حتى صباح يوم الاربعاء الماضي ساد ثانية إطلاق النار بين إسرائيل وقطاع غزة. إطلاق القذائف من القطاع الذي استمر فترات متقطعة في الليل توقف. وبصورة موازية توقفت أيضاً الهجمات الجوية لإسرائيل. هذا ليس وقف إطلاق نار رسمي. جهات رفيعة من المستوى السياسي ومن جهاز الامن الإسرائيلي تحرص على التأكيد بأنه لم يتم توقيع شيء مع حماس. قيادة حماس في القطاع نقلت أمس رسالة عبر مصر بشأن استعدادها لوقف النار والعودة إلى فرض إرادتها على التنظيمات الاصغر. إسرائيل سارعت للرد بأن الهدوء سيجاب عليه بالهدوء.
في هذه الاثناء الاتفاق غير المباشر ما زال صامداً. هذا يحدث أيضاً لأن إسرائيل تحذر بعدم السماح للأحداث بالانزلاق بصورة خارجة عن السيطرة.
أيضاً خلال الليل، في الجولة الثالثة من الهجمات خلال الـ 24 ساعة لم تسجل خسائر فلسطينية، بل فقط ضرر للبنى التحتية العسكرية في القطاع. الجيش الإسرائيلي استغل الفرصة من أجل حرمان حماس من بعض القدرات العسكرية وقصف من بين أهداف أخرى نفقاً هجومياً، مخازن للطائرات الصغيرة بدون طيار وخطاً لانتاج الطائرات بدون طيار. ولكن غياب المصابين يدل على أنهم في الجيش اختاروا الاهداف بدقة وكانوا حذرين جداً من أجل عدم مواصلة انزلاق الامور أبعد من اللازم.
عدم رغبة إسرائيل في الدخول البري للقطاع ما زال واضحاً. كالعادة التطورات من الآن فصاعداً ستكون حساسة. لو أنه حدث مع ذلك ضرر كبير لا سمح الله للمدنيين في إحدى بلدات الغلاف نتيجة إطلاق القذائف لكان من شأنها أن تحث الحكومة لاتخاذ قرارات. لكن في هذه الاثناء يبدو أن جهود الوساطة أوقفت الخطر الفوري لاشتعال حرب. كل الدول والتنظيمات التي عملت بالوساطة لـ «الهدنة» قبل التصعيد الاخير، عملت بصورة أكبر في اليوم الاخير. يبدو أن مصر هي التي حققت في نهاية المطاف الاختراق.
الاعتبار الإسرائيلي واضح هذه المرة. المشاكل الملحة التي تقف أمام أنظار رئيس الحكومة ووزير الدفاع وهيئة الاركان العامة هي الوضع في سوريا والتدخل الإيراني هناك. الوزير أفيغدور ليبرمان سيسافر هذا المساء إلى موسكو في محاولة لتحقيق تفاهمات بشأن إبعاد القوات الإيرانية والمليشيات الشيعية عن الحدود الإسرائيلية ـ السورية في هضبة الجولان. غزة اعتبرت جبهة ثانوية بالمقارنة، كذلك ليس لإسرائيل في هذه الاثناء هدف واضح في القطاع. إسقاط نظام حماس مرتبط بحرب سيكون لها ثمن لا بأس به وليس هناك ضمان بأن البديل بعد حماس سيكون بالضرورة أفضل.
رجال الاستخبارات الإسرائيلية يفسرون سلوك حماس في اليوم الاخير تقريبا كالتالي: حماس تمتنع بصورة عامة عن إطلاق القذائف منذ انتهاء الجرف الصامد.
في الأشهر الأخيرة فرضت حماس سلطتها أيضاً على التنظيمات الاخرى لأنها أرادت التمسك بالمظاهرات الجماهيرية على طول الحدود وحاولت تحقيق مكاسب دولية من صور القتلى هناك. ولكن هذا المسار استنفد نفسه بهذه الدرجة أو تلك وذلك حوالي يوم النكبة في منتصف الشهر.
القتلى الستون على الجدار أدوا إلى إطلاق تصريح تضامن من أردوغان، وطرد سفير إسرائيل من تركيا وفتح مؤقت لمعبر رفح وليس أكثر من ذلك.
في بداية الاسبوع كان الجهاد الإسلامي مصمماً على الانتقام لنشطائه الثلاثة الذين قتلوا بنيران دبابات الجيش الإسرائيلي في حادثة قرب الجدار. كما أن الجهاد سحب حساباً غير مغلق تماما مع إسرائيل من تشرين الأول/أكتوبر السنة الماضية عندما قتل نشطاء من حماس والجهاد في تفجير نفق للجهاد على حدود القطاع، وفشلت عدة عمليات له للرد.
تحت ضغط الجهاد أطلقت حماس هذه المرة العنان، لكن ربما أنها لم تتوقع قوة الرد من قبل التنظيم الصغير. عندما تطورت الامور إلى جولة ضربات مع إسرائيل، شاركت حماس ظهر أمس في المعركة من أجل أن لا تتخلف ولا تتلقى اتهامات بأنها تتصرف مثل السلطة الفلسطينية، أي عميلة لإسرائيل. طوال الليلة الماضية انضمت لاطلاق النار فصائل فلسطينية «مارقة»، منها لجان المقاومة الشعبية وتنظيمات سلفية. ابتداء من الصباح وحماس تعمل من أجل ضبطهم. وفي هذه الاثناء توقفت النيران.
ولكن في احتساب المعادلة المعقدة هذه يجب تضمين أيضاً اليأس العميق لسكان القطاع على خلفية تشديد ظروف الحياة هناك وكذلك أيضاً الثمن النفسي العالي الذي يجبيه تجدد اطلاق النار من سكان غلاف غزة بعد عدة سنوات من الهدوء.
الأمور ما زالت يمكنها العودة والتشوش، خاصة في الوقت الذي بقيت فيه المشاكل الاساسية للبنى التحتية المدنية في القطاع على حالها. وكما هو الامر دائما، علينا تذكر أن إسرائيل لا تستطيع الدخول إلى رؤوس زعماء الطرف الثاني وتوقع بالضرورة قراراتهم خلال أزمة عسكرية خطيرة.
هآرتس 31/5/2018
عاموس هرئيل