يحطم خبراء الدبلوماسية في الولايات المتحدة في أعقاب قرار الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق مع إيران. والخوف الاكبر هو أنه بدلا من عزل إيران، ستعزل الولايات المتحدة نفسها عن الاتحاد الأوروبي، روسيا والصين، وأن الدول الأوروبية ستعزز علاقاتها مع الاخيرتين في إطار الجهود لضمان ألا تنسحب طهران من الاتفاق.
ستدرس إيران التطورات الاقتصادية، ومن شأنها ان تعلن عن الانسحاب فقط اذا تبين لها بأن الولايات المتحدة تنجح في خنقها من خلال العقوبات. لا يخفي ترامب نيته في أن تدفع الخطوات الاقتصادية التي ستتخذها الولايات المتحدة الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار، ومعه ينهار النظام ويضطر إلى اخلاء مكانه لنظام لا يرى في تطوير سلاح نووي هدفا له.
توجه أوروبا كل جهودها إلى الشركات الاقتصادية الدولية، التي استأنفت علاقاتها مع إيران مع توقيعها على الاتفاق، وتنظر في طريقها الان. واضح للجميع ان الشركات الكبرى جداً لن تخاطر في مواصلة العلاقات، وبالتأكيد ليس في خلق العلاقات مع إيران، خوفاً من الولايات المتحدة. مثل هذه الشركات، التي تخطط للمدى البعيد، لن تأخذ بالمخاطرة التي في تشديد الخطوات الأمريكية في وقت لاحق، اما الشركات المتوسطة فهي اكثر مرونة في اعمالها. ولهذا فسيكون سهلا عليها تغيير سلوكها اذا ما تضررت بالفعل من العقوبات الأمريكية. ولكن من أجل إقناعها لمواصلة التجارة مع إيران أو تطوير قناة تجارية معها، يتعين على الدول الأوروبية أن تضمن لها امكانية التحويلات المالية، وهذا لن يكون سهلا. كما سيتعين على أوروبا ان تضمن لإيران ان تواصل دول الاتحاد استيراد نفطها، ونقل تكنولوجيات جديدة واستثمارات تجارية اليها. إذا نجحت الخطوة الأمريكية فسينشأ وضع يكون فيه أهم حلفاء أمريكا في العالم يعملون بكل جهد ضد المصلحة الأمريكية، ويتعاونون مع خصميها اللدودين ـ الصين وروسيا ـ لمساعدة إيران. قد تكون لهذا آثار بعيدة المدى، ليس فقط في المجال الاقتصادي بل وايضا في المجال السياسي، المرتبط جداً بالمجال الاقتصادي. ولكن اذا نجحت الولايات المتحدة في أن تهدد بخطوات اقتصادية كل الشركات التي تسعى إلى مواصلة العلاقات مع الشركات الإيرانية، واذا لم تنجح أوروبا في تعويض هذه الشركات فستجد أوروبا نفسها بين المطرقة الأمريكية والسندان الصيني الروسي. فالقوتان العظميان الشرقيتان متدخلتان جدا منذ الان في إيران، ونجاح أمريكي من شأنه ان يترك دول الاتحاد خارج الساحة الإيرانية، فيما أن هناك توتراً غير مسبوق بينها وبين واشنطن من جهة وتوتراً من نوع آخر بينها وبين روسيا والصين اللتين ستسيطران تماما على التجارة مع إيران.
حرب باردة جديدة مع ائتلافات جديدة؟ من الصعب ان نصدق. ولكن من يفهمون الامور يدعون بأن هذا ليس مستحيلا، فالائتلافات تبنى على أساس خريطة المصالح، وهذه الخريطة تغيرت في لحظة واحدة.
شرح لي الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيرش بأن الفارق الكبير بين وضع العالم في أثناء الحرب الباردة وبين الوضع اليوم هو أنه في حينه كانت قواعد غير مكتوب في الصراع بين القوى العظمى، وعرفت كيف لا تخرقها ولا تعرض العالم للخطر بالسلاح الرهيب الذي في أيديها بعد الحرب العالمية الثانية. أما اليوم، فلا توجد قواعد كهذه، ولهذا فإن خطر الانزلاق من مواجهة لفظية إلى مواجهة عنيفة تقض مضاجعه.
لم تتقرر بعد قواعد جديدة. وحتى من يعتقد أنه خيراً فعل الرئيس ترامب حين ألغى التزام بلاده بالاتفاق النووي مع إيران، ملزم بالاعتراف بأن هذا يعد تغييراً جذرياً، حين ينتهك اتفاق دولي من القوة العظمى الاهم (وفي واقع الامر الوحيدة) في العالم، من دون أن يتقرر ألا يخرقه الطرف الآخر. يصعب على العالم أن يفهم ما يفترض أن يحصل الآن لعل ترامب يعرف.
إسرائيل اليوم 25/5/2018