لم يعد شك: الاتحاد الأوروبي ليس مجنداً فقط للدفاع عن الاتفاق النووي مع إيران. فالاتحاد الأوروبي يخرج إلى حرب جبهوية ضد الإدارة الأمريكية الحالية، ولا سيما رئيسها، الرئيس دونالد ترامب.
فتصريح بصيغة «الولايات المتحدة ليست فقط البيت الابيض» ليس قولا آخر عن أن «أوروبا يجب أن تقف على قدميها لأن ليس لها من تعتمد عليه». هذا غزو للشؤون الداخلية الأمريكية وتشكيك علني بشرعية مكانة الرئيس الأمريكي.
حتى الآن اعتدنا أساساً على تدخل الاتحاد الأوروبي في الشؤون الداخلية لإسرائيل الصغيرة، مثلما يفعل مع دول لا تعتبر ديمقراطيات كبرى أو ديمقراطيات متشكلة. في بروكسل وفي باقي العواصم الأوروبية الكبرى حاولوا بكل الوسائل الممكنة، ولا سيما المالية، أن يخلقوا في إسرائيل واقعا سياسيا يكون مريحا للمصالح الأوروبية، بدعوى الحفاظ على مصالح إسرائيل.
والآن يوسع الاتحاد الأوروبي نشاطه التآمري السياسي إلى إحدى الديمقراطيات الأكبر في العالم، لأن السياسة الخارجية التي يمليها البيت الابيض، ولا سيما في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط، لا تنسجم والسياسة التقليدية الأوروبية المؤيدة للعرب.
إن الأوروبيين، الذين أحبوا أوباما، ينتظرون بترقب شديد انتخابات منتصف الولاية، التي ستجرى في تشرين الثاني/نوفمبر القادم والتي من شأنها أن تؤدي إلى سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب الأمريكيين. ويأمل الأوروبيون أن يؤدي مثل هذا التطور إلى «لجم» ترامب وتغيير سياسة المواجهة التي يتخذها في مجالات مختلفة. وعليه، ينبغي أن نتوقع في الاشهر القادمة ان تكثر المبادرات الطيبة وعرض الدعم المتبادل بين الأوروبيين والديمقراطيين في الولايات المتحدة.
وبالتالي فمن المدهش ان يكون الاتحاد الأوروبي منشغلاً جداً في محاولة تغيير وجه الولايات المتحدة، في الوقت الذي يفترض به أن يعالج على عجل قضاياه الداخلية المشتعلة. فالاستياء الشعبي في دول الاتحاد الأوروبي آخذ في الاحتدام بسبب عدم قدرة المؤسسة البيروقراطية الأوروبية على معالجة المشاكل المتعاظمة. إيطاليا هي فقط أحد النماذج حديثة العهد للاستياء الشعبي المتعاظم وتعزز الميول القومية ـ الوطنية على حساب الوحدة الأوروبية. والحرب التجارية مع الولايات المتحدة بسبب الاصرار على عدم تغيير الاتفاق النووي الإيراني تدل فقط على سلّم الاولويات المشوّه لدى أوروبا.
أوروبا لا يمكنها أن تتخلى عن الولايات المتحدة، لا كشريك تجاري ولا كمظلة دفاع. وعليه فإن على أوروبا أن تقبل بعدم قدرتها على أداء دور دولي كبير والعودة إلى التوازنات الصحيحة للمبادرة الأوروبية: سوق مشتركة لرفاهية عموم الأوروبيين، وإلا فإن أوروبا ستسير نحو الانهيار. طواعية.
إسرائيل اليوم 24/5/2018