تكاد تكون مقالات الرأي محصورة في موضوعات تحتل فيها النزاعات، وفي الغالب الطاحنة منها، أولوية التحليل وأسبقية التعليق. ولكن تطاحن المعارك واستمرار التقاتل، مثله مثل استغراق وسائل الإعلام في عكس أجواء الحروب والكوارث الإنسانية، يشكل مناخا يجعل المرء يتساءل ألا يزال بإمكانه البقاء على مسافة من هذه الطبقات السميكة من التوتر، التي تكاد تفرض علينا ضبابية وتعتيما كليا.
إنه وضع نسيناه تقريبا، وهو يفترض في الإنسان أن يكون قادرا على تهيئة المناخ الملائم له. نعم، فبعد ان غطيت في العديد من مقالاتي أجواء ملبدة بغيوم لا تنقشع وأحوالا مشحونة بالكراهية والنقمة والضغينة، جال في ذهني أن أطرح على نفسي سؤالا تبدى لي بوضوح أنه من الأسئلة الجوهرية.
لكن هذا السؤال، في الواقع، لم يتبلور مباشرة، لم يطرق ذهني فورا، فكأنّ وعيي هو الذي أفسح المجال لسؤال تمهيدي سمّه ‘السؤال الأول’، قبل أن يفسح المجال لهذا السؤال الذي بقي لاوعيي يحتفظ به بادئ ذي بدء.
خالجني السؤال الأول وأنا أتجول قبل يومين في واحد من أكثر أحياء باريس شعبية: الدائرة الثامنة عشرة. بدأ السؤال يجول وأنا أنظر إلى هؤلاء الشباب، إلى هؤلاء الأطفال، إلى هؤلاء الكهول والشيوخ، الذين يجوبون الطرقات والأرصفة وهم يكوّنون سيولا بشرية تمثل واحدة من أبلغ صور الإنسانية: أطفال وشباب وكهول وشيوخ: أعمار وقامات ووجوه، ملابس، ركض، سير بطيء أو خفيف، ألوان بشرة بيضاء، سوداء، سمراء.
قوم منهمكون في تفاصيل يومياتهم، كل حسب أهدافه ومزاجه، بما له من نقاط قوة ونقاط ضعف، من أفراح وأحزان، وآمال واحباطات.
اتملّى في القوم الذين يسيرون في شوارع الدائرة الثامنة عشرة في باريس وأتساءل: ما دخل هؤلاء في ما يجري في عالمنا؟ ما عساهم يفعلون؟ كنت أتساءل أين نحن في هذه الشوارع من الحرب في سورية ومن سقوط متظاهرين مساندين لهذا الطرف ومعارضين لذاك في مصر وفي تونس؟ أين نحن من الوضع في مالي ومن التصويت على الميزانية في أمريكا؟
كان سؤلا ثابتا، يؤطره شعار ما ذنبنا وأين نحن من… لتغذّيه تطورات الأحداث الراهنة، تطورات شؤون الساعة. كنت اتساءل، وانا اجوب الأرصفة المكتظة لشوارع حي باربس الباريسي المعروف بتنوعه الثقافي.
كنت مندسا بين قوم المارة السائرين إلى مبتغاهم، مثقل الأفكار منشغل الذهن، أملّي الأماني في ان يتحقق شيء مبهم لم تستوضحه أفكاري الضبابية السارحة السائبة، كنت أسير مستمسكا حبلا وهميا من التمنيات أعجز عن صياغتها بالكلمات. كنت أتلفت يمنة تارة وأخرى يسرة فأنظر في السلسلة البشرية المتجهة إلى هدفها في تموجات مختلفة.
ثم تعبت من المسير فجلست في مقهى فطلبت فنجان قهوة. سددت نظري من جديد في سلسة من مظاهر السير الجماعي متنوعة المشارب، مختلفة المآرب، فعاد السؤال التموقعي يطرح نفسه: أين أنا، أين نحن من مآسي العالم ومن شؤونه وشجونه؟ ثم أخذ السؤال يتلاشى ويضمحل، كأن لغة الواقع فرضت نفسها أمام لغة التأملات الوجودية. لغة واقع جاء ليقف سدا منيعا وحجر عثرة أمام لاوعي قام مقام لسان حال تأنيب الضمير فنقل سؤاله الملحاح إلى وعي لم يملك إلا أن يقف أمامه مهزوما.
تلاشى السؤال لكن بقيت الحالة… ماذا أسمّيها: وجدانية؟ نفسية؟ أخلاقية؟ الثلاثة معا؟ حالة داخلية لا وضوح بيّن لاتجاهها ولا انكشاف باد لمنحاها، بل في مقام ذلك شعور عدم الاستقرار، ولا سكون امام سيل عارم من بشر سابحين في بحار انشغالاتهم اليومية، وهوأيضا شعور (أنايا) السابح السارح في أموره وقضاياه…
خوض لا مجد في مآسي العالم بتساؤلات مغلقة، أسيرة شؤون الحياة اليومية وشجونها، سؤال ‘أول’ بلا جواب مقنع.
جو مضطرب يختلط فيه حابل يومياتنا بنابل خواطرنا وزوابع أفكارنا، حمل معه السؤال الثاني، سؤال الأسئلة: أين ذهب السلام؟
‘ باحث أكاديمي فرنسي