سر الفن والمهنة في رواية التاريخ «اسمي أحمر» لأورهان باموق

حجم الخط
0

■ «إسمي أحمر» رواية للكاتب التركي أورهان باموق وهي تتناول تاريخ النقاشين والوراقين، وقد أخضعت هذا التاريخ للمعالجة السردية من خلال جعل الخيال فاعلا سرديا، متعاملة مع التاريخ كقصة لا وقائع، فكانت الشخصيات المتخيلة حاضرة، جنبا إلى جنب الشخصيات التاريخية، مع استعمال لغة حوارية تتخللها لغة معرفية تتعلق بعلم النقاشة والوراقة والرسم.
إذن ما عاد التاريخ رهنا بالمؤرخين، بل هو اليوم من ضمن اهتمام الكتاب الروائيين الذين يحاولون معالجته سرديا، كاشفين عن حقائق ومعلومات وربما خفايا وأسرار سكت التاريخ الرسمي عن طرحها أو الخوض فيها. وعلى الرغم مما تقدم، فإن رواية «إسمي أحمر» ليست رواية تاريخية، كما ذهب إلى ذلك المترجم عبد القادر عبد اللي في مقدمة ترجمته للرواية، وإنما هي رواية تاريخ. وقد لا يتاح لكاتب ما أن يكتب في موضوع علمي أو تاريخي أو جغرافي أو ديني ومن ثم يكسب اهتمام قراء ليسوا متخصصين في ذلك الموضوع ولا معنيين بتتبع تفاصيله، إلى درجة أن يثير فضولهم وهو ينتقل بهم من صفحة إلى أخرى حتى تبلغ صفحات كتابه خمسمئة صفحة وأكثر.
هذا ما لا يتحقق على المستوى العملي إلا في هذا الشكل من أشكال الكتابة الإبداعية بسبب ما تمتلكه الرواية من تقانات وأساليب تجذب القراء، لتجعلهم يعيشون بين العلم والفن والواقع والخيال. وعلى الرغم من هذا التمازج بين المتخيل والتاريخي إلا إن موضوع الرواية يدور حول جريمة قتل تحصل بسبب الحسد الذي يجعل الأخ يضمر لأخيه الشر والصديق يحقد على صديقه ولا يبتلى بهذه الصفة الذميمة إلا من افتقر إلى الصدق والطيب أو من أعمى الكره قلبه فجعله لا يريد الخير للآخرين الذين يراهم أحسن منه وأبرع. وإذ تبتدأ الرواية من نهاية الأحداث حيث ظريف أفندي ـ الذي اسمه قرة أيضا ـ جثة مرمية في جب وقد قتلت على يد حاسد هو في الأصل صديق دامت صداقته به أكثر من خمسة وعشرين عاما، وعلى هذا المنوال تسير الحبكة نحو التصاعد والتعقيد، «كنت أنظر إلى رأس قرة ورقبته.. فيلف قلبي كره عميق.. أمسكت نفسي بصعوبة لكي لا أتناول حجرا من الأرض وأركض ثم أنزل به على رأسه».
ويقوم البناء الزمني للرواية على البدء من نهاية القصة، حيث قرة جثة تتكلم من داخل جب ليتم بعد ذلك استرجاع الأحداث، حيث كل شخصية تروي القصة من وجهة نظرها، بما يجعل رواية «إسمي أحمر» رواية متعددة الأصوات، لكن قرة هو الشخصية المحورية التي تلتف حولها الأحداث، وهو النقاش الذي برع في مهنة التذهيب والرسم والتزيين والتلوين للأشياء على اختلافها من كتب وأوانٍ وأسرجة وأسنمة وأباريق وغيرها «أعرف أنكم تنظرون إلى هذا كمعجزة كونكم تسمعون صوتي في هذا الوضع وتفكرون على النحو الآتي: دع الآن كم كنت تكسب وأنت حي، واحك لنا عما تراه هناك ماذا يوجد بعد الموت؟ أين روحك؟ كيف حال الجنة وجهنم؟».
وقد نال قرة منزلة كبيرة عند أساتذة النقش الذين لقبوه بظريف أفندي، فضلا عن كونه العاشق الذي عاش قصة حب جمعته بشكورة ابنة عثمان أستاذه في النقاشة. والمفارقة أن غريمه الحاسد كان مغرما بشكورة أيضا وهذا ما فاقم مشاعر الكره والحقد لديه ليرتكب جريمته. وسبب التشويق في الرواية أن هذا القاتل سيظل يدلي بوجهة نظره في سبب قتله لصديقه قرة، لكن هويته تظل مجهولة فلا يعرف اسمه على طول الرواية وعرضها.
ولا يعطي الكاتب توصيفا لهويته سوى في جملة «سيقولون عني قاتل» كاستباق لمآل مقبل سيعاقب به القاتل نفسه، مؤنبا لها ومقرعا فعلتها وسيسلبه هذا الندم في ما بعد راحته ويقلق باله.
أما باقي الشخصيات فيعطيها الكاتب أسماء تحدد هوياتها، باستعمال ضمير المتكلم المنفصل (أنا) مثل (أنا زوج خالتكم/ أنا أورهان/ أنا كلب )أو ضمير التكلم المتصل (الياء) المضاف إلى مفردة اسم مثل (إسمي قرة/ إسمي أحمر/ إسمي إستر) وبعض الأحيان تكون الأسماء مستعارة باستعمال الفعل ينادونني مثل (ينادونني لقلقا أو ينادونني زيتونا أو ينادونني فراشة). والقصد من التعريف بالشخصيات بهذه الطريقة توكيد الدلالة التي تقوم عليها الرواية ألا وهي الكشف عن هوية القاتل وحلّ اللغز الذي يلتبس أمره على قراء الرواية بسبب تعدد الشخصيات فيها. ولأن الرواية متعددة الأصوات؛ فإن ضمائر الحكي تتعدد أيضا بين التكلم والغياب والخطاب ويوجه الراوي المقتول نداءه الى قرائه، طالبا أن يجدوا القاتل، والمفارقة الساخرة أنه يساومهم بمعنى أن القراء إذا ما عرفوا القاتل؛ فإن المقتول حينئذ سيطلعهم على تفاصيل ما رأى بعد موته «جدوا.. قاتلي وأنا احكي لكم وبالتفصيل عما رأيته في الحياة الآخرة». وليس في يد قرة أي دليل يمكن أن يفيد هؤلاء القراء كي يجدوا القاتل فهو لم ير إلا حذاءه ملوثا بالطين والثلج.
ولا تخلو الرواية من تداعيات يكشف عبرها الميت عن دوافع، قد تكون سببا في قتله تتعلق بالمتشددين الذي كانوا يرون في بعض رسومه ونقوشه كفرا، تحت عنوان أنا كلب «أنا كلب ولأنكم لستم مخلوقات معقولة مثلي تقولون وهل يتكلم الكلب؟ ولكنكم تبدون أنكم تصدقون حكاية تكلم فيها الأموات». والشيخ حصرت هو الذي أطلق عليه لفظة كلب وعلى الكفرة بالدين أيضا لكن الميت بالمقابل يقوم بسرد صفات الكلاب التي تعلي من شأنها وأهمية دورها في حياة الإنسان. وتتخلل السرد وقائع وشخصيات يستقيها الكاتب من مصادر التاريخ التي تتحدث عن الوراقين والخطاطين في العالم القديم، مثل كتاب الميرزا محمد حيدر دوغلات مؤلف التاريخ الراشدي. ومن شخصياته التاريخية بهزاد والشاه طهماسب الذي كان يحب النقش والنقاشين والرسم والشعر والخطاطين وسليمان القانوني والشاه فاخر الصغير وقتاله مع الخان صلاح الدين، كما توظف أيضا حكايات العشق مثل قصة خسرو وشيرين وقصة مجنون ليلى.
ويرد في الحكي ذكر لأسماء معروفة في عالم النقش والتزيين مثل سيد ميراك معلم بهزاد والنقاش محمد الطويل الذي عاش مئة وتسعة عشر عاما حتى صار أسطورة ومات بالعمى والشيخ علي التبريزي. وكثيرا ما يستعمل الكاتب صورا شعرية يأخذها من شعراء فارس مثل الشاعر الجامي وسعدي الشيرازي والفردوسي ونظامي وابن زهراني.
ويمر على تاريخ النقاشين في بغداد التي كان ابن شاكر فيها هو الخطاط الأشهر في العالم الإسلامي. مع معلومات عن النقاشة منها أن نقاشي هرات القدماء هم الذين أوصلوا النقش الإسلامي إلى درجة الكمال، وبيّن لماذا كان النقاشون يخافون العمى والنسيان، وكيف أنهم كانوا يرون» العمى ليس بلاء بل هو السعادة الأخيرة التي يمنحها الله للنقاش الذي وهب حياته كلها للجمال، لأن النقش هو بحث النقاش عن الرؤية الإلهية للعالم.. هذا يعني عدم إمكانية فهم الرؤية الإلهية إلا من خلال ذاكرة النقاش الأعمى»، حتى صار العمى دليل المهارة ولذلك كانوا يتظاهرون بالعمى ويقلدون العميان حين تكبر بهم السن.
ولأن الرواية تدور حول النقش والرسم، لذلك جعل الكاتب بعض أدوات الفن شخصيات حية تتكلم في الفصول (أنا شجرة / أنا نقود/ أنا حصان/ إسمي احمر) مظهرا مهارة في فهم أصول هذه المهنة وما تتطلبه من موهبة تتعلق باستعمال الظل والضوء والحركة والسكون والزوايا والحركات والألوان. وتظل شخصية القاتل مجهولة لأنه يظل يوهم القراء بأن رجال الواعظ الأرضرومي هم وراء الجريمة ويتحداهم إلى آخر الرواية «إن كان ثمة أسلوب وشخصية فنية لي فهذه ليست في نقشي فقط، بل إنها في جريمتي وكلماتي أيضا إعرفوا ولنر من أكون من لون كلماتي».
وهكذا تغدو رواية «إسمي أحمر» رواية لا هي تاريخية ولا هي بوليسية، ولكنها رواية ما بعد حداثية كونها تدفع إلى إشراك القراء في البناء الروائي تأملا وتفاعلا لعلهم يتمكنون من الكشف عن هوية قاتل النقاش قرة..
ولعل القصد من وراء توظيف لغز القاتل المجهول احتمالان الأول توكيد أن ما يقدمه النقاشون للمجتمع من جمال وفن لا تتم مقابلته إلا بالجحود والنكران وهكذا يُنسى ذكرهم في حين تخلد أعمالهم لتسحر العيون وتفرح النفوس. والثاني أن النقاشة فن قبل أن تكون مهنة، وهي تقوم على سر لا يعرفه إلا النقاش الماهر ومن ثم فإن موته يعني موت السر واندثار المهنة.

٭ أكاديمية عراقية

سر الفن والمهنة في رواية التاريخ «اسمي أحمر» لأورهان باموق

نادية هناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية