يمكن القول؛ إن هذا المفهوم تؤطره ثلاث مراحل، من حيث التطور الذي عرفه من خلال كتابات وتأملات الفلاسفة في العصر الحديث. فالمرحلة الأولى ذات ارتباط بالمفهوم الديني الذي يروم معنى اغتراب الإنسان عن جوهره نتيجة مفارقته للفردوس السماوي ونزوحه نحو الجحيم الأرضي. وبذلك، الاغتراب نوع من محاولة العودة إلى الوجود الأول، من خلال العمل على تحرره من الوجود الثاني عن طريق وسيط إلهي. لذلك، «فمصطلح الاغتراب، وكما تشير إليه أسطورة الأصول، يعني فقدان الحالة الأصلية للانسجام والوحدة، والتبشير بالعودة المستقبلية (والأزلية)».
وبخصوص المرحلة الثانية؛ التي تزامنت مع ظهور المجتمع البورجوازي، انحصرت فكرة الاغتراب بين الإنسان ومجتمعه والدولة من خلال الخضوع لقوانينها وإرادتها حفاظا على مصالحه الفردية. وَفْقَ هذا السياق، تُعدّ فكرة الاغتراب «ظاهرة إنسانية يمكن أن نجدها بشكل أو بآخر في مختلف النظم وثقافات المجتمعات، فالاغتراب يهدد الهوية والوجود وهؤلاء النخبة المتفردة يرفضون القيم العامة والفرعية التي تسود في هذه الثقافات التي تقبلها بقية أفراد المجتمع».
إلا أن هذه الفكرة، في مرحلتها الثالثة، لم تتشكل كمقولة في مقامها الفلسفي إلا مع هيغل (1770-1831)، من خلال مقولة «الوعي الذاتي»، بذلك، أصبحت ترتبط بعلاقة الذات بالعالم، حيث يسعى الإنسان إلى فهم حقيقته و«عندما يتملك الإنسان هذا الوعي في تجاوزه للعالم الموضوعي، يكون قد بدأ طريقه نحو حقيقته الخاصة به كإنسان، ونحو حقيقة العالم أيضا؛ أي يبدأ بالتعرف على ذاته وبالتعرف على العالم الذي كان غريبا عنه». ولا يصل إلى حالة الرضا إلا من خلال اتحاد أطراف آخرين. وهنا يظهر لدى هيغل ديالكتيك (السيد والعبد)، مادام هذا الإنسان يحتاج إلى الآخر، لكن هذه العلاقة هي علاقة صراع حتمي. وبذلك، «فحقيقة الوعي الذاتي، لا تقوم في الـ»أنا» بل في الـ»نحن» التي تؤسس لوعي قادر على تملك العالم».
لكن، مع كارل ماركس من خلال كتابه «مخطوطات 1844»، ستنبني نظريته في الاغتراب اعتمادا على مقولة «الاغتراب الديني» التي استلهمها من فيورباخ من خلال مؤلفه «نقد جوهر المسيحية». فعوض أن يكون الإنسان إلها مغتربا في الأرض، أصبح الله إنسانا في حالته المغتربة. من هنا يصبح الدين هو الاغتراب. وبذلك، «فعندما يتعرف الإنسان على نفسه بشكل حقيقي، ويعرف أنه مصدر الوهم الديني، تتوارى التصورات الدينية، ويستعيد الإنسان نفسه كمصدر لكل حقيقة».
سيرورة الاغتراب والشعرية:
وإذا كانت مقولة الاغتراب ظاهرة وجودية ترتبط بالذات والعالم، سواء في معناها الضيق الذي نعني به المجتمع. أو في معناها الواسع الذي نعني به الوجود. فإن الشعر في حقيقته أحد تجليات هذه الظاهرة التي لا تعدو أن تكون تارة فطرية وتارة أخرى ثقافية. وهي حالة الشعر نفسه. كحالة في تأمل مصير الإنسان داخل الوجود بثقافته المتنوعة المشارب والحدود. إنها حالة الشعر نفسه الذي يجمع بين ما هو ذاتي وأيديولوجي ووجودي ومجتمعي، لتحقيق حالة من التعبير الإنساني عن الوجود، سعيا إلى تحقيق الشعرية، التي تراهن على نوع من مجابهة التغيير في المجتمع الإنساني بكل مكوناته، وبذلك محاولة تجاوز الاغتراب الثقافي في حدوده الدنيا.
وفق هذا السياق، إذا كانت فكرة الاغتراب تمر بمراحل عدة، فإن الشعرية، مرهونة بهذه المراحل نفسها، على وجه التقارب، وبذلك هو إوالية من حالة تحقق الشعرية، من حيث فهم آليته الخفية التي يستخدم بها الشاعر أسلوبه في القول الشعري، أي البحث عن آلية القول قبل القول نفسه، فلم يعد الشعر قولا بلا تأسيس أو بلا فهم أو بلا نظرية أو بلا معرفة حقيقية بالنقد ومجالاته المتغيرة. ما دام الشعر حياة، وهذا لا يتأتى لأي كان بدون وعي بالحياة ورؤيتها برؤية شاعرية ثاقبة. ومن ثمة، تبدأ سيرورة الاغتراب بمرحلة أولية، تنبني على رصد طبيعة الأوضاع والبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه الفرد. تبعا لهذا تتشكل المراحل الأولى للشعرية، حيث ينقل الشاعر أحاسيسه إلى مرحلة السماع؛ يحفظ ويسمع ويقرأ ويتأمل ويقارن ويفهم، «وهي شروط أولى لنقل الإحساس بالأشياء من الذات الفاطرة إلى الذات الواعية».
وفي المرحلة الثانية، ينتقل الفرد إلى الرفض، رفض الأنظمة الثقافية السائدة، التي يسعى إلى تغييرها عن طريق المشاركة في الحياة السياسية، «بل للهرب منها عند أول فرصة للتحرر من مشاعر عدم الرضا والقلق والغضب والخوف والنفور من كل شيء». وموازاة مع الشعرية، يحاول الشاعر التجرد من ذاتيته جزئيا، ويحاول أن يفسح المجال للذاتية الاجتماعية التي ينبغي أن تحتل مكانتها في القصيدة.
أما المرحلة الثالثة؛ فيمكن رصدها على مستوى السلوك الفعلي، حيث البحث عن وسائل التحرر من هذه الأوضاع والأنظمة التي بسطت سيطرتها على حياته، من خلال حركات اجتماعية وسياسية وثقافية ونقابية في أفق تغيير الواقع الراهن والبحث عن بدائل ممكنة له. وهنا يختار بين ثلاثة بدائل سلوكية: «إما الانسحاب والهروب من الواقع الذي سبب له الاغتراب كما يتجلى في الهجرة والمنفى والمقاطعة، أو الرضوخ للأمر الواقع لعدم القدرة على الهرب، أو التمرد الفردي والعمل الثوري من ضمن حركات اجتماعية تسعى إلى تغيير الواقع وتجاوز حالة الاغتراب». خلال هذه المرحلة، تصل الشعرية إلى مراحلها العليا التي تتحقق من خلال إلغاء المحلي ومحاولة الالتحام بالكوني، شأن الشعراء الكبار أمثال دانتي وشكسبير ودوستويفسكي وغيرهم الذين لا نجد عندهم إلا نغمة شعرية عالمية وكونية.
صلاح فائق في ضيافة المسافة:
إن علاقة الاغتراب بالشعرية، وفق ما سبق، علاقة عضوية لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وبذلك يمكن القول إنه قبل القول الشعري وقبل النقد يحضر الاغتراب باعتباره إوالية من إواليات الكتابة، في نطاق علاقة الشاعر بذاته والمجتمع والعالم والوجود. فهو المادة الهيولى الأولى التي تمنح رؤية شعرية على طاولة الحياة، وإذا كانت كذلك، فهي أس التجديد في الشعر العربي، ليس في أقانيمه الاعتيادية، بل في اللغة على وجه خاص. لذا، فعلى الرغم من المجهودات التي قام بها النقاد والمنظرين في الشعرية، تبقى خارج أي نظرية أو قانون. إن التمعن في هذه الثنائية، نجدها تؤسس للتحولات التي عرفها الشعر العربي، منذ العصر الجاهلي، فكلما تنامى الإحساس بالاغتراب، تفتقت مسالك أخرى جديدة في القول الشعري، ولولا اغتراب الأمة العربية ما وُجِدَت «قصيدة النثر»، إلى جانب أنماط شعرية سابقة، فلا لغة تستطيع أن تملك هذا الشعر، هذا الفرس الأصيل والحرون الذي يسعى دائما أن يغير مساراته كلما مر بمسالك المجهول الإنساني والوجودي، لينقلنا دائما من المعلوم إلى المجهول، ثم من المجهول إلى المجهول، كلما توسعت دائرة الاغتراب.
وهذا ما دأب عليه الشعراء العراقيون، منذ «جماعة كركوك» ومن بينهم الشاعر العراقي صلاح فائق الذي استطاع بشعره أن يؤسس لمسافة بكل أبعادها مسافة شعرية ولغوية ورؤيوية، تحاول أن تنطلق من المجهول الذاتي نحو المجهول الإنساني. حين توسعت دائرة الاغتراب، والكل في دائرة كبرى هي الشعر خارج حدود القوانين المعيار، بذلك نقف عند مقطعين شعريين له نبين من خلالهما مظاهر الاغتراب ومستوى التعبير الشعري عنه، بلغة جديدة أخذت ترتسم فيها معالم «قصيدة النثر العربية». يقول في ديوانه «رهائن»:
أيّ فصْلٍ لمْ يَترُكْ شَقَاءه حِينَ رَحَلَ؟
كُنْتُ أَجْعَلُ قَهْقَهَاتِ الضُّيوفَ مَلاَذِي
كُنْتُ أفِرُّ مِنَ المُدُن، كُنْتُ أَجْرَحُ أَصَابِعِي .
هِذِهِ نُزْهَةُ الأَعْوَامِ الأخِيرَة: مَخْلَبٌ يَطْفُو ثُم يَخْتَفِي
وَلاَ أَحَدَ يَلْمَسُ الجُدْرَانَ
لاَ أَحَدَ يَتَسَلّقَ اللّيْلَ
لاَ أَحَدَ يَفْهَمَ بَرَاءَةَ النّهَارِ
وَالمَظْهَرُ الأَنِيقُ إِنّمَا هُوَ مَحْضَ جُثّة.
*٭٭٭
بَعْدَ هذَا، هَلْ أَنْسَلُّ إِلَى أَحْلاَمِي
هَلْ أَصِيرُ الصّوْتَ المُهَذّبَ، هَلْ أَقُولُ لاَ شَرَاشِفَ لاَ أَفْوَاه؟
أوْشَكْتُ أَنْ أَلاَئِم
أَوْشَكَ انْتِبَاهِي أَنْ يَصِيرَ ثَكَنَاتٍ وَمُتَسَابِقِين :
يَهُبُّ الهَوَاءُ وَيَرْجِع وَنُوّاحُ المَرْأةِ فِي المَبَانِي
يَهُبُّ الهَواءُ ويَرجِعُ ونُوّاحُ المَرْأَةِ عَلَى الجُسُور
يَهُبُّ الهَوَاءُ ويَرْجِعُ وَمَوْعِدُ المَوْتِ في المَسَاءِ.
إن الشاعر هنا، يحاول التعبير عن حالة اغتراب ذاتية، من خلال ضمير المتكلم، حيث الرفع من الذات من المستوى العادي إلى مستوى أسطرتها باعتبارها مركز ثقل بناء شعرية اللغة الدالة على الرؤية للعالم والوجود. وما يؤكد هذا؛ المعجم الذي عمد إليه الشاعر متمثلا في (رحل- أفر- أجرح- جثة- الموت- الثكنات- نواح- الليل- المساء). وبذلك يمتح من المعجم الدال على خطاب النهايات. التي وإن كانت بلغة شعرية أخّاذة، فهي حقيقة بطَعْمِ التُّراب. إنها مكابدة الذات الشاعرة سواء على المستوى الذاتي/ الفردي، التي نجدها تصل إلى حد التلاشي حيث ينهي المقطع الأول بكلمة «جثة» والمقطع الثاني بكلمة «الموت في المساء»، أو على المستوى الواقعي، من خلال المقابلة بين عالمين متناقضين عالم الشاعر الذي ينحصر في الممكن والمحال، والعالم المعيش الدال على ما هو كائن، وبذلك يحاول أن يفصح عن خطاب الاغتراب من خلال صورة الغربة نتيجة العلاقة المتوترة القائمة بين الذات والعالم.
وبذلك، يعد هذا النوع من الشعر سلاحاً ضد ما تعانيه الذات من الاغتراب المُزدَوَج، سلاحا من أجل الانعتاق. ولم يذهب في هذا مذهب بناء مقولة «الضحية» التي تروم مفهوم «الفداء» لاستحالة الاندماج والانصهار في النسيج الاجتماعي، بل من أجل تحقيق مفهوم «الحرية» التي لا تقوم إلا من خلال الثورة على هذا الوضع الراهن، حيث التحول من الارتهان للواقع القائم نحو التحرر بكل أشكاله وألوانه، وأهم معالمه اللغة الشعرية الطافحة بروح التمرد والرفض الخارجة عن قوانين الخليل بكل معالمها وتجلياتها.
٭ كاتب من المغرب
رشيد طلبي