جرعة أمل في ملامح جيل جديد من السينمائيين العراقيين

مشكلة الإنتاج السينمائي في العراق ولما يزيد على نصف قرن لم تكن في قلّة عدد الأفلام منذ ان بدأ الإنتاج السينمائي الوطني قبل أكثر من 67 عاما. فالمسألة تتعدى حدود الأرقام إلى ما هو مرتبط بضعف الاهتمام بجماليات الفن السينمائي، والعجز عن إيصال هذه الحساسية إلى الشاشة، بمعنى ان الخلل كان بنيوياً طالما بقي متمحورا في ضعف الأدوات الفنية «الرؤية + التقنيات» مع غياب الحرفية العالية لدى طاقم العمل من كاتب السيناريو مرورا بمدير التصوير وانتهاء بالمخرج. ولو عدنا إلى عدد الأفلام التي تم إنتاجها وتأملناها لخرجنا بنتيجة ليست في صالح العراق إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ان الفن السينمائي بدأ تدريسه في كلية الفنون الجميلة منذ العام 1973 بتأسيس قسم السينما في ذلك العام من قبل المخرج السينمائي جعفر علي.

عتبة البدايات

بلغ عدد الأفلام المنتجة حتى عام 2003 ما يقارب 100 فيلم، وما ينبغي الإشارة إليه ان عجلة الإنتاج السينمائي العراقي كانت بدايتها سليمة لأنها استندت في انطلاقتها على القطاع الخاص عام 1950 من خلال فيلم «فتنة وحسن» اخراج حيدر العمر. ويتفق نقاد ومؤرخو الفن السينمائي على ان بداية الإنتاج السينمائي في العراق تؤرًّخ مع هذا الفيلم باعتباره خرج إلى دور العرض بجهود عراقية خالصة إذ سبقته خلال أربعينات القرن الماضي مجموعة أفلام مشتركة وقف خلفها مخرجون وكتاب وممثلون مصريون.
إذا تأملنا الفترة التي بدأ فيها الإنتاج السينمائي في العراق سنصل إلى ملاحظة مهمة إذا ما أردنا ان تكون قراءتنا موضوعية. حيث تشير الذاكرة السينمائية العالمية إلى ان مطلع خمسينات القرن الماضي كان علامة فارقة في تاريخ الفن السينمائي وتحديدا في أوروبا وأمريكا، حيث تخطى الفيلم عتبة شكلت مفصلا جوهريا في تغيير بنيته الجمالية، عندما ظهرت المدارس الطليعية في الفن السينمائي، وفي مقدمتها الواقعية الايطالية وبعدها السينما الفرنسية الجديدة، لتأخذ به إلى آفاق جديدة في رؤية عناصر الفيلم السينمائي على المستوى التقني والمعالجة الفنية وفي مقدمة ذلك الخروج من إطار الاستديوهات والديكورات المصنّعة إلى فضاءات الواقع بشخوصه وأماكنه وحيوية حركته الطبيعية وحرارتها الإنسانية. إلا أن هذا التحول لم يترك أثرا مهما في الإنتاج العراقي باستثناء عدد محدود جدا من الأفلام، حاول مخرجوها أن يقلدوا أسلوب الواقعية الايطالية وتجسد ذلك في أفلام «سعيد افندي» 1958 و»الحارس» 1967 و»الجابي» 1968 و»بيوت في ذلك الزقاق» 1977 .
بقيت الأفلام العراقية حتى مطلع سبعينات القرن الماضي أسيرة المنظومة الفكرية لشركات القطاع الخاص، التي يقف خلفها منتجون لا علاقة تربطهم بعالم السينما من الناحية الفنية، وجل ما كانوا يطمحون إليه ان يقلدوا أفلاما مصرية ميلودرامية، إلا انها جاءت بمستوى ضعيف في كافة النواحي الفنية مقارنة بها.
بداية العقد السابع من القرن العشرين استوعب النظام السياسي الحاكم أهمية الشريط السينمائي في السيطرة على الجمهور من الناحية العاطفية، وتم توظيف ذلك لتمرير ايديولوجيا الحزب الحاكم كما في البلدان التي حكمتها أنظمة شمولية مثل المعسكر الشيوعي في أوروبا الشرقية وما كان يعرف سابقا بالاتحاد السوفييتي، وبناء على ذلك لم يعد للشركات الأهلية أي وجود يذكر في عجلة الإنتاج السينمائي العراقي، بعد ان دخل الفيلم في سياق أجندة التزييف والتضليل التي كانت تمارسها ماكنة الإعلام الرسمي. ولهذا لم يشهد العراق طيلة أكثر من ثلاثة عقود من عام 1968 وحتى 2003 (وهي الفترة التي كان فيها العراق تحت سلطة حزب البعث) أي نهضة في إطار الفيلم السينمائي خاصة في الجانب الفني، فلم يؤكد وجوده في المهرجانات الدولية، ولم يفرز موهبة سينمائية ذات ملامح مميزة، وبقيت تستحوذ على الإنتاج طيلة تلك الفترة في إطار الاخراج أسماء معينة لا تنتمي في نمط تفكيرها الفني إلى ما كان يشهده الفن السينمائي من متغيرات جمالية لها صلة جوهرية في بنية الفيلم، ولم تكن تلك الأسماء تحمل حساسية ذاتية تعكس خصوصية فردية في رؤيتها للشريط السينمائي بقدر ما كانت ثقافتها تعكس منظومة تقليدية سواء من حيث الشكل أو المضامين، مثل محمد شكري جميل وصاحب حداد وعبد الهادي مبارك، وبطبيعة الحال يلتقي هذا النمط من العاملين في الميدان السينمائي مع منظومة الخطاب الرسمي الغارق في أساليب الإطناب والثرثرة بما يتماشى مع عملية غسل الأدمغة التي كانت تمثل جوهر الأنظمة الشمولية. ولو أجرينا عملية فحص شامل لجميع الأشرطة التي انتجت خلال تلك الفترة لما وجدنا فيها فيلما واحدا ترك أثرا مهما في ذاكرة النقاد والجمهور مثل «الظامئون» 1972 اخراج محمد شكري جميل و»المنعطف» 1975 اخراج جعفر علي، رغم أهمية المضامين الإنسانية التي طرحت من خلال الفيلمين، فالأول تحدث عن الفساد السياسي خلال خمسينات القرن الماضي، والثاني تناول كفاح قرية عراقية يعاني أهلها من شحة مصادر المياه.
أهم الأسباب التي تقف خلف هشاشة مسار الإنتاج السينمائي في هذه المرحلة يعود إلى ان الدولة كانت هي جهة الإنتاج ولم يكن هدفها الارتقاء بالفن والوعي السينمائي بقدر ما كانت غايتها كتابة التاريخ وفق منظور السلطة، وعلى ذلك تم تخصيص ميزانيات هائلة للأفلام المنتجة وصلت إلى ملايين الدنانير العراقية وبعضها لم يعرض على الجمهور وتم رفضه من قبل السلطة نفسها، وكان ذلك خلال فترة حكم صدام حسين.

سينمائيو ما بعد الغزو الأمريكي

بعد العام 2003 حصلت تحولات مهمة لصالح الإنتاج السينمائي العراقي، إذ وصل عدد الأفلام المنتجة الروائية والوثائقية إلى ما يفوق 300 فيلم حتى عام 2013 حسب إحصاءات دائرة السينما والمسرح، وفي الجانب الآخر المتعلق بالناحية الجمالية وسبل بناء الخطاب الفني للفيلم يمكن القول أن ما قدمه المخرجون الشباب الجدد الذين ظهروا في هذه الفترة وضع الإنتاج السينمائي العراقي على المسار السليم، وأبرز ما تحمله تجارب هؤلاء انهم افترقوا عن الأجيال التي سبقتهم قبل 2003 في مسائل تدخل في صلب الوعي بجوهر الفن السينمائي خاصة وان معظمهم كانوا يعيشون في أوروبا وهناك تلقوا تعليما أكاديميا في الفن السينمائي، مثل محمد الدراجي وعدي رشيد، وهذا ما منحهم فرصة ان يفهوا أسرار العملية الفنية بالشكل الذي لم يتوفر لدى غالبية من سبقهم من من جاء إلى ميدان الاخراج السينمائي من بوابة التلفزيون أو المسرح أو الهواية باستثناء المخرج كامران حسني الذي سبق أن درس الاخراج السينمائي في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف خمسينات القرن الماضي وأخرج عام 1958 فيلم «سعيد افندي» الذي يعد أهم فيلم عراقي اقتفى أثر الواقعية الإيطالية.
ما يحسب للمخرجين العراقيين الشباب بعد العام 2003 انهم بدأوا بالاعتماد على أنفسهم في البحث عن جهات تمول مشاريعهم دون ان يتكئوا على الدولة، فطرقوا أبواب الجهات المانحة الدولية واستطاعوا ان يكسبوا ثقة العديد منها، وقدموا أفلاما حظيت باهتمام وتقدير النقاد، شاركت في مهرجانات دولية ونالت جوائز ذات قيمة، على سبيل المثال فيلم «ابن بابل» للمخرج محمد الدراجي، حيث نال 32 جائزة وشارك في 100 مهرجان دولي وإقليمي وعرض في أكثر من 25 بلدا. وهناك مخرج شاب آخر يحيى العلاق، سبق ان حصل على نجمة «الجونة الذهبية» لأفضل فيلم عربي في مهرجان الجونة المصري، وأسماء أخرى وصلت أفلامها إلى مهرجانات دولية وحظيت بجوائز واهتمام ملفت من قبل النقاد والجهات الراعية للمهرجانات منهم: مهند حيّال، هاشم العيفاري، هادي ماهود، لؤي فاضل، ليث عبد الامير، امجد حميد، وآخرون .
دوائر الفساد التي استشرت في جسد الدولة العراقية بعد العام 2003 طال تأثيرها أحلام السينمائيين الشباب وقطعت الطريق أمامهم بينما فتحته واسعا أمام الأسماء القديمة نفسها التي كانت تبتلع الفرص طيلة العهود الماضية وتجسد ذلك عندما اختيرت بغداد عام 2013 عاصمة للثقافة العربية، ومن ضمن 600 مليون دولار تم رصدها لمجمل الفعاليات المخصصة لهذه المناسبة ذهب منها بما يزيد على 20 مليون دولار لإنتاج أكثر من 23 فيلما سينمائيا جميعها كانت من نصيب المخرجين القدماء وآخرين لا أحد يعرف لهم تاريخا في الاخراج السينمائي، بينما حرم منها السينمائيون الشباب. والمفارقة المضحكة والمبكية في آن واحد، ان جميع الأفلام التي تم إنتاجها دون استثناء لم تعرض على الجمهور لرداءتها الفنية، وتم تكديسها على الرفوف وفي مخازن الأدوات المنتهية الصلاحية في دائرة السينما والمسرح.

لماذا يصنعون أفلامهم؟

الجيل السينمائي الجديد إضافة إلى ما ذكرناه من خصائص يحملها، يصنع أفلاما ليس بقصد التسلية العابرة انما بهدف إحداث تغيير في وعي المتلقي وهذا يعود إلى ان مجمل أفلامهم تتصدى للواقع العراقي الراهن ولا تهرب منه إلى التاريخ البعيد فكان اهتمامهم منصبا على تفكيك الشخصية العراقية بكل ما تحمله من تراكمات قهرية والتباسات في وعيها نتيجة الحروب التي توالت عليها، وما يعصف بها من عنف وإرهاب سواء من قبل السلطات المتعاقبة أو الجماعات الدينية المتشددة، ويمكن ملاحظة هذه الثيمات في معظم أفلامهم، حتى انهم لم يترددوا في ان يشتبك اسلوب الفيلم الروائي مع الوثائقي في لحظة الخلق الفني لانهم يجدون في قصص الواقع ما يفوق الخيال الروائي كما عبر عن ذلك المخرج محمد الدراجي، ومن هنا يمكن تفسير عدم اعتماد الكثير منهم على ممثلين محترفين في تجسيد شخصيات أفلامهم بل استعانوا بأناس عاديين سعيا منهم ان يتعاملوا بأمانة مع الواقع.
وتجاوز الجيل الجديد سابقيه عندما صحح مسار العمل في الفيلم السينمائي وبدل ان يكون خطابهم الفني منخرطا في سياق التسلية أو الترويج لأجندة السلطة أخذوا به إلى ناحية تحفيز وعي المتلقي لطرح أسئلة ملحة حول قضايا وأزمات إنسانية تحيط به مثل العمليات الانتحارية والتشدد الديني وأطفال الشوارع والمقابر الجماعية والمفقودين وفساد الأحزاب السياسية وغيرها من الموضوعات الساخنة التي تعصف بالإنسان والمجتمع العراقي.
كما عبروا عن عشقهم للفن السينمائي بأكثر من طريقة حاولوا من خلالها تنشيط وتعميم الوعي السينمائي عبر إقامة المهرجانات في أكثر من مدينة عراقية منها مهرجان 3X 3 للأفلام القصيرة التي لا يتجاوز طولها 3 دقائق والذي ينظمه منذ ثلاثة أعوام المخرج د. حكمت البيضاني، ومهرجان بغداد الدولي، والنهج في كربلاء، والقمرة في البصرة، إضافة إلى ورش تعليم هواة الفن السينمائي كيفية صناعة الفيلم وهذه المهمة اضطلع بها المخرج محمد الدراجي.
من المعلوم ان التمويل هو المفتاح السحري الذي يمكن من خلاله ان تنتعش الآمال في قيام صناعة سينمائية، وإذا لم تتوفر جهات منتجة أو ممولة سيواجه الحالمون حتى ذوي الإرادة الصلبة عقبات كثيرة قبل ان يتجاوزوا أول عتبة في مشوارهم الطويل، إلا ان السينمائيين الشباب الذين ظهروا بعد العام 2003 استطاعوا ان ينفتحوا على عديد الجهات الداعمة الأجنبية لغرض تمويل مشاريعهم وهذا ما يمنح عجلة الإنتاج العراقي جرعة أمل.

11ADA

 جرعة أمل في ملامح جيل جديد من السينمائيين العراقيين

مروان ياسين الدليمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية