سلوك الشرطة في المظاهرة في حيفا في نهاية الاسبوع يؤدي إلى استنتاج واحد: المواطن العربيسواء من حيفا «مدينة التسامح والتعايش»، في أم الفحم «المتطرفة» أو في أم الحيران غير المعترف بها هو قبل كل شيء عربي.
العربي هو مواطن من الدرجة الثانية الذي يمكن ضربه واعتقاله لأنه تجرأ على الاحتجاج بدون أن يحصل على مصادقة على ذلك مسبقا. وبشكل عام لأنه تجرأ على تشويش روتين الحياة لغالبية اليهود.
لقد كان يمكن للشرطة إنهاء الأحداث بصورة مختلفة لو أنهم فهموا التداعيات ولو كانت لدى القيادة العليا في الشرطة رغبة في ذلك، لكن هذا عهد جديد، عهد جلعاد أردان وروني الشيخ، عهد يريدون فيه الاستثمار في المجتمع العربي، يفتحون مراكز للشرطة ويجندون رجال شرطة عرب، لكنهم يرتكبون كل خطأ ممكن في الطريق إلى ذلك.
في المستشفى صادقوا يوم السبت بأن فرح يتم علاجه، لكنهم قالوا إنهم لا يستطيعون الابلاغ عن حالته بسبب الحصانة الطبية.
لقد ورد من الشرطة بأن الفحص الأولي لم يظهر أموراً تربط بين إصابة فرح والاعتقال. «الاعتقالات تمت من أجل إعادة النظام العام إلى ما كان عليه ومنع تعريض سلامة الجمهور للخطر»، هكذا كتب في بيان الشرطة، «معظم الاعتقالات تمت حسب القانون وطبقا للاجراءات. رغم محاولة نشر شائعات وانتقاد أعمال الشرطة في الميدان فإن نتائج الفحص حتى الآن تظهر بأنه لم يتم العثور على أي حدث استثنائي، يربط بين إصابة أحد المعتقلين واعتقاله».
حسب الاجراءات في حالة أن المتهم يقول إن رجال الشرطة تعاملوا معه بعنف، فعلى الشرطة نقل كل مواد التحقيق بهذا الشأن ليتم فحصها من قبل قسم التحقيق مع رجال الشرطة. بعد فحص المواد يقوم قسم التحقيق مع رجال الشرطة باتخاذ قرار في ما اذا كان يجب فتح تحقيق رسمي.
المحامي حسن جبارين، محامي «عدالة» الذي يمثل فرح قال إن قوات الشرطة الكثيرة في المظاهرة أمروا المتظاهرين بالتفرق، ولكنهم لم يُمكنوهم من القيام بذلك. حسب أقواله فإن فرح قد اعتقل، وفي مركز الشرطة «رأى شرطي يضرب إبنه، سأل لماذا يضربه، عندها ضربه على ساقه». من الشرطة ورد بعد الاعتقالات بأنها «ستواصل السماح للجمهور بتطبيق حق الاحتجاج وحرية التعبير طبقا للقيود والتعليمات الواردة في القانون، لكنها ستمنع كل محاولة لخرق النظام العام وتعريض أمن الجمهور للخطر».
صور الاعتقالات في حيفا في مساء يوم الجمعة انتشرت بسرعة. لقد انتشرت خلال دقائق في بلدات كثيرة والتي سكانها شاهدوا رجال شرطة مسلحين من قمة الرأس إلى أخمص القدم وهم يقودون متظاهرين إلى سيارات الشرطة. في الشرطة قالوا إن عدداً من المتظاهرين خرقوا النظام العام وحاولوا إغلاق الشوارع. حتى لو كان هذا الادعاء صحيحا، في الشرطة تجاهلوا حقيقة مهمة: الاحتجاج في حيفا هو واحد من بين عشرات المظاهرات في المجتمع العربي في السنوات الاخيرة التي انتهت بصورة منظمة جداً، حتى في هذه الايام، في نهاية أسبوع صعب وحافل جداً دفع فيه 65 فلسطينياً حياتهم على حدود قطاع غزة.
خرق النظام ليس صفة جينية موجودة لدى المواطنين العرب. بالعكس، من أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2000 وحتى الآن كانت هناك حالات منفردة فقط خرجت فيها الاحداث العامة أو الاحتجاجات السياسية في المجتمع العربي عن السيطرة أو أنها انتهت بمواجهات عنيفة. الشرطة تتحدث عن الحاجة إلى الردع، لكن عمليا ايضا القيادة المحلية والاقليمية في المجتمع العربي فهمت قواعد اللعب.
في شرطة لواء الساحل كان يمكنهم انهاء الاحداث بصورة مختلفة لو أنهم فهموا التداعيات. في حيفا كان هناك عدد لا بأس به من المظاهرات في السنوات الاخيرة ومعظمها جرى بدون مصادقة مسبقة، لكن مقاربة الشرطة نحوها كانت مختلفة. رجال شرطة تجولوا بين الناس وطلبوا بصورة مهذبة الصعود على الرصيف وعدم اغلاق الشارع. رجال الشرطة انتظروا على بعد ما في انتظار أن المظاهرة تخرج عن السيطرة، لكن في الغالب نجح هذا الاسلوب. هؤلاء احتجوا وأولئك حافظوا على النظام العام، أي أنه يمكن التصرف بصورة مختلفة إذا كانت هناك ارادة ورغبة لدى القيادة العليا للشرطة واذا كان هناك دعم من المستوى السياسي.
ولكن هذا عهد آخر. عهد جلعاد أردان وروني الشيخ. عهد يريدون فيه الاستثمار في المجتمع العربي، يفتحون مراكز شرطة لكنهم يرتكبون كل الاخطاء الممكنة خلال ذلك. بدل معالجة الجريمة المتزايدة وشن حرب قاسية ضد منظات الجريمة، يتفاخرون بقمع كل مظاهرة احتجاج من جانب الجمهور العربي. عن طريق النقاش والقليل من المنطق السليم كان يمكن انهاء الامور بصورة أخرى، لكن المقاربة التي اختاروها بدل ذلك هي مقاربة عنف وقمع وذلك كي يظهروا من هو السيد.
منذ سنتين يتحدثون في الشرطة عن زيادة النشاط في المجتمع العربي وعن تحسين مستوى الثقة بالشرطة، لكن منذ بداية السنة قتل 22 شخصاً في المجتمع العربي، ومعظم الحالات جزء منها ملفات تمت تغطيتها جيداً، لم يتم حلها. تقرير النائب العام عن أم الحيران فقط أوضح كم هذا الانفصال ما زال قائماً.
الحدث الأخير في نهاية الاسبوع في حيفا فقط عزّز هذا الشعور. إذا كانت الشرطة تنوي إحداث تغيير في الوعي والعمل على تحسين الثقة، فإنه في القيادة العليا يجب تغيير القرص وأن يروا في العربي قبل كل شيء أنه مواطن، واليد القاسية يجب توجيهها إلى منظمات الجريمة. هكذا يقومون بإعادة إصلاح الثقة وكذلك يحسنون الامن الشخصي. خلاف ذلك، حتى لو فتحوا مئة مركز شرطة وجندوا ألف شرطي هذا لن يفيد.
هآرتس 21/5/2018