دعوة بطولية لإلقاء السلاح

حجم الخط
1

في 16 أيار/مايو بعد يومين من المصادمة على الجدار الحدودي بين غزة وإسرائيل أعطى يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة مقابلة هامة لقناة «الجزيرة». ومن بين ما قاله فيها «…هؤلاء الشباب الذين امطروا في الماضي صواريخ على مدن الاحتلال قرروا خلع زيهم العسكري وأن يلقوا مؤقتا سلاحهم من أجل تبني وسيلة مقاومة ثقافية مدهشة يحترمها العالم، التي تناسب الظروف… هذا القرار يستند إلى اتفاق وطني… لقد اخترنا هذا البديل من خلال منطق الشعور بالقوة… لقد أرسلنا مع جهات دولية وإقليمية رسائل إلى قادة الاحتلال بأنه إذا استمر الحصار فإننا لن نخشى من استخدام القوة العسكرية».
هذه المقابلة تكشف عن التناقض المعرفي الذي يعمل في داخله السنوار، والذي يراوح بين الرغبة في الحفاظ على خطاب وطني صادق وفخور وغير مستخذي والذي كل الفصائل العسكرية وعلى رأسها كتائب عز الدين القسام يمكنها التماهي معه وبين التطلع إلى إدخال تغيير وعي في فهم النضال، الذي يعني الانتقال من المقاومة المسلحة إلى مقاومة شعبية بسبب الظروف الداخلية والدولية والإقليمية.
هناك أربعة مكونات أساسية بارزة في رؤية النضال الجديدة التي يرسمها السنوار: الاول يمكن تسميته «مرونة بطولية». السنوار يعترف بأن الظروف تقتضي سلوكاً حذراً ومتزناً، لكن فقط من خلال موقف قوة وبطولة وليس من خلال ضعف وإهانة. طوال المقابلة تحرك بين تعبيرات مثل بطولة وقوة ومقاومة مسلحة وبين تعبيرات مثل عقلانية وحكمة ومقاومة شعبية. هو يرفض الادعاء الإسرائيلي القائل إن حماس استخدمت النساء والاطفال كدرع بشري ويوضح أن معظم القتلى على جدار الحدود كانوا بالتحديد مقاتلي الاجنحة العسكرية وليسوا مدنيين. الرسالة مزدوجة: للفلسطينيين ـ فقط كتائب عز الدين يمكنها الانتصار في المعركة وليس منظمات المجتمع المدني، للرأي العام العالمي ـ حماس هي حركة تحرير مشروعة ترسل إلى الجبهة مقاتلين وليس مدنيين.
مهم للسنوار أن يحافظ على الصورة البطولية والوطنية لكتائب عز الدين القسام وضمان أن حماس لن تفقد شعبيتها في نظر سكان غزة من جهة، وتحظى بشرعية سياسية في أوساط جهات إقليمية ودولية من جهة أخرى. هذه الاعتبارات تقف في أساس تطلع حماس للسيطرة على خطاب التمرد المدني الذي بادرت اليه منظمات المجتمع المدني والمثقفون من أجل منعهم من عرضها كمن تتاجر بدم سكان القطاع وطرح أنفسهم باعتبارهم بديلاً مدنياً مناسباً.
المكون الثاني في رؤية النضال التي يطرحها السنوار هو العملية. هو يحسن فهم خطاب الاحتجاج الدولي الذي يخلق تناقضاً بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، بين القوي والضعيف، بين من يقصي والمقصى. هو يريد استخدام القوة الناعمة للفلسطينيين في نظر العالم. التحديات الإقليمية والدولية وأيضاً التحديات التي تضعها منظمات المجتمع المدني تجبره على خلق تناسب بين لغة النضال الثقافية العالمية ولغة النضال المحلية. إن استخدامه لأفعال «تنازلوا عن» أو «وضعوا سلاحهم» من أجل وصف انتقال ممكن من نموذج مقاومة مسلحة إلى نموذج مقاومة مدنية غير عنيفة تعطي نموذجاً عن العملية اللفظية ـ الثقافية التي يقوم بها من أجل أن يحظى بشرعية في العالم الغربي وإحداث تغيير في الوعي في أوساط الكتائب وفي أوساط من سيضطر إلى اتخاذ قرار بدمجهم في الاجهزة الأمنية الرسمية.
المكون الثالث هو التعاون. من المهم له جداً الحفاظ على التعاون بين حماس وفصائل المقاومة الاخرى ومنظمات المجتمع المدني والنخب. شبيها بياسر عرفات فان السنوار يفهم أنه لا يستطيع أن يجري تغييرات في نماذج النضال السياسي والعسكري من دون هذا التعاون. إن حقيقة أنه يكرر 8 مرات كلمتي «فصائل المقاومة» ويذكر وثيقة الاسرى التي توافق فيها كل الفصائل على التزامها بالمباديء الدولية والنضال من أجل دولة في حدود 1967، تدل على التطلع إلى منع الفصائل من التنكر لموافقات سابقة.
المكون الرابع هو الوعي الوطني الجماعي. السنوار يدرك عظم الازمة التي تحل بالحركة الوطنية الفلسطينية، على خلفية الانقسام بين فتح وحماس والانقسام الجغرافي والوطني والسياسي الذي خلقته بين الفلسطينيين. ولكن من أجل عدم المس بالروح المعنوية الفلسطينية، وبدرجة كبيرة أيضاً من أجل عدم خدمة منظمات المجتمع المدني والمثقفين الذين يرون في فتح وحماس مسؤولتين عن ضعف الوعي الوطني الفلسطيني، اختار عرض مرات كثيرة الشعب الفلسطيني كـ «ذو وعي جماعي». الدمج الذي يقوم به بين رموز وطنية (حق العودة) ورموز دينية (القدس) ودعوته قيادة فتح لبلورة استراتيجية نضال وخطة سياسية مشتركة تنبع من ضمن أمور أخرى من حاجة القيادتين لمواجهة التحديات السياسية الداخلية.
الاستنتاج من كل هذا هو أنه خلقت هنا فرصة نادرة لتغيير الواقع السياسي التي يحظر على إسرائيل وأمريكا وأوروبا ودول عربية تفويتها. يجب أن لا تندهش من الخطاب البطولي للسنوار. بدل إهانته عليها أن توفر له انجازات سياسية، تعززه أمام خصوم راديكاليين وتمكنه من الانتقال من ساحة المقاومة العسكرية إلى طاولة المفاوضات السياسية. عليها أن تزيد الضغط على قيادتي فتح وحماس لإنهاء الانقسام لمنع خلق فراغ سياسي تدخل اليه جهات راديكالية، أو زعماء من الخارج مثل خالد مشعل وصالح العاروري المدعومان من قطر وتركيا وإيران. يجب عليها تجنيد مصر والاردن والسعودية ودولة الامارات من أجل الدفع باتفاق سياسي إسرائيلي ـ فلسطيني إقليمي، الذي أحد مكوناته سيكون استقرار الوضع في غزة واتفاق على هدنة طويلة المدى. هذه العملية ستخدم هدفاً مشتركاً لإسرائيل وحلفائها وتمنع سقوط حماس والحركة الوطنية الفلسطينية بين أذرع الدول الإسلامية مثل تركيا وإيران.

هآرتس 23/5/2018

دعوة بطولية لإلقاء السلاح
الدعوة رؤية كاملة للنضال الفلسطيني ضمن الظروف الإقليمية والدولية
رونيت مارزن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية