موسكو ـ «القدس العربي»: بعد أقل من أربعة أسابيع، وتحديدا بعد 26 يوماً، تنطلق نهائيات كأس العالم في روسيا، التي ما زالت تصارع على كل الأصعدة لضمان استضافة ناجحة في خضم خلافاتها مع الدول الغربية حول مسائل سياسية مختلفة، بينما هي تسعى للافادة من أبرز البطولات الرياضية لتثبيت مكانتها كقوة عظمى.
لم يخل اختيار روسيا في العام 2010 لاستضافة العرس العالمي في 2018، من جدل وتباين. الأكيد ان هذا الخيار بات محط انتقادات أكبر حاليا، بعد أعوام التجاذب بين موسكو والعواصم الغربية حول ملفات شتى، من أوكرانيا الى النزاع في سوريا، وصولا الى القضية الأحدث: تسميم جاسوس مزدوج سابق في انكلترا.
في الشق الرياضي، شهدت هذه الأعوام أيضا منع رفع العلم الروسي في أولمبياد بيونغتشانغ الكوري الجنوبي مطلع السنة، في إحدى تبعات الفضيحة الكبرى التي هزت الرياضة العالمية بعد كشف وجود نظام تنشط ممنهج في روسيا امتد لأعوام، وشاركت فيه مختلف أجهزة الدولة، حتى الأمنية منها. ووصلت العلاقات بين روسيا والغرب الى مستويات من التوتر أعادت التذكير بعقود الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة، الا ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الحاكم المطلق للبلاد منذ العام 2000 والذي بدأ مؤخرا ولاية رئاسية رابعة، يرى في كأس العالم مصدر فخر لبلاده وامتحانا لاثبات جدارتها.
«القوة الناعمة» الروسية ستكون في أبهى تجلياتها، في ثاني حدث رياضي كبير تستضيفه البلاد خلال هذا العقد، بعد أولمبياد سوتشي الشتوي في 2014، وسيكون المونديال فرصة لبوتين ليظهر نفوذه على مرأى العالم ومسمعه، ويعرض انجازاته المحلية وإعادته روسيا الى مكانتها. الا ان الأسئلة المطروحة قبل المونديال وخلاله وبعده، ستجعل من إقامة بطولة «مثالية» موضع شكوك. فروسيا أنفقت ما يزيد على 13 مليار دولار لاستضافة المونديال، وهو مبلغ قياسي في عرف نهائيات كأس العالم، خصص الجزء الأكبر منه لتأهيل المدن الـ11 المضيفة، وبعضها لم يخضع لعملية تأهيل منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. وأعيد تأهيل المطارات وأنشئت مناطق مخصصة لإقامة المشجعين الذين سيتابعون كأسا للعالم تقام في بلاد تمتد على مساحة تقارب 17 مليون كلم مربع، وهو أمر قد لا يشهدون مثيلا له لأعوام طويلة.
فنادق فخمة بنيت في مناطق قد لا يفكر السياح في زيارتها ما لم يحل المونديال ضيفا عليها. 12 ملعبا ضخما تحولت الى علامات فارقة في المدن المضيفة، لكن السؤال الأهم هو ما سيكون عليه مصيرها بعد ذلك؟ تقديرات الانفاق الروسي على أولمبياد سوتشي وصلت الى 50 مليار دولار، الا ان نتائج ذلك أتت متناقضة. فالمدينة الواقعة على ساحل البحر الأسود تبدو حديثة وأنيقة، سكانها يتمتعون حاليا بشبكات نقل وطرق جديدة، اضافة الى مطار مريح ومحطة قطارات. الا ان الجبال المحيطة حيث أقيمت منافسات التزلج، تعج بفنادق ينقصها النزلاء. والمفتاح الأساسي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، هو تفادي ان تلقى الملاعب والمنشآت المضيفة للمونديال المصير نفسه. رؤية كأس العالم تدفع العديد من المدن الروسية للتحول الى مثال من سوتشي سيكون مصدر نجاح وفخر لجميع المعنيين، الا ان جعل هذه المدن نفسها تعج بالمباني الفخمة والمنشآت التي لا تجد غاية لها، سيكون نقطة سلبية لن تمحى. الأرجح ان السياسة وحساباتها لن تكون حاضرة في أذهان المشجعين مع انطلاق صافرة البداية. الهم الأساسي بالنسبة إليهم سيكون الأمن وسهولة الوصول الى الملاعب المتباعدة. فعلى سبيل المثال، تبلغ المسافة الفاصلة بين مدينتي كالينينغراد (غرب) وكاتربنبورغ (شرق) 2500 كلم، وهي المسافة نفسها التي تفصل بين موسكو والعاصمة البريطانية لندن.
المدن المضيفة تقع في أربعة مناطق زمنية مختلفة، وستعيد تذكير المشجعين بالمسافات التي اضطروا الى قطعها خلال مونديال الولايات المتحدة 1994. الأجانب منهم سيضطرون لتسجيل أنفسهم لدى الشرطة كلما وصلوا الى منطقة جديدة. البعض أيضا ستقلقهم المشاكل المضنية التي تعاني منها روسيا مع العنصرية في ملاعب كرة القدم، والتي زادت في الأسابيع الأخيرة رغم الاستعدادات والتأهب لانطلاق المونديال. وبذلت الأجهزة الروسية جهدا كبيرا لضبط المشجعين المتعصبين ومثيري الشغب، وضمان ان مشاهد الاشكالات بين الروس والانكليز التي حصلت على هامش كأس أوروبا 2016 في فرنسا، لا تتكرر في روسيا. وبالنسبة الى الفيفا ورئيسه جاني انفانتينو، تبدو روسيا جاهزة للاستضافة. فرئيس الاتحاد الدولي قام في مطلع الشهر بزيارة الى الدولة المضيفة، حيث رافق رئيسها بوتين الى سوتشي، وأوحت الابتسامة العريضة التي رسمت على وجه الرجلين، بأن الأمور تسير على ما يرام. وتوجه السويسري الى بوتين بالقول: «أنت بصدد ان تجعل من كأس العالم هذه أفضل مونديال على الاطلاق»، مضيفا: «مراجعات خبرائنا في الفيفا ايجابية للغاية»، وذلك «يدل على ان روسيا جاهزة تماما لاستضافة العالم لاحياء صيف من الاحتفالات في هذا البلد الجميل». ووعد بوتين بـ»بطولة من مستوى عال»، وقال: «نأمل بأن يشارك اللاعبون جميعا وان يقدموا كل ما لديهم»، داعيا اياهم الى لعب «كرة قدم لا لبس فيها، أي تلك التي يهواها المشجعون».
«القوة الناعمة» الروسية تكافح صراعاتها السياسية والعوائق اللوجستية قبل صافرة البداية!
العد التنازلي لنهائيات كأس العالم