تنازل فلسطيني فقط من شأنه أن يبعد السلام

حجم الخط
0

أحد التفسيرات الشائعة في إسرائيل للفشل المتواصل لمسيرة السلام بين إسرائيل والفلسطينيين هو أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تهزم بعد بصورة نهائية. حسب هذا التفسير ـ المقبول جداً على جزء كبير من الطيف السياسي في إسرائيل، من اليمين المعتدل وحتى اليسار ـ وسط ـ فإن الفلسطينيين غير متسرعين للتحرر من الاحتلال والتوقيع على اتفاق دائم مع إسرائيل، لأنهم ما زالوا يؤمنون بأنهم في يوم ما سينجحون في هزيمة إسرائيل من الناحية الديموغرافية: سيفرضون عليها إقامة دولة واحدة بين البحر والنهر، سيغرقون إسرائيل باللاجئين الفلسطينيين وبالتالي سيمحونها عن الخارطة، وبدلا منها سيتم الاعلان عن دولة فلسطين الحرة. حسب هذه النظرية، لو أن الفلسطينيين فقط تنازلوا عن هذا الحلم الهذياني، أو على الأقل حيدوا تأثيره على اعتباراتهم السياسية، لكان يمكن بسهولة التوصل إلى التسوية الموعودة.
تعالوا نتخيل أن محمود عباس المعارض للسلام، جاء إلى القدس وألقى خطاب السادات في الكنيست. وكان يحظى بدعم مطلق من كل الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي. عباس يتخلى نهائيا عن أقواله المحرجة الاخيرة في المجلس الوطني الفلسطيني في ما يتعلق بانكار القومية اليهودية. تخيلوا أنه يعلن حسب السورة الخامسة في القرآن، الآية 20 ـ 21، أن أرض إسرائيل تعود لشعب إسرائيل، لذلك فإن الشعب الفلسطيني بما فيه جمهور اللاجئين، مستعد للاكتفاء بأقل من 20 في المئة من ارض فلسطين التاريخية من أجل أن يقيم فيها دولته.
تلك ستكون دولة منزوعة السلاح، تعطى فيها للجيش الإسرائيلي حرية حركة مطلقة، سواء من أجل الحفاظ على أمن إسرائيل أو من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني من متطرفي داعش على أشكالهم. وكذلك بالطبع، خطابه هذا لن ينسى عباس أن ينهيه بالاعلان أن دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي العالمي.
هل بعد أن تقبل القيادة الفلسطينية بهذه الصورة أو تلك انتصار الصهيونية يتوقع أن تقوم إسرائيل بتقديم أي تنازل في ما يتعلق بحجم مشروع الاستيطان في الضفة الغربية الذي يشكل كما هو معروف ايضا أحد العقبات التي لا بأس بها في طريق تقسيم البلاد؟ أشكّك في ذلك. لأنه حتى لو كان للإرهاب الفلسطيني هنا أو هناك دور مسرع بخصوص توسيع الاستيطان وإقامة البؤر الاستيطانية غير القانونية، فإنه لم يكن في يوم من الايام هو السبب في اقامة مشروع الاستيطان وازدهاره. هذا السبب أصله ديني ـ سياسي، يكمن في عدم الاستعداد المتواصل للقومية الصهيونية في عهد الدولة أن ترى في الحدود الدولية لإسرائيل نهاية تجسيد الصهيونية.
هذه الظاهرة ميزت وتميز ليس فقط أيديولوجيا غوش ايمونيم وموقف الليكود، بل أيضاً رؤية وسياسة حزب العمل. حزب العمل هو الذي وضع الأسس لمشروع الاستيطان، وحسب دلائل مكتوبة فإن رئيس الحكومة الاخير من قبله في محادثات كامب ديفيد في 2000 أصيب أكثر من مرة بقلق يسبب الشلل ازاء إمكانية أن يضطر إلى التنازل عن أجزاء من الوطن.
إضافة إلى ذلك، إذا أردنا فحص تأثير المعارضة الفلسطينية للصهيونية بصورة موضوعية على مشروع الاستيطان، فإنه يجب الاعتراف بأنه في أساس الأمر كان لذلك تأثير مجمد وكابح. يجب الافتراض أنه بدون المعارضة الفلسطينية المشروع الكولونيالي الإسرائيلي في المناطق المحتلة كان سيزدهر ويصل إلى أبعاد أكثر مما هو عليه الآن. وكانوا سيضمون أيضاً قطاع غزة. من المعقول الافتراض أنه إذا رفعت الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم معارضتها للصهيونية، فإن هذا الامر سيعتبر من قبل اليمين الاستيطاني، الذي يسيطر الآن بدون كوابح على دولة إسرائيل، بوادر ضعف تدعو إلى مواصلة مسرعة للتوسع الاستيطاني.
الاستنتاج المطلوب هو أنه طالما أن الرغبة السياسية المسيحانية تواصل الوجود في الوعي السياسي الإسرائيلي وفي تحديد رؤيتها بشأن الحجم المشروع للحق الوطني لليهود في أرض إسرائيل، فإن تليين الموقف الفلسطيني بشأن هذا الحق لا يتوقع أن يشجع المصالحة بين الشعبين، بل العكس، من شأنه حتى تشجيع الرغبة الاستيطانية.
لذلك، إذا كانوا في الوسط ـ يسار في إسرائيل يريدون بجدية تقسيم البلاد بين الشعبين، يفضل أن يتوقف المتحدثون باسمهم عن تقديم المواعظ الاخلاقية للفلسطينيين في شؤون حق العودة وفي إعطائهم دروساً تعليمية في مواضيع الكارثة والبعث. يحسنون العمل إذا ركزوا أساس جهودهم في إصلاح الوجه القومي للصهيونية. كل هذا بهدف اقناع الجمهور الإسرائيلي برؤية حدود الدولة كما هي معروفة في قانون الشعوب ليس كعائق في طريق تحقيق الفكرة الصهيونية، بل كإطار شرعي وحيد لتطبيق تقرير المصير لدولة إسرائيل.

هآرتس 24/5/2018

تنازل فلسطيني فقط من شأنه أن يبعد السلام
تليين موقفهم بخصوص حق تقرير المصير يشجع الدافع الاستيطاني لإسرائيل
دمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية