غزة ـ «القدس العربي»: لم يعد مستبعدا أن تتحول الهبة الجماهيرية التي يشهدها قطاع غزة منذ 30 اذار/مارس الماضي تحت شعار «مسيرة العودة الكبرى» إلى «انتفاضة عارمة» بعد أحداث 14 أيار/مايو، التي شهدت سقوط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى، حال لم تتحقق مطالب السكان المتمثلة في فك الحصار المفروض منذ أكثر من 11 عاما بشكل كامل، وهو أمر لم تخفيه الفصائل الفلسطينية وحركة حماس، التي دعت لاستمرار الفعاليات حتى ذكرى النكسة الشهر المقبل، ولا حركة فتح التي حذرت من عواقب استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين.
أكثر ما يؤكد إمكانية انفجار الأوضاع بشكل أكبر، وتطور الهبة إلى انتفاضة، هو عدم وجود شيء قد يخسره سكان غزة، حال استمرت المواجهة. ففي القطاع ترتفع نسب الفقر والبطالة، وتنعدم مقومات الحياة، وتزداد نسب التلوث في وقت تضاعفت فيه أيضا أزمة الحصول على التيار الكهربائي، ما يدفع لاستمرار نزول الأعداد الكبيرة من السكان إلى الحدود، إذ تمثل ذلك في «مليونية العودة» يوم 14 الجاري، التي شهدت أكبر تصعيد للفعاليات منذ انطلاقها.
فالصغار والنساء والشباب والشيوخ، الذين لبوا نداء النفير والغضب في ذروة فعاليات «مسيرة العودة الكبرى» وجهوا رسالة قوية، التقطتها الكثير من الأطراف.
فعلى طول الحدود الملتهبة لم تأبه الجماهير الغاضبة التي تسلحت بالحجارة والمقصات الحديدية والطائرات الورقية المحترقة، لنيران القناصة الإسرائيلية، التي أودت يوم 14 الجاري 62 شهيدا بينهم أطفال، وأصابت 2800 آخرين، بينهم من ما زال يرقد على أسرة غرف العناية المركزة.
وتمكن الكثير من المشاركين في التظاهرة الكبرى، من الوصول إلى منطقة السياج الحدودي، حتى أن بينهم من تمكن من اجتيازه بعد قطع أسلاكه بالمقصات الخاصة، في رسالة وجهت لإسرائيل التي استخدمت قوتها المفرطة في منع توغل هذه الحشود البشرية إلى مناطق أبعد من السياج، وهو أمر أخذته بالحسبان، حين دفعت 11 كتيبة مدربة إلى مناطق «غلاف غزة» بعضها خصص لحماية البلدات القريبة، وأخرى لمواجهة المتظاهرين بحزم، بعد أن فرضت طوقا وأغلقت طرقا في مناطق الحدود، تحسبا لسيناريو ما بعد العبور.
وكان واضحا حجم الخوف لدى المستوى الرسمي الإسرائيلي، من تبعات «موجة الغضب العارمة» منتصف الشهر، إذ تمثل ذلك في حجم القوة المفرطة المستخدمة ضد المدنيين، وفي حجم القوات التي دفعت بها إسرائيل لمناطق الحدود لصد المتظاهرين الغاضبين.
وترافق ذلك مع الكشف عن طلبات إسرائيلية قدمت للمخابرات المصرية، من أجل التدخل بشكل سريع لدى حركة حماس، لتهدئة الأمور، ظهر جليا حين استدعت مصر على عجل وقبل يوم واحد من أحداث «مليونية العودة» قائد حماس إسماعيل هنية، واثنين من كبار مساعديه إلى القاهرة على متن مروحية عسكرية، للتباحث حول تهدئة ساحة الحدود، في إطار خطة لم يكشف عن باقي تفاصيلها.
وبدا واضحا أن إسرائيل تعمل في خطين متوازيين لإنهاء «مسيرات العودة» الأول بانتهاجها سياسة الحزم والقوة العسكرية، لإخافة المتظاهرين، وهو ما لم يحقق النتائج، والثاني الدفع بوسطاء للتهدئة. غير أن دفع ثمن الهدوء لا يمكن من قبل حكومة تل أبيب أن يمر دون مراوغة كما جرت العادة، وقد تبين ذلك من تصريحات وزير الجيش أفيغدور ليبرمان، الذي قال أن شرط تل ابيب لإعادة تأهيل غزة ورفع الحصار هو «نزع السلاح» الأمر الذي ترفضه حماس بشكل مطلق.
وفي دلالة على حالة عدم الرضا داخل إسرائيل على مخططات الحكومة في ظل تنامي هبة غزة الشعبية، حذرت صحيفة «معاريف» في تقرير تناول هذا الملف، من أن عدم قدرة إسرائيل على تمكين الفلسطينيين من تحقيق تطلعاتهم باجتياز الجدار الحدودي قد تكون مؤقتة، لأنه من دون «أفق سياسي» معهم وتقصد سكان غزة، فإن الانفجار القادم في الطريق، محملة بذلك المستوى السياسي في إسرائيل عدم القدرة على تحويل الإنجاز الميداني لـ «محصلات سياسية».
وجاء التحذير الإسرائيلي بعد أن أكدت الفصائل الفلسطينية عقب «مليونية العودة» استمرارها في الفعاليات، بعد أن نجحت في إحراج إسرائيل، على أكثر من صعيد، أولها عدم قدرتها على صد المتظاهرين الذين نجحوا في قص السياج عدة مرات، وعلى المستوى الدولي حيث كم الإدانات الهائلة لعمليات قتل المتظاهرين السلميين.
وجاء التأكيد على الاستمرار حتى تحقق الهبة غايتها في كسر الحصار، وفي رسالة تهديد جديدة لإسرائيل، تؤكد استمرار فعاليات «مسيرة العودة» جرى إحياء الجمعة الماضية تحت عنوان «جمعة الوفاء للشهداء والجرحى» الذين سقطوا في أحداث «مليونية العودة». كما دعت قيادة الفصائل الفلسطينية للمشاركة الجماهيرية في تلك الفعاليات التي ستستمر في شهر رمضان ببرنامج خاص، وصولا إلى يوم الخامس من حزيران/يونيو المقبل الذي يحيي فيه الفلسطينيون ذكرى «النكسة» باحتلال إسرائيل باقي الأراضي الفلسطينية، وإجزاء من الدول العربية.
وهناك توقعات لأن تنظم في ذلك اليوم «مليونية» جديدة، بنمط شعبي يشابه الفعالية التي شهدتها حدود غزة يوم 14 الجاري، والتي لم يسبق لها مثيل، حيث مثلت إحراجا لإسرائيل على أكثر من صعيد، فعلى الصعيد الداخلي أثبتت من جديد عدم رهبة السكان من آلات القتل التي يحملها جيش الاحتلال، إلى جانب وحدة الكل الفلسطيني في ميدان المواجهة، وعلى الصعيد الدولي، أظهرت حالة الغضب من حكومة تل أبيب لاستخدامها القوة المفرطة، والتي لولا تدخل واشنطن، لخرج بيان إدانة من مجلس الأمن، يدعو لفتح تحقيق فوري.
وبشكل يدل على الاستمرار في «المقاومة الشعبية السلمية» تواصلت على مدار الأيام الماضية عمليات نزول الشبان إلى مناطق الحدود، لخوض مواجهات شعبية، يرمون خلالها جنود الاحتلال المتحصنين خلف ثكنات عسكرية بالحجارة، متحدين الرصاصات المتفجرة التي تطلق صوبهم بدقة فائقة.
وأكد في هذا السياق إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أن «مسيرات العودة» ستستمر وأنها «لن تنتهي إلا برفع الحصار كليًا عن قطاع غزة» نافيا أن تكون مصر نقلت إلى حركته قبل أيام «رسائل تهديد إسرائيلية».
وقال قائد حماس وهو يحدد شروط الهدوء «إما أن يرفع الحصار كليا، وإما فالمسيرة مستمرة بل سوف تأخذ أشكالًا وإبداعات» في إشارة إلى انتهاجها في مقبل الأيام أساليب جديدة في المقاومة الشعبية، مؤكدا كذلك أن ما يروج من إشاعات إسرائيلية هدفه فقط التأثير على «مسيرة العودة» وحرف الأنظار عن المجزرة الإسرائيلية في غزة.
وحذرت حركة حماس من قبل، المجتمع الدولي أيضا من «الانفجار الأكبر» الذي سيطال الجميع إذا لم ينته الحصار عن قطاع غزة وإنقاذها من أن تصبح غير قابلة للحياة في العام 2020 في إشارة من الحركة إلى إمكانية انتقال المواجهات على الحدود من طور الهبة الشعبية إلى انتفاضة متواصلة حتى تحقيق هدفها.
يشار إلى أن انتهاج أسلوب «المقاومة الشعبية السلمية» أحرج إسرائيل كثيرا، وجعلها تظهر أمام العالم بصورة وحشية، لاستخدامها العنف والسلاح القاتل ضد المتظاهرين السلميين، بعد أن فشلت طوال الأسابيع الماضية في حرف المسيرة عن طابعها السلمي إلى العسكري لتحقيق غاياتها.
11HAD