طيلة عقود احتلت إسرائيل وعي أجيال من الإسرائيليين، ولم تتورع عن غسيل دماغ تم بشكل منهجي في المدارس، بمشاركة بقية سلطات حكومية ووسائل الإعلام ضمن مشروع متواصل لطمس الملامح والتسميات الفلسطينية للبلاد وعبرنتها. لقد كانت محاولة اختراق هذا الجدار الحديدي في وعي الإسرائيليين مهمة تبدو صعبة. وفي مرحلة متأخرة بادرت جهات إسرائيلية أبرزها منظمة «يذكرن» بقيادة إيتان بورنشطاين إلى تعميم الرواية التاريخية الفلسطينية على الإسرائيليين، بدت وما تزال تبدو مهمة سيزيفية يشكك فلسطينيون وآخرون بجدواها، من ناحية معرفة أو على الأقل موقف الإسرائيليين من الصراع. لكن بورنشطاين واصل مهمته بعناد ومثابرة لافتة.
عن تجربته وسط أجواء عنصرية تطاول الفاشية، أصدر بورنشطاين عشية الذكرى السبعين للنكبة كتابا جديدا بعنوان «نكبة بالعبرية… يوميات مسيرة سياسية». ويرى الكتاب أن القانون الذي سنته إسرائيل لتضييق الخناق على من يحيي ذكرى النكبة في 2011 دليل على نجاح «يذكرن» بتعميم خطاب النكبة والرواية الفلسطينية. ضمن محاولات الكتاب التدليل على نجاح تدريجي باختراق الجدار الحديدي في وعي الإسرائيليين، يستذكر استطلاعي رأي تما قبل بضع سنوات يظهران أن 13 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون عودة اللاجئين الفلسطينيين، وهذا بالنسبة له برهان على إمكانية العمل والمزيد من التغيير. ويختلف الكتاب بشكله لا بمضمونه وحسب، فهو في معظم صفحاته عبارة عن محادثة وحوار بين بورنشطاين وزوجته اليناور مارزا برونشطاين حول تجربتهما في منظمة «يذكرن» (وخارجها). واليناور دكتورة في علم تطور الإنسان، تروي قصتها كابنة لأم يهودية عائلتها ناجية من المحرقة، ووالد مسلم تم طرده من قرية المنصورة السورية في الجولان.
وبفضل تجربة «يذكرن» تم إحداث صدع أولّي في «الجدار الحديدي» المحيط بوعي الإسرائيليين، رغم أن أغلبيتهم الساحقة لا تجهل رواية الفلسطينيين وحسب، بل عملت وتعمل على إنكارها، تجاهلها أو محاولة رفضها وشيطنتها وتجريمها، بل يعترف إيتان بأنه خلال فعالياته لإطلاع الإسرائيليين على القرى الفلسطينية المهجرة، أو على حيوية احترام حق عودة اللاجئين تعرض لاعتداءات بلغت حد تعرضه للشتم والبصاق، وأحيانا محاولة الاعتداء الجسدي، لكنه كان يتعامل معها بمناعة نفسية، متوقعا ردود الفعل القاسية هذه، معتبرا إياها جزءا من مسيرة طويلة. ورغم واقع التطرف واتساع هوس يهودية الدولة، رسميا وشعبيا، تعتبر فعاليات منظمة «يذكرن» التي يوثقها هذا الكتاب نجاحا نسبيا غير مسبوق، رغم محاولات إسرائيلية متفرقة لتحقيق الهدف ذاته في الماضي على يد جهات راديكالية معادية للصهيونية.
فلسفيا وأخلاقيا ينطلق الكتاب كما انطلقت «يذكرن» قبل ذلك من القناعة بأن الاعتراف الإسرائيلي بالمسؤولية عن النكبة تسبق المصالحة والسلام، وأن هذا لن يتحقق بدون عودة اللاجئين لديارهم، لأن القفز على 1948 ومحاولة تسوية الصراع بتعديل نتائج احتلال 1967 فقط، لن يحقق تسوية حقيقية وتاريخية. ولذا يخلص بورنشطاين للقول بخاتمة الكتاب، إن محاولة فتح صفحة جديدة ومختلفة تقتضي التأمل في واقع الإسرائيليين في فلسطين ومنطقتها المحيطة بعمق وشمولية. ولا يتردد الكتاب في القول للإسرائيليين إن الهدف هو نزع الطابع الكولنيالي عن إسرائيل، وبناء دولة واحدة في البلاد من البحر للنهر، يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون بشراكة على قدم المساواة.
ويستدل من الكتاب أن «يذكرن» كانت واعية تماما للحواجز النفسية في الذهنية الإسرائيلية التي تحول دون التعاطي مع رواية الآخر الفلسطيني، ولذا فقد حرصت على اعتماد حيل وأساليب التفافية. وإيتان محق بقوله إن الحديث مع الإسرائيليين بلغتهم العبرية يساعد في إيصال الرسالة أفضل مما لو كانت بلغة أخرى. كما أنه محق بكشفه عن أن الشعور بالرسالة والإيمان العميق بالفكرة، ساهم في استمرار منظمة «يذكرن» التي اختيرت تسميتها بلغة المؤنث لتسجيل جمعية أخرى تحمل اسم «يذكرون». واهتمت منظمة «يذكرن» بتنويع فعالياتها ضمن رؤية إبداعية عملت أحيانا وفق مبدأ الصدمة والترويع أو المفاجأة. ويستعرض بورنشطاين أن الفعاليات شملت الدراسة، التوثيق، الأرشفة، والعمل الميداني. ومن أبرز ثمار هذه الفعاليات إصدار كراسات بالعبرية، العربية والإنكليزية عن القرى المهجرة توفق بين الدراسات العلمية والروايات الشفوية الفلسطينية واعترافات قادة وناشطين صهاينة، بما قاموا به في الماضي. ومن تجربته يقول إن حمل أسماء القرى المهجرة على لافتات أكثر فاعلية من تثبيتها بدون وساطة بشرية لأن الرسالة عندئذ ستخرج من الجسم وتعكس مشاعر وألما وغضبا ألخ. ومن ضمن الفعاليات الخلاقة في هذا المضمار إقامة منظمة مؤقتة دعيت «كدت أنسى» كانت وظيفتها كتابة جداريات في الشوارع بالعبرية وفيها جاء: «كدت أنسى أن إسرائيل أقيمت على خرائب مئات البلدات الفلسطينية» وغيره. وفي جدارية أخرى كتب: اللاجئون سيرجعون… سمعت؟ أو جدارية في شوارع تل أبيب قريبا من قرية صميل المدمرة: أين يسكن لاجئو صميل اليوم؟ أو: لماذا تركوا الشيخ مونس؟ (قرية فلسطينية تقوم عليها جامعة تل أبيب) وفي الذكرى المئة لتأسيس تل أبيب أصدرت «يذكرن» خريطة للمدينة تحمل أسماء القرى الفلسطينية التي قامت وتوسعت عليها تل أبيب التي تترجم اسمها أوساط فلسطينية ترجمة حرفية وخطأ: «تل الربيع». تشمل خريطة تل أبيب البديلة الصادرة في 2007 القرى المذكورة: الشيخ مونس، جماسين، الغربي، قرية الصيادين، صميل، المنشية، أرشيد، أبو كبير وسلمة.
إيتان الذي يعمل اليوم من خلال منظمة «دي كولانيزر» يستذكر أيضا فعالية أخرى تم فيها رسم أربع شخصيات فلسطينية من اللاجئين، تحت كل منها كتبت تفاصيل السيرة، علاوة على فعاليات أخرى يوجزها الكتاب كإصدار خرائط بديلة وتنظيم مسيرات ميدانية للقرى الفلسطينية المهجرة. ويقول إنه التقى للمرة الأولى في حياته، بمهجرين فلسطينيين على أرض قرية صرفند الساحلية يوم زارها في 1996 للتضامن مع من اعتصم هناك لمنع تجريف بقايا مسجد القرية. لكن الزيارة المنظمة الأولى لقرية مهجرة تمت إلى الغابسية يوم شارك في العام نفسه في مسيرة العودة الأولى، ومن وقتها تكررت عشرات، بل مئات الزيارات وفيها حمل روبنشطاين ورفاقه لافتات بأسماء الأماكن الفلسطينية، ووزعوا مطبوعات عنها. ويشير الكتاب إلى أن عدد القرى الفلسطينية أكبر مما هو معروف ويصل حسب مصادره إلى نحو 685 قرية.
وتقول اليناور إن علاقتنا بالكتاب بدأت حينما قدمت للبلاد في 2008 بهدف وضع أطروحة دكتوراه فشاركت في فعاليات خاصة بالذكرى الستين للنكبة، منها زيارة نساء فلسطينيات عدن لبيوتهن في أحياء القدس الغربية، وقد تأثرت بهن كثيرا. ويعقب عليها إيتان بالقول إن أقوالها هذه تذكّر بما قاله رئيس حكومة إسرائيل الأسبق إيهود براك: «لو كنت فلسطينيا تحت الاحتلال لكنت انضممت ربما لإحدى فصائل المقاومة» «هآرتس» 1998. أما إيتان بورنشطاين (57 سنة) فيشير إلى أنه قدم إلى فلسطين من الأرجنتين طفلا يدعى كلاوديو في الخامسة من عمره واستقر في البلدة اليهودية التعاونية «باحان» بعدما تبع والداه عمه دان الذي دعاهما للهجرة وقال لهما إن البلاد جنة عدن.
وفي مرحلة متأخرة من شبابه بدأت تراوده أفكار مهدت لتغيير رؤيته للواقع، فانتقل من كونه جنديا في الجيش الإسرائيلي لناشط ضد الصهيونية ومن أجل سلام حقيقي مع الفلسطينيين. ويقول إن نظرته للجيش وللواقع بدت تختلف خلال خدمته العسكرية في الضفة الغربية، ويستذكر بعض تجاربه في منطقة سبسطيا حينما شارك في القيام بحواجز عسكرية مع جنود آخرين عديمي التجربة و»استفزني الفلسطينيون الذين ما أن وصلوا الحاجز حتى وقفوا جانبا، بدون حتى إشارة منا، وكنت أقول في سري من نحن حتى يلعب هؤلاء وفق قواعدنا؟ ويشير لرفضه في ما بعد الخدمة العسكرية في لبنان خلال اجتياح 1982 بدوافع ضميرية، لكنه تطهر من الصهيونية بالكامل عام 2000 حينما أطلقت النيران على مظاهرات فلسطينيي الداخل وقتل منهم 13 شابا.
ويروي أنه غداة تأسيس «يذكرن» في 2001 شرع بالتعمق في مواضيع النكبة، مستعينا بموقع «الذاكرة الفلسطينية» واستوقفه موقع قرية قاقون المهجرة قضاء طولكرم، حيث كان يمر يوميا في طريقه للمدرسة في البلدة التعاونية «جفعات حاييم». كما هو الحال مع الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين، يقول إيتان إنه لم يعرف عن المكان وقتها سوى إن العمارة اللافتة في قاقون (قامت على أنقاضها بلدة تعاونية يهودية تحمل اسمها) هي آثار قلعة صليبية. ويعترف أنه في سن 41 عاما فقط اكتشف أن بلدته التعاونية تقوم على أنقاض قاقون، التي دافعت عن ذاتها بدعم الجيش العراقي حتى سقطت، وتم تهجير أهلها البالغ عددهم نحو 2000 نسمة عام 48. وردا على سؤال زوجته حول شعوره بعد اكتشافه أن بلدته تقوم على قرية فلسطينية مدمرة يقول «أخذتني الدهشة وقد غضبت في داخلي أنهم لم يرووا لنا الحقيقة». وفي 1985 جاءت الضربة الثانية فقد بادرت لاصطحاب سكان «باحان» لقلعة قاقون بغية القيام باحتفالية خاصة بعيد الأنوار. أنرنا المكان والطريق من باحان حتى قاقون بالمشاعل وخرجنا عائلات، وهناك تحدثنا عن القيم التحررية في العالم وعن الاحتلال، لكننا لم نذكر قاقون بكلمة واحدة. في 2001 وحينما علمت بحقيقة المكان أصبت بحرج، لكنني أحسست وكأن قاقون استدعتنا واجتذبتنا بدون أن نفهم. واليوم أعلم أن كثيرين من سكان باحان كانوا يعلمون بحقيقة قاقون، لكنهم لم يطلعونا نحن جيل الشباب. وهكذا أدركت بعمق، مدى جهل الإسرائيليين المولودين بعد 1948 بالنكبة، رغم أن تبعاتها ونتائجها قائمة أمامنا بدون أن نراها ومن وقتها توسعت بالمعرفة عن قاقون التي اقتنى سكان البلدة التعاونية المجاورة «هامعبيل» حجارة بيوت قاقون من الدولة لبناء بيوتهم. وفي 2013 شاركت بزيارة أهاليها لها بعدما تحولوا للاجئين في طولكرم المجاورة.
ويتوقف إيتان عند إطلاق أولى مشاريع «يذكرن» بتثبيت أسماء القرى الفلسطينية المدمرة بالعربية والعبرية على لافتات خلال زيارتها وكانت قرى اللطرون عمواس، يالو وبيت نوبا المحتلة عام 67 أولى هذه القرى، لافتا إلى أن المبادرة ترتبط مباشرة بالطلاق التام من الصهيونية، وأنها تمت خلال جولة مع شبيبة عربية ويهودية ضمن فعاليات واحة السلام التي عمل فيها وقتذاك. ويوضح أنه اليوم بنظرة للخلف يرى أن المبادرة جاءت ضمن مواجهة طريقة بناء الدولة اليهودية: تطهير عرقي لأغلبية الفلسطينيين وتدمير معظم بلداتهم.
إيتان بورنشطاين: «نكبة بالعبرية… يوميات مسيرة سياسية»
فردايس، تل أبيب 2018
208 صفحة
وديع عواودة