الرياض -رويترز: أصبحت حياة نوف العنزي الجديدة مثالا حيا على الدور الذي تلعبه الإصلاحات الاجتماعية في السعودية في دعم اقتصاد المملكة الذي يواجه صعوبات.
فقبل ستة أشهر حصلت على أول وظيفة لتنضم إلى صفوف عشرات الآلاف من النساء في إطار مساعي الحكومة للتغلب على التحامل الاجتماعي على تشغيلهن.
ويبلغ الراتب الذي تحصل عليه نوف ابنة الاثنين والعشرين عاما الحاصلة على الشهادة الثانوية 4000 ريال (1067 دولارا) في الشهر من عملها على خزينة تحصيل الأموال في أحد متاجر السوبرماركت في وسط الرياض.
في البداية عارضت أسرتها لكنها وافقت فيما بعد. كما ان ما تهيأ لها من دخل من الوظيفة غَيَّر الكثير في حياتها.
تقول نوف «أحصل على قدر لا بأس به من المال كل شهر، وأنا لست متزوجة وليست عندي التزامات. أستطيع الذهاب للسينما والمطاعم والتسوق وأخذ دروس في الكمبيوتر واللغة الانكليزية لتحسين وضعي. وأنوي أيضا شراء سيارة لقيادتها».
ويسهم الإنفاق الاستهلاكي من جانب النساء اللائي حصلن في الفترة الأخيرة على وظائف في تعويض التأثير السلبي الكبير على النمو الناجم عما اتخذته السلطات من تدابير تقشفية وضريبية لدعم مالية الدولة، ومن نزوح أعداد كبيرة من العمالة الوافدة.
وربما يتوقف مدى انتعاش الاقتصاد خلال العامين المقبلين، بعد انكماشه في العام الماضي للمرة الأولى منذ 2009، إلى حد كبير على مدى الدور الذي يمكن أن يلعبه تَمّكين النساء وغيره من الإصلاحات الاجتماعية.
وبعد عامين من إطلاق برنامج إصلاح اقتصادي للحد من الاعتماد على صادرات النفط، ليس لدى السعودية ما يمكن أن تستعرضه. فلم يبدأ بعد تنفيذ الخطط الرامية لحفز الاستثمار المباشر في صناعات غير نفطية، من بناء السفن إلى تصنيع أجهزة الروبوت، لأسباب منها البيروقراطية وغموض المسائل القانونية.
وانكمشت القروض المصرفية للشركات الخاصة عما كانت عليه قبل عام للشهر الثالث عشر على التوالي، بفعل الضرائب والرسوم التي فُرضت لخفض العجز في ميزانية الدولة.
ويُبَيِّن مسح للشركات أن نمو نشاط الشركات الخاصة سجل أبطأ وتيرة منذ أغسطس/آب عام 2009.
غير أن الإصلاحات الاجتماعية التي استحدثها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد بالتوازي مع الخطوات الاقتصادية تسير في طريقها. وخلال السنوات القليلة المقبلة على الأقل ربما يكون لذلك أثر إيجابي على نشاط الشركات، أكبر من أثر خطط الاستثمار الطموح لدى الرياض.
يقول خبراء ان كثيرا من التدابير الاجتماعية سيكون له آثار على قطاع الأعمال.
فخطط إصدار تأشيرات سياحية ستدعم قطاع الترفيه. كما أن القيود على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تفيد المطاعم، بتمكين الجنسين من الاختلاط. وربما يستفيد الاقتصاد أيضا من الإصلاح التعليمي والقضائي.
وقال محمد العقيل، رئيس مجلس إدارة «شركة جرير للتسويق»، وهي من الشركات الكبرى في قطاع التجزئة، في مقابلة ان ارتفاع معدلات تشغيل النساء يعد سببا في زيادة بنسبة 13.4 في المئة في مبيعات الشركة العام الماضي رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأوضح ان انضمام النساء لقوة العمل «يعد حقا قوة دافعة للاقتصاد» مشيرا إلى أن الأسرة السعودية العادية يمكنها أن تزيد دخلها إلى أكثر من المثلين، إذا اختارت الزوجة وبعض بناتها ممن لم يتزوجن العمل.
ولكن ليس من السهل قياس أثر ذلك على الاقتصاد الأوسع. والمثال على ذلك يتضح في خطط رفع الحظر الساري على قيادة النساء للسيارات وهو ما تقول الحكومة إنه سيحدث في أواخر يونيو/حزيران.
وفي الأجل البعيد توقع العقيل أن يحفز السماح للنساء بقيادة السيارات صناعات، مثل قطع غيار السيارات والتأمين على السيارات، وربما الإسكان من خلال تحسين قدرة الأسر على الحركة. أما في الأمد الأقصر، فمن المحتمل أن يؤدي السماح للنساء بقيادة السيارات إلى انضمام آلاف الوافدين الذين يعملون سائقين إلى صفوف العاطلين عن العمل، بما يزيد من سرعة تراجع أعداد الوافدين الذي كان له أثره السلبي على الاقتصاد.
في الشهر الماضي رفعت السلطات الحظر المفروض على دور السينما، في إطار حملة لتغيير العادات الاجتماعية المحافظة، وتشجيع السعوديين الذين يسعون وراء الترفيه في الخارج على إنفاق أموالهم داخل البلاد.
وسيستغرق تنفيذ مشروعات تستثمر فيها الدولة مليارات الدولارات، مثل مدينة ملاهي القدَيَّة التي ستُقام غرب الرياض، وكذلك سلسلة ضخمة من المنتجعات على البحر الأحمر سنوات. كما أن آفاقها التجارية يكتنفها الغموض.
غير أن شركة تدعمها الدولة تعمل أيضا على إقامة البُنية التحتية لمناطق الترفيه في أكثر من عشر مدن سعودية لتضم شركات خاصة أصغر يمكن إقامتها بسرعة.
وربما تتضمن هذه المشروعات عشرات من دور السينما وأماكن العروض العامة، والمطاعم ومتاجر التجزئة، لتصبح مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي في المدن.
وقَدَّر مازن السديري، رئيس إدارة الأبحاث في «شركة الراجحي المالية» أن الإنفاق على الترفيه والاستجمام والنشاط الثقافي والمطاعم والفنادق يبلغ ثمانية في المئة من إنفاق الأسر السعودية، أي ما يعادل 20 مليار دولار سنويا مما يبشر بالإمكانيات التي ينطوي عليها.
غير ان ما قد يَحِدّ من أي زيادة في إيرادات قطاع الترفيه رحيل الكثير من العمال الوافدين، بسبب الركود الاقتصادي، وارتفاع رسوم تصاريح العمل، والتوجيهات الحكومية للشركات ألا توظفهم.
وقد انكمش عدد العاملين الوافدين في السعودية بأكثر من 466 ألفا خلال عام واحد إلى 10.42 مليون وافد في 2017. وحدث أكثر من نصف هذا الانخفاض في الربع الأخير من السنة.
في الوقت نفسه نما عدد العاملين السعوديين بنحو 102 ألف إلى 3.16 مليون في العام الماضي. وحدث أكثر من ثلثي الزيادة بين النساء العاملات اللائي زاد عددهن 64 ألفا إلى 1.08 مليون.
ويشكو أصحاب الأعمال من أن من الصعب بل والأكثر كلفة في كثير من الأحيان العثور على سعوديين مدربين يمكن أن يحلوا محل العمالة الوافدة الراحلة، حتى في مجالات مثل المطاعم.
ولا يزال الفصل بين الجنسين في أغلب أماكن العمل يحد من توظيف النساء. ولم تتعهد الحكومة بإنهاء هذا الوضع رغم أنها تعد بتخفيف الأعراف الاجتماعية في بعض من مناطقها الاقتصادية الجديدة.
ومع ذلك تخصص موارد من أموال الدولة لحفز النساء على العمل، ومن ذلك منحة رعاية طفل قيمتها 9000 ريال في السنة، وبدل مواصلات شهري قدره 800 ريال. وقال خالد الخضير، العضو المنتدب بشركة «غلوورك» لتشغيل النساء في الرياض، ان الإعلان الرسمي أن عمل النساء هدف من أهداف الإصلاح الاقتصادي معناه أن الشركات لم يعد بإمكانها تجاهله. وأضاف «الآن كل شركة كبرى يجري تحفيزها لأخذ هذه المسألة في الاعتبار ووضع خطة. وللمؤسسات طريق مرسوم».
وأوضح أن العوامل الديموغرافية في صالح هذا الاتجاه، حيث أصبحت مساهمة النساء في الاقتصاد الآن نحو 19 في المئة. وستؤدي مضاعفة هذا الرقم إلى انضمام مليون امرأة أخرى إلى صفوف العاملين، رغم ان المملكة ستظل دون المعدلات السارية في كثير من الدول الغربية والتي تصل إلى نحو 55 في المئة.