في الخطاب الإسرائيلي فإن إنكار الكارثة بشكل عام ينسب لشخص آخر ما ـ تركي، فلسطيني أو إيراني ـ ويعتبر إنكار حقيقة أنه في الحرب العالمية الثانية تمت إبادة اليهود بصورة منظمة وممنهجة. من ينكر هذا يعتبر في إسرائيل منكراً للكارثة ويستبعد من الحوار العام.
لأن الكارثة تعتبر حدثا مؤسسا من ناحية تاريخية، الذي بسببه اقيمت دولة إسرائيل، وكتبرير اخلاقي لكونها دولة يهودية، فإن إنكار الكارثة يترجم فوراً إلى إنكار لحق وجود دولة إسرائيل، وحتى إنكار لحق تقرير المصير القومي للشعب اليهودي. هذه الصيغة هي جزء لا يتجزأ في أعماق الاجماع، إلى درجة أنه يصعب التفكير بطريقة أخرى للتعامل مع الكارثة. ولكن نظرة جديدة على هذه الرؤية الاشكالية من شأنها أن تؤدي إلى استنتاج بعيد المدى يقضي بأن الإسرائيليين أنفسهم وبعملهم هم منكرون للكارثة.
الاحتفالات بمناسبة فوز نتاع برزيلاي في الاورفزيون في ميدان رابين في تل أبيب قبل ساعات من يوم النكبة وبعد القتل في غزة في ذلك اليوم، لا تقل عن إنكار كارثة إسرائيلي عام. من أجل فهم كيف وصلنا إلى هذا الوضع وما هي تداعياته علينا العودة إلى الافتراض الاولي بشأن عبرة الكارثة، والتي يمكن كما يبدو إنكارها أو تذكرها.
حسب الخطاب الإسرائيلي فإن العبرة هي كما هو مفهوم، أن اليهود مطاردون. كل الحدث الضخم الهام والصادم، تضاءل وتسطح ليصل إلى افتراض أن اليهود مطاردون. هذا الموقف تم التعبير عنه في بحث الكارثة الاكاديمي، عندما قامت مدرسة كاملة تسعى خلف دوافع مثل دوافع اللاسامية، ترى بذلك الحدث جريمة ضد اليهود. هذا خلافا لمدرسة تركز على الاجهزة وتقول إن الامر يتعلق بجريمة ضد الإنسانية. المدرسة الاخيرة أيضاً تثير عبرة أخرى، أكثر عالمية من الكارثة، حسبها بني البشر في كل العالم يمكنهم التعلم من الكارثة، بغض النظر عن الدين، الجنس، العرق أو القومية.
العبرة العالمية للكارثة هي أن الاقتصاد السياسي الذي يقوم على بيروقراطية عنصرية أو اثنية ويتضمن تفضيل مجموعة سكانية على مجموعة أخرى، ينتهي بخراب وإبادة متبادل. العبرة العامة العالمية تختلف عن العبرة الخاصة الإسرائيلية لأنه بدل الافتراض بأنه في كل مكان وزمان يطارد العالم اليهود، وأن الكارثة هي التعبير المتطرف جداً عن هذه المطاردة، والعبرة العالمية، ترى الخطوط العامة، التي حسبها النازيون هم تعبير عما يمكن أن يحدث دائما عندما يخيفون الجمهور من أعداء شيطانيين، وذلك من أجل منع تغيير اجتماعي اقتصادي سياسي واسع وعميق.
من المهم تذكر السياق التاريخي لصعود هتلر إلى الحكم، سياق تحاول العبرة الخاصة الإسرائيلية إبعاده. هتلر طور نظرية العرق والنازية السياسية كرد على محاولات التغيير الشيوعية التي انتشرت في كل مكان. لقد نجح للأسف، في شرح كل مشاكل المجتمع الالماني ـ الوضع الاقتصادي الصعب، الشروخ الاجتماعية ـ من خلال توحيدها في شخصية واحدة «اليهودي»، التي فقط إذا رفعوها وأخفوها فإن كل المشاكل ستحل.
هتلر لم يفكر بمفاهيم المساواة والعدالة والحرية، لذلك فقد تبنى طريقة التخويف التي حسبها اليهودي ـ الذي تمت مساواته بالشيوعي ـ هو سبب كل المعاناة الالمانية. هتلر ركب على مخاوف حقيقية للالمان من وضع متدهور وغير مؤكد، وركزهم جميعا على عنصر واحد الذي يفسر بجرة قلم ايديولوجية جميع الواقع. العبرة العالمية، اذا كان الامر كذلك، تشير إلى الخطر الكامن في سياسة تخويف عنصرية، خطر يمكنه أن يحدث طوال الوقت. إن احتضار التعبير الذي وضعه يشعياهو لوفوفيتش «يهود النازية» يعبر عن احتضار العبرة العالمية التي كما يبدو ماتت قبل أوانها، في نفس الوقت الذي قيل فيه.
لذلك، اليوم ونحن ما زلنا نشهد الاحتفالات الجماهيرية التي تجري في نفس الوقت الذي يتم فيه إطلاق النار الممنهج على الغزيين الذين يتظاهرون قرب الجدار، وحيث نجد فيه أنفسنا جزءاً من اتحاد المتناقضات العدائية بين يوم النصر من جهة وبين يوم النكبة والكارثة للآخر، ليس هناك سوى أن نستنتج أن الإسرائيليين بأفعالهم ينفون العبرة الحقيقية والعالمية للكارثة. هذه هي العبرة التي تتناول حرية كل بني البشر كونهم بشراً، بغض النظر عن ألقابهم وأسمائهم ووظائفهم أو أشكالهم. العبرة العالمية تذكر بأن كل انسان لكونه انساناً واقع تحت خطر من قبل منظمة سياسية عنصرية من شأنها جر الجماهير إلى تخويفات متخيلة وشروحات وهمية.
الباحث في الأدب البريطاني تيري أغلتون كتب أن كل من يجلس على مقعد مخصص للبيض فقط حتى لو قال إنه يعارض العنصرية، عليه أن يتذكر أن الايديولوجيا العنصرية متجسدة في المقعد وليست فيه. وبنفس الوزن كل من احتفل في الميدان بفوز نتاع برزيلاي ولا يهم كم يقول بأنه يعارض قمع الفلسطينيين، فإن الايديولوجيا الإسرائيلية مجسدة في الميدان وليست في رأيهم. كما كتب ماركس عن الايديولوجيا: «هم يفعلون ذلك من دون إدراك». ما فعله المحتفلون ولم يدركوه هو إنكار الكارثة بمعناها العالمي، الاخلاقي والسياسي.
هآرتس 22/5/2018