الحرير وعالمه في أعمال التشكيلي المغربي يوسف الوركي

يقدم التشكيلي المغربي يوسف الوركي تجربة إبداعية مختلفة، مقارنة بالمنجز العام لبعض فناني مدن وقرى الجنوب المغربي. فالمعتاد في الكثير من هذه المناطق عرض لوحات، جلّ موضوعاتها ينصب على رسم القصبات، علاوة على بعض المؤثثات التراثية المتعلقة بها، والحال أن يوسف الوركي اختار خامة الحرير كمادة مطواعة تتوافق وتصوراته الإبداعية، لينجز من خلالها تشكيلات فنية تحمل خبرة وتجربة جمالية متميزة.

الرؤية

بدأ يوسف الوركي مشواره الفني هاويا بعد أن اكتشف صدفة أنه يمتلك موهبة تسعفه في الإبداع التشكيلي، عبر خيوط الحرير وغيرها، ولأن له علاقة بالتوجه العلمي في حياته الدراسية ، فقد عكس ذلك في جل لوحاته، وهي تحمل المسحة الرياضية والعلمية، أشكال هندسية بمقاسات دقيقة، مجرات وكواكب، سماء بغيومها وصفائها. وتدل أعماله على كونه متواصل البحث في مجال الفن، جريا وراء القبض على ما يجعل منجزه الإبداعي إضافة بارزة من حيث خامة تشكيله بالخصوص، علاوة على ذلك، فالفنان يبدو متمكنا من التشكيلات المختلفة، البورتريه، المناظر الطبيعية، والأشكال التجريدية، مما يظهر التلاؤم والتجانس والتواؤم بين الشكل واللون والمحيط.

التقنية

يلجأ الفنان إلى استخدام كثير من الخامات لإنجاز عدة أعمال تحمل رؤاه الفكرية والجمالية، قبل أن ترسو به تجربته في استخدامات رائقة للحرير كخامة مفضلة لديه، واختياره لهذه الخامة اختيار صعب، لما تتطلبه من معالجة وبسط وعقد وتصفيف ولَيٍّ. اشتغل الوركي على هذه الخامة بشكل رئيسي في أعماله بحثا عن الخصوصية بعيدا عن النمطية التي تطبع أعمال كثير من الفنانين والفنانات، الذين يعتمدون الأصباغ خامة وحيدة لهم. اللافت في أعماله يكمن أكثر في التداخل والتوليف الذي يُخضع له عناصرها لتكتمل وتتكامل ملامحها، عبر صياغة ينبثق عنها وجهها الإبداعي العام. والحال أن مثل هذه الصياغة تتطلب الدقة والخبرة والمرونة في طرح كل البدائل الممكنة، من أجل التمكن من إبداعية راقية. ومن خيوط الحرير الملونة يصوغ أشكالا صارمة، من حيث هندستها والدوائر والمستطيلات والمثلثات التي تشكل بنيتها المعلقة بمسامير مغروزة بعناية، وحسابات على سطح فضاء اللوحة الخشبي المصقول والملمع. بخيوط الحرير يرسم الفضاء مجسدا غضبه وتضجره أو سكينته وهدوءه بشكل يجعلك منخرطا في عوالم اللوحة، خاصة حين تكتشف أن ما تراه مشكل بخيوط الحرير لا بالأصباغ. بالحرير يرسم البورتريهات بابتساماتها وبأسارير الشيخوخة والغضب البادية عليها، فيعبر بذلك عن لواعجنا وأحاسيسنا التي توقظها أدنى نظرة إليها. تجربة معتقة بأشياء من الذاكرة رغم انزياحها الرئيسي نحو الأشكال الهندسية المشكلة لما يشبه الزخارف لكن بالمفردة الواحدة بعيدا عن التكرار. بالحرير ينفذ أعماله مختارا بين التجريدي والرمزي أحيانا مشكلا موضوعات أعماله بتأن يجعل كل أعماله بمنآى عن العشوائية والتلقائية.

٭ كاتب وتشكيلي من المغرب

الحرير وعالمه في أعمال التشكيلي المغربي يوسف الوركي

لحسن ملواني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية