جائزة نوبل للسلام بين التسييس والحيادية

حجم الخط
0

أثار منح جائزة نوبل للسلام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية جدلا كبيرا في الصحافة العربية والأوساط السياسية، مفاده أن هذه المنظمة لا تستحق أن تمنح هذه الجائزة الرفيعة، وأن مثل هذا القرار سياسي بامتــــياز، فهذه المنظمة التي لم تكن معروفة للكثيرين قبل أزمة 21 آب/أغسطس الماضي، يوم استخدم السلاح الكيميائي في منطقة الغوطة، وما لحق ذلك من تطورات من التهديد بشن حرب أمريكية على النظام السوري وصولا إلى استعداد الحكومة السورية لتدمير مخزونها من الأسلحة الكيميائية وانضمامها للمعاهدة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993، واعتماد مجلس الأمن الدولي القرار 2118 يوم27 أيلول/سبتمبر الماضي. إذن لولا تسليط الأضواء على هذه المنظمة الدولية ووضعها في دائرة الاهتمام العالمي خلال الأزمة لما منحت هذه الجائزة الرفيعة التي لا تستحقها، واقترح البعض أن تمنح الجائزة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مهندس الاتفاق مع النظام السوري، وتمادى الرئيس السوري بشار الأسد في مزحة ثقيلة الظل بأن أكد أنه من يستحق الجائزة بدل تلك المنظمة المغمورة.
ونود أن نؤكد له ولبقية الطغاة العرب أنه لو كانت هناك جوائز وميداليات ونياشين تمنح لأكثر القادة فتكا في شعوبهم وأكثر القادة بقاء في الحكم، رغم أنف الشعوب، وأكثر القادة هدرا للأموال وتعيينا للأقارب، وأكثر القادة تغييرا للدساتير لتفصيلها على مقاس النظام، وأكثر القادة توريثا لأبنائهم لحصل القادة العرب في معظمهم على نصيب الأسد من تلك الجوائز .
وأود أن أناقش في هذا المقال مدى صحة تسييس جائزة نوبل، وأجيب عن سؤال: هل لجنة الترشيح واختيار الفائزين تعمل بمنتهى الاستقلالية والمهنية، بعيدا عن التجاذبات السياسية والإسقاطات المتحيزة والابتعاد عن الحيادية؟ وهل تستحق هذه المنظمة جائزة نوبل للسلام أم أن منحها الجائزة كان بمثابة قرار سياسي يهلل ويكبر لتدمير مخزون من السلاح الاستراتيجي العربي الذي، كان من المفروض، ان يعدل موازين القوى مع الكيان الإسرائيلي ولو جزئيا؟
خلفية قصيرة
من المعروف أن منح جائزة نوبل جاء بناء على وصية السويدي السيد الفريد نوبل مخترع مادة الديناميت التي تسببت وما زالت في قتل مئات الألوف، بل الملايين من البشر. وقد طلب نوبل قبل وفاته (1896) بسنة واحدة أن تتولى لجنة منتخبة من البرلمان بتقييم طلبات الاستحقاق ومنحها لمن تثبت كفاءته في ميادين خمسة: الطب والكيمياء والفيزياء والآداب والسلام، ثم أضيف إليها الاقتصاد عام 1968. وتعتبر جائزة نوبل للسلام أرفع تلك الجوائز وأكثرها جاذبية وأصعبها قرارا وأكثرها مثارا للخلاف والتهم والانتقاد. وتمنح الجائزة في أوسلو بخلاف بقية جوائز النوبل التي تقدم للفائزين في ستوكهولم بالسويد، كما أنها تقدم يوم 10 كانون الأول/ديسمبر، ذكرى وفاة نوبل وبحضور ملك النرويج، كما أنها الجائزة الوحيدة التي تمنح للمؤسسات والمنظمات الدولية والإنسانية وليس بالضرورة للأفراد. وقد حددت معايير ثلاثة لمنح تلك الجائزة: لمن يعمل على تعزيز أواصر الأخوة والمحبة بين الشعوب، ولمن يعمل على تفكيك الجيوش أو الأسلحة أو الجماعات المسلحة، وأخيرا لمن يعمل على التوعية من أجل السلام ونشر ثقافة السلام.

هل هناك تسييس للجائزة؟
لا نشك أن الجائزة قد منحت أحيانا لمن لا يستحقها ومنعت عمن يستحقها بجدارة. وقد ثبتت كتب التاريخ أن قائد الهند العظيم المهاتما غاندي ظل اسمه مرشحا لخمس سنوات متتالية من دون أن يمنح الجائزة، وبعد مقتله عام 1948 حاول بعض أعضاء اللجنة منحها لغاندي بعد وفاته إلا أن الغالبية اعترضت على ذلك، بحجة أن المرشح ليس على قيد الحياة، بينما لم تجد اللجنة حرجا في أن تمنحها للأمين العام للأمم المتحدة الأسبق داغ همرشولد بعد مقتله عام 1961 في الكونغو. كما أن منح الجائزة لبعض مجرمي الحرب الذي أعيد تأهليهم مثل مناحم بيغن عام 1978 مناصفة مع الرئيس المصري الأسبق أنور السادات يثير كثيرا من الانتقاد. ولا ننسى اللغط الكبير الذي أثير حول منح الجائزة مثالثة بين عرفات وشريكيه شمعون بيرس وإسحق رابين في وهم عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. كما منحت الجائزة عام 1973 لهنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة، ومفاوضه الفيتنامي لو دوك ثو الذي رفض استلام الجائزة، احتجاجا على الدمار الذي ألحقته الولايات المتحدة بقيتنام، ثم هل يستطيع أحد أن ينكر أن منح الجائزة لزعيم التبت الروحي الدالي لاما عام 1989 وليش فاليزا عام 1983 رئيس جمعية التضامن البولندية التي تحدت الحكم الشيوعي في بولندا ليسا قرارين مسيسين؟ لكن علينا ألا ننسى أيضا أن الجائزة منحت لمن يستحقها أحيانا، مثل نيلسون مانديلا وديزموند توتو والأم تيريزا وجيمي كارتر ومارتن لوثر كنغ وأوسكار أرياس وتوكل كرمان وغيرهم.

جائزة نوبل والرد غير المباشر
على سياسات الرئيس بوش
لكن أكثر الجوائز التي أثارت جدلا في العالم هي تلك التي منحت للرئيس باراك أوباما عام 2009 بعد عشرة شهور من دخوله البيت الأبيض، إذ قد تكون المرة الأولى التي منحت الجائزة بناء على النوايا وليس على العمل، أو قطع شوط ولو بسيط في برنامج قائم على تغيير الصراع إلى حالة من السلام أو المصالحة التاريخية، لكن إذا عرف السبب بطل العجب، فقد كانت اللجنة السويدية النرويجية المشتركة المانحة للجائزة شديدة الحساسية من سياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش، وما سماه بالحرب على الإرهاب وإشعالــــه للحــروب في العراق وأفغانستان وإلى حد ما في باكستان. وقد منحت الجائزة في سنوات الرئيس بوش تقريبا لأشخاص أو منظمات تخالف في الرأي أو التوجه للرئيس بوش.
ففي عام 2001 بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر منحت لقوات حفظ السلام والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، مما يشكل نقدا لسياسة بوش في العمل خارج إطار المنظمة الدولية. وفي عام 2002 منحت للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر المعروف بتوجهاته السلمية ودعواته القوية لاحترام حقوق الإنسان. وفي عام 2003 منحت لأول مسلمة في العالم، الإيرانية شيرين عبادي نوعا من الرد على شيطنة المسلمين جميعا. وفي عام 2005 منحت الجائزة مناصفة للوكالة الدولية للطاقة النووية ورئيسها التنفيذي محمد البرادعي لوقفته الشجاعة في مجلس الأمن ضد وجود برنامج نووي عراقي، على عكس ما يشيع خصومه في مصر. لقد حاولت الإدارة الأمريكية بكل الوسائل أن تأخذ تفويضا من البرادعي ومن زميله هانس بليكس حول وجود أسلحة دمار شامل في العراق وفشلت فشلا ذريعا، ولذلك كوفئت المنظمة ورئيسها على هذا الموقف. وفي عام 2006 منحت الجائزة لمسلم آخر من بنغلاديش هو محمد يونس صاحب فكرة بنوك الفقراء. وفي عام 2007 منحت الجائزة للفريق الدولي المعني بالتغير المناخي، ومن المعروف أن الرئيس بوش رفض أن يصادق على اتفاقية التغير المناخي. وفي عام 2008 منحت الجائزة للفنلندي مارتي إحتساري للأدوار العظيمة التي لعبها في حل الصراعات الدولية، ومنها ناميبيا وكوسوفو وجزيرة أتشي في أندونيسيا، وهو الذي رفضت إسرائيل استقباله للتحقيق في مذبحة مخيم جنين، والذي أدان في تقريره عام 1991 تدمير العراق.
وبعد أن انصرف بوش أرادت اللجنة أن تعاقبه وهو خارج البيت الأبيض، فمنحت الجائزة لأوباما لما كان يشكل طرحه من حالة نقيضة لمنهج بوش، خاصة أن أوباما بدأ ولايته الأولى بوعد إقامة الدولة الفلسطينية وإرسال جورج ميتشل مبعوثا شخصيا للشرق الأوسط لمتابعة الملف، ثم مد يده للعالم الإسلامي في خطابيه الشهيرين في إسطنبول والقاهرة (نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2009) على التوالي.

هل تستحق منظمة الحظر الكيميائي الجائزة
العديد من المنظمات الدولية حصلت على الجائزة، مثل المفوضية العليا للاجئين واليونسيف، والحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية ومنظمة العفو الدولية و منظمة العمل الدولية وقوات حفظ السلام. كل هذه المنظمات تعمل على نشر ثقافة السلام أو نزع السلاح أو توطيد العلاقات الإنسانية واحترام حقوق الإنسان وحقوق المشردين والضحايا. وتحت هذا النوع من النشاط تندرج منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي استطاعت أن تتخلص من 80′ من مخزون الأسلحة الكيميائية في العالم، وأن تجذب إلى عضويتها 190 دولة بعد انضمام سورية، ولم يبق خارج أطرها إلا أنغولا ومصر وجنوب السودان وميانمار وإسرائيل وكوريا الشمالية.
قلة من الناس يعرفون أن هذه المنظمة دخلت في صراع مع إدارة الرئيس بوش ونائب وزير الخارجية وممثله في المنظمة الدولية في ما بعد جون بولتون. فبعد انتخاب خوزيه بستاني البرازيلي من أصل لبناني، عام 2001 رئيسا للمنظمة كان ينوي زيارة العراق بعد أن أبدى العراق رغبة في الانضمام للمعاهدة الدولية لحظر الأسلحة الكيمائية، كما فعلت سورية يوم 14 سبتمبر الماضي. كان بستاني يريد أن يجنب العراق الحرب التي كان يراها قادمة بحجة وجود أسلحة دمار شامل، بينما كانت إدارة بوش تريد إبقاء موضوع هذه الأسلحة سرا غامضا يخضع للتأويلات. وعندما رفض بستاني أن ينصاع لأمر بولتون الذي أمره بطريقة وقحة أن يستقيل، جمع بولتون المجلس التنفيذي للمنظمة في شهر نيسان/أبريل 2002، وتحت الضغط والتهديد تمت إقالة بستاني من المنظمة، وأصبح الطريق سالكا لاحتلال العراق وتدميره بحجة وجود أسلحة دمار شامل. وها هو المشهد يتكرر مع سورية، لكن مفتشي المنظمة والاتفاق الروسي الأمريكي ووجود رئيسين في موسكو وواشنطن يحاولان تجنب الحرب في سورية، كلها عوامل ساعدت على تجنيب سورية حربا مدمرة قد نعرف أولها ولا نعرف نهايتها.
قد يكون توقيت اختيارهذه المنظمة لاستلام جائزة نوبل للسلام مسيسا ومتزامنا مع تدمير ترسانة سورية من الأسلحة. وما الغريب في ذلك؟ فإذا كانت هذه الأسلحة أنتجت وجمعت وخزنت لا لتستخدم ضد الأعداء، بل ضد فئات من الشعب، كما حدث في حلبجة عام 1988 وفي الغوطة عام 2013، بغض النظر عمن هو الفاعل، فهل تستحق أن نذرف عليها الدموع؟

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية