأجهزة المخابرات والأمن فقط، ولكنه اصبح يملك مراكز تجارية واستراحات ونزلا ونوادي، بما عزز من سيطرته على مفاصل الدولة، وبما حوله الى حامي الدولة والمستثمر الاول فيها، ما جعله عقدة الدولة ومركزها الذي تدور حوله مجموعة من المصالح المرتبطة من رأسمالية طفيلية ومركنتيلية تجارية ونخب ادارية وعلمية وظيفية تعيش عالة على ريع الدولة. بدا الجيش في اول عهده بالحكم صاحب مشروع سياسي معنيا بمكانة مصر العربية والدولية، ومعنيا بمقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة باعتباره تهديدا يستهدف مصر ومكانتها، وانتهى به الامر لآخر عهده متنصلا مرتدا عن هذا المشروع محتفظا بالمكون المسكوت عنه في حكم العسكر، اعتبار الدولة غنيمة’لا تقبل القسمة، بهذا المعنى تحول’الجيش في مصر، سواء أكان في دوره الاول المؤسس او مرحلته التالية، الى العائق الاول امام اي تحول ديمقراطي حقيقي . الاخوان اهم حركات الاسلام السياسي في العصر الحديث، وقد تجاوز عمرها الثمانين عاما ونيف، وقد عاصرت مصر الملكية والجمهورية ودخلت في مواجهة بدون استثناء مع كل حاكمي مصر منذ نشاة الجماعة، ابتداء بالملك فاروق وانتهاء بالفريق عبد الفتاح السيسي، ولكنها بقيت عصية على الإلغاء، بما جعلها فعلا (ابو هول) السياسة المصرية الحديثة. اجتراح معجزة’الثبات والصمود والبقاء طيلة ثمانين عاما امام محاولات الاستئصال او الاحتواء، عامل قوة لهذا الجسم، ولكنه في وجهه الاخر عامل ضعف وإعاقة، طول عمر الاخوان في المعارضة وبلا انقطاع لم يؤثر على بنيتها التنظيمية فقط، ما جعلها اكثر قدرة على اتقاء الضربات، مثل التقوقع والعيش في الأقبية وتحت الارض، ولكنه اثر على فكرها وسلوكها، جعلها تدمن المعارضة وتستمرؤها وتجهل الحكم وأساليبه واستراتيجياته في رسم التحالفات وفهم الآليات،’ثم ان المكوث في المعارضة طويلا جعل الدولة المصرية لا ترى في الاخوان الا خصما ازليا، وموضوعا للصد وتحول المؤقت الى مؤبد، وما هو ظرفي الى بنيوي. تحول الصراع مع الاخوان واستهدافهم والخوف منهم الى ثقافة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية للدولة المصرية، لم يقدر الاخوان حجم المسافة بينهم وبين الدولة المصرية ولا الأدوات المتاحة للدولة المصرية العميقة المشحونة بثقافة العداء لهم منذ عشرات السنين، فانتهى حكمهم سريعا وبتكلفة بشرية عالية. ما كان لفوز مرشح الاخوان في انتخابات 2012 ان يكسر هذا الجدار السميك ما بين الاخوان والدولة، الأذى الذي تعرضوا له وهم يحكمون في الاعلام، استهزاء وتشويها، وفي مقراتهم حرقا واعتداء، فاق ما لقوه وهم يعارضون. ليس امام الاخوان لتجاوز هذه العقدة التاريخية المستحكمة لعقود، سوى ان يبنوا كتلة تاريخية تجمع قوى سياسية مصرية متعددة تؤمن بالتغيير الديمقراطي ولا ترى للجيش من دور خارج مهمته الاولى في حماية الحدود والدفاع عن مصر من العدوان الخارجي. تنظيم سياسي واحد مهما كبر عاجز ضرورة عن صناعة ثورة بمفرده، فضلا عن ان ينجح في رد أعداء داخليين وخارجيين يفوقونه عددا وعدة. نجح الجيش المصري في صناعة تحالف سياسي واسع يغطي على انقلابه ويعطيه المبرر لإجهاض اول تجربة ديمقراطية حقيقية تعرفها مصر الحديثة، كان الاخوان أولى من الجيش بصناعة تحالف أوسع يرتقي الى مستوى الكتلة التاريخية المؤسسة، يجمع أنصار ثورة 25 يناير على اختلافهم في تحالف سياسي واجتماعي واسع لا يستثني طائفة او حزبا او فكرا او توجها سياسيا او دينيا، مستحضرا مقاومة النظام القديم للتغيير في بناه العميقة. يؤسس تحالف الاخوان التاريخي مع اوسع قاعدة سياسية واجتماعية متجاوزا تشققات المرحلة السابقة لدولة جديدة تبدأ بالتوافق في مرحلة تأسيسية تطول أو تقصر، ولا تنتقل لمرحلة التداول على الحكم الا بعد اجتثاث دولة الاستبداد من جذورها، دخول مرحلة الانتخابات والتداول قبل الحسم مع الدولة القديمة، توهم حالم وقفز في المجهول كلف الاخوان غاليا، اما ارتداد الدولة الى ان حل الاخوان هو الحل يغلق اكثر مما يحل..