فوضى فصائلية و«حجّيات» نافذون شمالي حلب… ماذا يحدث في مناطق «درع الفرات»؟

حجم الخط
0

أنطاكيا – «القدس العربي»: منذ أن تمكنت تركيا من هزيمة تنظيم الدولة وطرده من آخر معاقله في مدينة الباب في ريف حلب الشمالي الشرقي مطلع العام 2017، حتى باتت مناطق شمالي وشرقي حلب أشبه بـ (كانتون مستقل) ينفصل عن مناطق المعارضة في إدلب وريفها وما تبقى من ريف حلب الشمالي والغربي من جهة مدينة حلب، وتحكمه فصائل المعارضة التي دعمتها تركيا خلال العملية العسكرية ضد تنظيم الدولة والتي حملت اسم «درع الفرات» .
ورغم توحيد جميع القوى العسكرية التابعة للمعارضة في المنطقة ضمن غرفة عمليات واحدة، إلا أن الحرب الفصائلية المعتادة بين فصائل المعارضة لم تنتهي، بل في ريف حلب الشمالي، بسبب الصراع على الهيمنة على المدينة أو طرقها التجارية أو طرق المحروقات فيها، وهو ما أدى لحدوث صدامات كبيرة بين الفصائل وحتى في بعض الأحيان بين «أفراد وعائلات» محسوبة على الفصائل المختلفة في المنطقة.

أهمية المنطقة

زادت أهمية منطقة «درع الفرات» أكثر فأكثر مع وصول آلاف المهجرين من مناطق مختلفة كدمشق وريفها وحمص وحي الوعر وريف حماة وغيرها من المناطق التي استولى عليها النظام السوري، وهو ما جعلها في الآونة الأخيرة ساحة لصدامات (مناطقية) كان آخرها اشتباك بين مجموعة عسكرية من مهجري حمص محسوبة على فرقة السلطان مراد، وبين مسلحين من عائلة «تمرو».
الناشطة «جوري مالكجان» التي عملت سابقاً في ريف حلب تقول في حديث لـ»القدس العربي» إن «السبب الرئيس في الاقتتالات التي تحدث في مناطق درع الفرات هو (الصراع على النفوذ) بالدرجة الأولى، وهذا يتعلق بعدة عوامل أهمها المناطق التي من الممكن التي يسيطر عليها كل فصيل ومواردها وأهميتها الاستراتيجية، إضافة للزعامات المحلية والعشائرية منذ عهد النظام والتي تحول كل منها إلى كيان مسلح بحد ذاته في ظل فوضى السلاح».
تضيف: «لعل حادثة اقتحام مشفى الحكمة في مدينة الباب قبل مدة، خير دليل على تسلط العديدين ممن هم محسوبون من المعارضة تحت تهديد السلاح والترويع والاعتقال، وقد برز ذلك جلياً في التهديد الذي وجهه القيادي في فرقة الحمزة الذي اقتحم المستشفى (اليابا) لكل من طالب بمحاسبته بسبب اقتحامه المشفى واعتدائه على كادره»، مشيرة إلى أن التعويل على الأتراك خطأ كبير، لأن تركيا تتولى الإشراف فقط على تلك المناطق أما النفوذ الفعلي في تلك المناطق فهو للفصائل، ومؤخراً تحول الجيش التركي إلى (شرطي مصالحات وحل نزاعات) بين الفصائل في محاولات مستمرة من قبل الأتراك لـ (لملمة) الحوادث التي تجري في مناطق نفوذهم في شمال وشرقي حلب وإبقاء الوضع تحت السيطرة.

حادثة

حادثة مشفى الحكمة في مدينة الباب التي قام بها المدعو (حامد بولاد الملقب بـ «اليابا») تركت انعكاسات سلبية وعلامات استفهام طويلة حول جهاز الأمن والشرطة والقضاء ونزاهتهم وقدرتهم على ضبط الأمور في مدينة الباب، فـ (اليابا) المتحدر من مدينة بزاعة الواقعة شمالي مدينة الباب، خرج بعد ضغوط كبيرة على المجلس العسكري كما أكد الصحافي حسان كنجو في حديثه لـ»القدس العربي»، موضحاً أن (اليابا) خرج بكفالة مالية، تم دفعها بطريقة هي أشبه بالرشوة من قبل شقيقه، وأن عملية خروجه تدل على فشل ذريع لما يعرف باسم المجلس القضائي الأعلى المتضمن القضاء العسكري والمدني، وكل ما تلقاه المعتدي كان مجرد شتائم وبضع صفعات أمام عدسات الإعلام، من قبل الممرضة التي تعرضت للاعتداء من قبله أثناء اقتحام المشفى والتي تعرضت هي الأخرى لاحقاً بعد خروجه للتهديد.
ولفت الصحافي إلى أن بعض القادة هناك يمارسون القمع والإرهاب بحق المدنيين ومن يتفوه عن تجاوزاتهم يكون مصيره الاعتقال والخطف كما حدث مع الدكتور «محمود السايح» الذي اعتقله فصيل «فرقة الحمزة» منذ أواخر الشهر الماضي بعد نشره بعض التجاوزات التي قام بها بعض قادة الفصيل المذكور وغيره، وكلامه عن (حجيات الشمال) المتسلطين، وهو ما دفع بكتيبة أمنية تابعة لفرقة الحمزة لمداهمة منزله واعتقاله ونقله إلى جهة مجهولة دون معرفة مصيره حتى اللحظة، وقد ظهرت مؤخراً تطورات جديدة بخصوص قضية السايح نشرها أحد أقاربه والتي تضمنت نسخة من الاتهامات الموجهة لـ «السايح» والتي كان من أبرزها انتقاد فصائل درع الفرات ووصفهم بـ «عبيد اردوغان»، إضافة للنيل من هيبة الرئيس التركي اردوغان و«تعكير العلاقات مع دولة مجاورة».
حيث جاء في نص الوثيقة تغريدات عدة من حساب السائح، موثقة بالتاريخ والساعة من بينها قول السايح أن (سيف اردوغان خشبي وتهديداته خلبية وأنه يميل إلى الدبلوماسية الناعمة» والتي نفى السايح فيها وجود قدح وذم للرئيس التركي، معبراً عن ذلك بأنه تحليل شخصي لا أكثر، إضافة لتغريدة أخرى قال فيها «السايح» إن تصريحات اردوغان عن وأد الجيش الذي كانت واشنطن بصدد تشكيله على حدود تركيا كانت مجرد «استعراض عضلات» لا أكثر، واصفاً الرئيس التركي بـ «باباي بعد وجبة السبانخ» وقد برر السايح ذلك بأن التغريدة كانت متزامنة مع استكمال «غصن الزيتون» لعملياته نحو تل رفعت وهو ما لم يحدث.
كما تضمنت النسخة المنشورة للاتهامات على وسائل التواصل، تغريدة أخرى وصف الوجود التركي في مناطق الريف الحلبي بـ (الوصاية)، وقد كان تبرير السايح خلالها بأن ذلك كان عتاباً للرئيس التركي لأنه تحالف مع الروس والإيرانيين، إضافة لاتهامه بوصف فصائل «درع الفرات» والفصائل المدعومة تركياً بـ «مرتزقة اردوغان وتركيا»، واتهامات أخرى تتعلق بتغريدة حول تسليم الأتراك مناطق شرقي سكة الحجاز بريفي حماة وإدلب للروس وإثناء الروس على ذلك وهو ما وصفه السايح في التغريدة المنسوبة إليه بـ «المديح البوتيني لاردوغان».

أمراء حرب

لفظ «الحجي» والذي كان يستخدم في فترة ما قبل الحرب السورية للدلالة على شخص أدى مناسك الحج أو بالعامية، كان يطلق على الرجل الطاعن في السن الذي تجاوز الستين من عمره، أما ما بعد اندلاع الحرب في سوريا فقد أصبح لفظ (حجي) هو أكثر الكلمات تداولاً، كيف لا وهو اللقب الذي حمله غالبية أمراء الحرب من قادة الفصائل وغيرهم، ويكون اللقب المرافق لصفة (حجي) هو اسم البلدة أو المنطقة التي انطلق منها أو يسيطر عليها، وقد تبع حادثة اعتداء المشفى في اليوم التالي اعتداء أحد (حجيات) المنطقة ويدعى (حجي الراغبية) على أحد المدنيين وضربه بشدة، متسبباً له بجروح خطيرة في مدينة الباب أمام الجميع بسبب عرقلة مرور (موكبه) في المدينة، وهو ما دفع الأهالي للخروج بمظاهرات غاضبة أحرقوا خلالها الإطارات مطالبين باعتقال القيادي ومحاسبته».
وعلى الرغم من أن المشاكل عادة ما تنشب بين الفصائل إلا أن المتضرر الأكبر هم المدنيون، ومما زاد الطين بّلة، هو تعدي بعض عناصر الفصائل على مهجرين من مدينة دمشق في شهر نيسان الماضي، حيث كان الاعتداء آنذاك من قبل مسلحين يتبعون لإحدى العائلات المحسوبة على أحرار الشام، على مدنيين من مهجري الغوطة الشرقية، وهو ما دفع فصيل أحرار الشرقية للتدخل وحدث اشتباك آنذاك، أسفر عن وقوع إصابات بين الأطراف، قبل أن تتجدد المعارك ليلة الأمس بين مسلحين من عائلة «واكي» في الباب وبين فصيل أحرار الشرقية، بعد الخلاف على مجموعة من (الفيلات) العائدة ملكيتها لأهالي الباب والتي يستخدمها الفصيل كمقرات له بعد الاستحواذ عليها، وقد انتهت الاشتباكات بتدخل أحرار الشام وتم استبعاد أحد قادات الشرقية بعد اعتباره سبباً مـباشراً لما جـرى.

فوضى فصائلية و«حجّيات» نافذون شمالي حلب… ماذا يحدث في مناطق «درع الفرات»؟
زادت وتيرتها بعد السيطرة على مدينة عفرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية