كان ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: مجرد ذكر اسمه يثير الرهبة الممزوجة بالكثير من التبجيل والتقدير من قبل عشاق السينما والعاملين فيها. إنه جان- لوك غودار، الأسطورة الذي كان عماد ومؤسس المدرسة الفرنسية الجديدة، لذا عندما كُشف عن برنامج الدورة الحادية والسبعين لمهرجان كان السينمائي (8 إلى 19 مايو/أيار)، واتضح أن المخرج المخضرم (87 عاما) سيشارك في فيلم جديد في المسابقة الرسمية للمهرجان، أصبح الفيلم على الفور من أكثر الأفلام المرتقبة في المهرجان.
الكتابة عن فيلم لغودار أمر يحيطه الكثير من الوجل والتهيب، لاسيما وغودار يقدم في فيلمه الجديد «كتاب الصورة» ما هو أشبه بوثيقة يخط فيها رؤيته للعالم كما يراه الآن، وثيقة صادمة بصريا وفكريا، يفكك فيها غودار السينما ويعود بها إلى عنصرها الأول، الصورة، أو إن جاز لنا القول، انفجار الصور على الشاشة، ومحاولة استيعاب هذا الكم من الصور وإدراك الصلات البينية بينها واستخلاص مغزاها، تتطلب مشاهدة فاحصة متأنية، وربما يصح لنا القول إن مشاهدة فاحصة واحدة لا تكفي للوقوف على كل ما يضم الفيلم من فلسفة وفكر، بل يتطلب مشاهدات متتالية.
«كتاب الصورة» تجربة فكرية إدراكية في المقام الأول، تجربة صادمة، ولكنها ضرورية. تمتزج في «كتاب الصورة» لقطات من أفلام مثل «فرتيغو» لهيتشكوك و«سالو» لبازوليني و«النهر» لرينوار» و«الفيل» لغاس فان سانت بمشاهد من مظاهرات الربيع العربي، ومقاطع من تسجيلات مصورة لفظائع «داعش»، يتخللها تعليق صوتي لغودار.
في «كتاب الصورة» يجرد غودار الصورة تماما، ويجد فيها عوضا عن التمثيل والممثلين، فالفيلم يخلو تماما من الممثلين، الذين يستعيض عنهم غودار بهذا الخضم الضخم من الصور، التي لم يأت اختيارها أو ترتيبها عشوائيا، بل ليثير لدى المشاهد تأثيرات وتساؤلات وتعليقات بعينها. ويواصل غودار في الفيلم إدانته للحروب، ويعرب عن قناعته بأنها سبب الخراب في العالم، فاللقطات التي اختار غودار أن يضمنها فيلمه وشهادته عن العالم تضم الكثير من مشاهد القصف والتفجير والانفجارات، وخصص بعضها للعنف الذي ارتكبته «داعش».
في شذرات التعليق الصوتي، وفي الومضات النصية على الشاشة، يثير غودار العديد من القضايا التي كانت وما زالت تشغله: الدين، السياسة، النازية التسلح النووي والخوف منه، الثورات وجدواها وتبعاتها. ورغم انحيازه التاريخي للثورة والثورات، يبدي غودار في تعليقه الكثير من التشكك في جدوى الربيع العربي، قائلا «كنت سأؤمن به لو كان ثورة حقيقية، لكنه لم يكن حقا كذلك». ولا يبرئ غودار ساحة الغرب في ما يجري في العالم العربي، بل يرى أن الغرب ضالع في ما يحيق بالمنطقة من الفوضى. ويرى أن الغرب لم يفهم العالم العربي قط، وفي إشارة إلى الماضي الاستشراقي للغرب ولتحويله الشرق إلى مجرد صورة غرائبية، يستخدم غودار لقطات للوحات رسامين غربيين لنساء المشرق والافتتان بأجسادهن والافتتان بمجالسهن التي يشير إليها الغرب باسم «الحريم».
يستهل غودار فيلمه بلقطات ليد بشرية تشير بإصبعيها السبابة والإبهام، ويمكننا إيجاد تفسيرات مختلفة لهذه اليد وحركة أصابعها: هل هي أصابع وعيد وتهديد؟ هل هي أصابع إنذار؟ هل هي أصابع تطلب منا التريث والتأمل والتفكر؟ أم هل هي أصابع تشير إلى طريق ما؟ أو ربما يقصد بها غودار كل هذه الدلالات، في فيلم يقدم فيه شهادته على هذا العالم.
يبدو لنا كما لو كان غودار يطلق صيحات إنذار ويدق نواقيس تنبيه طوال الفيلم، رغم ذلك الإحساس الذي يعترينا بيقينه أن العالم لن ينتبه ولن يتغير.
يقول غودار في تعليقه الصوتي «لو كان بإمكاني أن أزيد من اطلاع ومعرفة من في السلطة، لكنت أسعد إنسان في العالم». لكن هذه العبارة في حد ذاتها تحمل يقين غودار أن كلماته ستذهب أدراج الرياح. ربما يحمل هذا الفيلم الذي يحوي انفجارا ضخما من الصور، شعورا بالمرارة إزاء الصورة في حد ذاتها وإزاء إخفاقها في تحقيق المرجو منها. في قرننا الواحد والعشرين هذا تطورت تقنيات الصورة بصورة فائقة وأصبحت آلاف الصور تعرف طريقها إلينا يوميا، عبر الإنترنت والمواقع والتطبيقات المخصصة للصور، وعبر التلفزون وعبر السينما، صور يفترض أن تؤثر فينا، ولكننا اعتدنا على صور الفظائع التي يشهدها العالم، وأُصبنا بالتبلد إزاءها في الكثير من الأحيان.