الحس الديني في الأدب الإنكليزي بين الأمس واليوم

حجم الخط
0

«في أعقاب وفاة هنري جيمس حلت كارثة على الرواية الإنكليزية.. لأنه بوفاته ضاعت الحساسية الدينية من الرواية الإنكليزية، ومعها تلاشى الشعور بأهمية الفعل البشري. وكان ذلك يشبه أن يفقد عالم الخيال الفني أبعاده: وتحولت شخصيات الكتّاب المتميزين مثل فرجينيا وولف وإي إم فورستر إلى رموز مسطحة في عالم رقيق ويخلو من العمق».
(من مقالة بعنوان «فرانسوا مورياك» لغراهام غرين المنشورة في كتابه «مقالات مختارة»).
تفرض أي مناقشة لغراهام غرين على الناقد أن يتصالح مع القوانين التي لعبها الخيال الديني في عملية الإبداع. وفي عدد لا يحصى من المقالات والمقابلات التي نشرت في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، تجد رثاء لضياع «الحس الديني» في الرواية الإنكليزية. وعند غرين كانت هذه الحساسية متوقفة على مذهبه الكاثوليكي، الحامل لتقاليد إيمانية لا تزال تحرض الفهم الميتافيزيقي لمسألة الخير والشر في العالم، وضمن الشخص المفرد.
ومقالاته عن كتاب تلك الفترة توضح هذه الفكرة، وفي (مقالات مختارة، 1969) يقول غرين: إن كونراد «احتفظ من الكاثوليكية بالحس الساخر، وبالمعرفة الشاملة، وبتفاهة الحياة المنظورة .. وفي عبارات متفرقة أنت تصل لما يذكرك بنبرة تعمل مثل الشعر، ولكن من خلال نثر غامض». وعن سومرست موم يقول: «إنه لا يؤمن بالله الذي يعاقب، ولذلك إنه لا يؤمن بأهمية الإنجاز البشري… وأن تسرق إنسانا من أهميته الروحية والمادية، فأنت تسرق شخصياتك من استقلاليتها وتفردها». وأكد أنه في أعمال ديكنز «يظهر الشر فقط كما لو أنه عامل اقتصادي لا أكثر. والمسيحية امرأة تسكب الحساء لرجل فقير». ولكنه يرى في جيمس اهتماما بالقيمة فوق الطبيعية للشر فقط. ولذلك من المفيد عزل تشعبات هذا الاتجاه ضمن الرواية الإنكليزية من أجل استيعاب الأسباب التي دعت النقاد والمتابعين لتصنيف غرين، رغما عنه بين كتاب الرواية «الكاثوليكية».
ولم يبدأ أدباء وفلاسفة بريطانيا بنقد العلاقة بين الأدب والقناعات الدينية قبل بواكير القرن التاسع عشر. وقد وجد هذا الحوار في التراث البروتستانتي الإنكليزي تعبيره الأدبي في أدباء مثل صاموئيل تايلور كولريدج ووليام ووردزوورث وجورج إليوت وماثيو أرنولد، وهــــذا على ســبيل الــــذكر لا الحصر. وكانــت أعمـــالهم تفســـر المســار التـــاريـــخي للأدب بمصطلحات الرب المــتواري عـــن الأنظــار Deus Absconditus ، المستمدة من دين ينحسر بفعل موجة التنوير والعلوم والمثالية الفلسفية (ثلاثية العقل). وحظي المتبقي من «الحساسية الدينية» في أدب القرن التاسع عشر بالتعبير عنه، إما بالمجاز الأخلاقي عند جورج إليوت وتشارلز ديكنز، أو بالإزاحة الشعرية لفلسفة المشاعر الدينية، وذلك عند العديد من الشعراء الرومانسيين الإنكليز. وفكرة أن الدين أضاع سلطته في الثقافة البريطانية كسبت دليلا ملحوظا في المراثي الفيكتورية التي كانت تنوح على ما خسرته ثقافة البورجوازيين في مجال المعنى والمضمون، وأيضا ما خسرته ضمنا في مجالات الإيمان بالدين. وأصبحت «أرض الخراب» لإليوت، المنشورة عام 1922، الموضوع المتكرر في بدايات القرن العشرين، فقد كشفت عن الأوهام والاضطراب والفوضى الواضحة التي أثرت بجيل من الفنانين الخارجين للتو من نتائج الحرب العالمية الأولى. واستمر عدد من الأدباء في توفير البديل للدور التقليدي الذي لعبه الدين في الإبداع الأدبي: فقد وضع إتش جي ويلز ثقته وإيمانه بالعلم والآلة، ومثله جي بي شو، فقد آمن بالتصور الإنساني العلماني المتفائل، واقتنع دي إتش لورنس بأهمية الغريزة الأساسية التي يحرضها الأثر المفقود للجنس، لكن دبليو إتش أودن وسي داي لويس وستيفن سبيندر، آمنوا بدور الاشتراكية وجاذبيتها، لأنه بمقدورها مقاومة الوضع السلبي لحالة الأفراد ضمن مجتمع الحداثة. وقد تحول العديد من المثقفين في الثلاثينيات والأربعينيات إلى المذهب الأرثوذوكسي داخل الكنيسة الأنغليكانية، ونذكر منهم تي إس إليوت وسي إس لويس ودوروثي سايرز وأخيرا أودين. وما يدعو للدهشة أنه بعد الحرب العالمية الأولى اكتسب تنظيم الدين بعض السمات الثقافية، وأصبح بمثابة زي بديل ارتداه العديد من المثقفين البريطانيين الباحثين عن شخصية ثقافية، يمكنها الصمود أمام الفوضى والعنف وهشاشة المعنى الذي يحيط بهم، ولذلك إنه في بدايات القرن العشرين وجدت المسيحية لنفسها مع منافسيها من أنصار الماركسية والتحليل النفسي مكانا على طاولة النخبة في أي حوار ثقافي.
وكانت مقاربة البروتستانت لهذه العلامات الأدبية في فضاء الأدب الإنكليزي توازي المقاربة الفلسفية والروحية التي تحلى بها المفكرون البروتستانت مثل دافيد فريدريش شتراوس وسورين كيركيغور وبول تيليش ونورثروب فراي. فقد بدأ هؤلاء الكتاب، مثل اهتماماتهم الأدبية، من افتراض أولي مفاده أن: عالم الحضارة الغربية يمر بمرحلة انحدار، ومعظم أطروحات كتاباتهم تعمل على «إيواء شذرات الفكر الديني» أمام «أنقاض» الحداثة من أجل تحقيق الهدف الخطير، وهو ربط أهمية الدين بالوجود البشري. وهذا التراث النقدي الثمين لا يزال نموذجا سائدا لدراسة علاقة الأدب والدين، مع وضع الروحانيات في خدمة اكتشاف الأدب وتقدير دور واهتمامات النقد الأدبي. وخشية من مخاطر التبسيط، يتبع هذا النموذج اتجاه مقولة بول تيليش المعروفة عن العلاقة النقدية بين السؤال الثقافي والجواب الروحي: فـ»الدين هو مادة الثقافة والثقافة هي شكل الدين».
وإذا كان على الدين أن يجد مكانا له في الأدب المعاصر، على المنطق أن يتوارى، ولا يمكن فهمه بمعايير أجهزة الإيمان الأرثوذوكسي والمبشرين بالأديان أو المفاهيم الإسمية، وإنما على الدين أن يؤطر بمصطلحات دينية ونفسية، ولذلك على الأدب أن يحمل قيمة دينية في قلبه، وهي تعبير عن اهتمامات حاسمة وألغاز نهائية أو عن اللامتناهي في حياة البشر. وعليه، يفترض أن الأدب الجيد، كظاهرة بشرية صنعية، لديه شخصية لاواعية وروحية كامنة وهي تكشف عن نفسها في ما هو غير مثبت وتراجيدي، أو ما يسميه تيليش الجانب «الشيطاني» من الحياة المعاصرة. ومع أن وجهة نظر تيليش الأنطو – روحية مرتبطة بمفهوماته عن وجودية منتصف القرن العشرين، يمكن الشعور بمقاربته في معظم النقد المعاصر، الذي لا تزال له رواسب مؤثرة على مواصفات «دينية» في الأعمال الأدبية بمصطلحات الانقطاع والتبدل المعرفي أو أفكار دريدا عن الاختلاف والغياب. والتأثير التاريخي الناجم عن قراءة النصوص من زاوية «دينية» يعني أنه نادرا ما تدعم أو تنطبع الحدود المتخيلة للمسيحية على التفسير الأدبي.
إن الأسئلة الثيولوجية، إذا تم الإقرار بها، تحتل بلغة الفلسفة مرتبة ثانية داخل الدراسات الخاصة بالأدب. وفي الواقع، إن التفسير الروحي للنصوص الأدبية قد تمت إزاحته اليوم بالعديد من الاتجاهات النظرية لما بعد الحداثة والأيديولوجيات العلمانية، وهذا يجعل «القراءة الروحية» لشخصية من نوع غراهام غرين عبارة عن هامش تاريخي في مسار الدراسات النقدية التي اهتمت بكتاباته.

٭ قس بريطاني وباحث
متخصص في غراهام غرين وفلانيري أوكونور

٭ ترجمة: صالح الرزوق

الحس الديني في الأدب الإنكليزي بين الأمس واليوم

مارك بوسكو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية