بوعي جمالي ودلالي، يرتهن لدهشة السؤال الإشكالي الذي تطرحه جدلية الذات والواقع، وما تفرزه من توتر ، يسائل تجليات الواقع وأنساقه المضمرة، تأتي رواية «رائحة الموت» للكاتبة المغربية ليلى مهيدرة، حيث تتحول خلالها الذات إلى محفل سيميائي مزدوج، وهي تغوص في عمق المجتمع المغربي بمسبار الاختيار وآليات التحويل والتأويل مشيدة خطابا سرديا يمتح من:
1 – سلطة المجتمع
سلطة المجتمع بكل الشروط التاريخية الفكرية والثقافية والحضارية، وما نتج عن صدمة الحداثة بعد الفترة الكولونيالية وما تلاها من انتكاسات لحقت الواقع العربي وخلخلت يقين الوعي بإشكالية النهضة والتحديث.
– سلطة المؤلف باعتبارها ذات نفسية وثقافية واجتماعية وفلسفية وأنثروبولوجية يؤرقها الوعي بالتشظي والاغتراب والتيه.
– سلطة السارد ووجهة نظره، للأنا والآخر والذات والمجتمع والحياة.
وإذ يسترفد متخيل الرواية السردي رؤاه، انطلاقا من المسافة الجمالية التي تخلقها الأسئلة الإشكالية المحايثة لسيرورة التحولات الاجتماعية بين الذات والواقع المرجعي، فإن رهان الكتابة الروائية في «رائحة الموت» يطمح لخلخلة الوعي المغربي والعربي الفردي والجمعي، في محاولة لفك شيفرة ثنائية، الأنا/ الآخر، الفرد /المجتمع، الموت /الحياة، الوجود/العدم… في الزمان والمكان من أجل نقض التشيؤ والاستلاب واستعادة الهوية والوجود.
2- رهان الرواية
بعيدا عن الانفعال والمحاكاة، وانطلاقا من وعي الذات بسياقات المرحلة التاريخية للمجتمع المغربي والعربي، تراهن الصنعة الروائية في الخطاب السردي لـ«رائحة الموت» ببنائها الإشاري والرمزي على خلخلة وعي الشخصية/بلقايد العربي واستنطاق الواقع السائد الذي يكبله الشلل والعجز، ويحكم على المجتمع بالذوبان والتلاشي. إن مقصدية الخطاب في هذه الفرضية، هي الثورة على السائد وتجاوزه بتفجيره، وإعادة، بناء ذهنية متجددة دينامية قادرة على إنتاج آليات انبثاق الوجود الإنساني الأصيل، والقبض على المنفلت الهارب من دائرة التحقق، ما جعل بلاغة الصنعة الروائية في «رائحة الموت» بكل بُناها الفكرية وأساليبها التعبيرية، تحمل بذور اللايقين والشك، وهي تُشرَعُ على تفجير كل الأسئلة المحفزة لوعي محتمل يؤمن بحركية الخلق وفرادة الأنا والآخر وقدرة المجتمع على تمثل الوجود الفاعل لا المنفعل .
أيمكن أن نتحرر من موتنا؟
فعلى امتداد البنية السردية التي ترتكز على التماثل الحكائي بين مسارين سرديين، الأول ذاتي (كتابة مسودات) بضمير المتكلم، والثاني (بضميرالغائب وهوعبارة عن أحداث ومشاهد ولوحات) نجد شخصية /بلقايد العربي، بما تدل عليه من مواقف مهزوزة على مستوى المضمار السردي، تعاني الإحباط والرهاب النفسي المفضيين إلى التدمير الذاتي، بسبب التمثلات المظللة المكرسة للاستغراب والتيه «مدينة ترفضني قبل أن أولد». وإذا كانت الرواية تطرح شخصية بلقايد العربي كمفهوم ورؤية وموقف، فإنها تطرحه كونه أسيرا لماضي الجد الذي كان خادما للاستعمار، يقترف شتى أنواع الاستغلال من قتل (أب بلقايد) واغتصاب للأراضي وفساد وارتزاق بأزمة المجتمع المغربي ما بعد الكولونيالي، إلى الحد الذي أصبح يمثل للحفيد/بلقايد العربي لعنة اجتماعية لا تفارقه أنى ذهب وارتحل. وهي لعنة أصابت المجتمع كذلك، فنشأ بلقايد حبيس نظرة الآخر/ المجتمع إليه: «لم ينس أبدا حين كان عائدا قبل سنين عدة، حيث إحدى الجارات تمر قرب البيت، فإذا بها تلتقي بصديقة لها بعد متر من عتبة بيتهم…. فتجذب إحداهما الأخرى وهما ترددان تعويذة تحميهما من لعنة جده».
إن تاريخ الجد بكل حمولة الخيانة والفساد والانتهازية والوصولية والتواطؤ، وما ترمز إليه شخصيته وما تعكسه من استغلال وارتزاق بمصير مجتمع، بالكاد تحرر من قيود الاستعمار، ليجد نفسه قد سقط، بين براثن نماذج بشرية أقل ما يقال عنها إنها امتداد للاستعمار الأول. هكذا يبدو طيف الجد في الرواية رامزا لاستمرارية الاستبداد والبطش، وموجها لسلوك الحفيد اليومي، يشغل تفكيره ووعيه، ويحرمه من الحياة الطبيعية حيث أصابه برهاب فكري كما أصاب مجتمعه بلعنة العجز والفشل وتكبيل الإرادة والفعل.
3-الفضاء النصي
لعل اهتمام الكتابة الروائية في «رائحة الموت» بالنص الموازي، واعتبارالبداية فاعلية نصية، ذات جاذبية خاصة للقراءة وسحر التأويل، جعل الرواية تشتغل على العنوان والإهداء والتصدير، وانتشار مفعولها الجمالي والدلالي على امتداد جسد النص. وبدهي أن لعبة استثمار مواجهة المتلقي بهذه الاستراتيجية الخاصة على اعتبارها، ممرا استراتيجيا مؤهلا لتفجير العلبة السوداء للرواية، تقوم بإرباك التلقي، وتحريك وعي القارئ، وذائقته وتوقعاته، وإقحامه في سيرورة، انبثاق الانفجار المطلوب لوعي المتلقي، بهدف تجاوز ذاته، والتأثير في تمثلات المجتمع الراكدة، من أجل صناعة، معابر وعي فردي ومجتمعي جديد ومغاير، يضمن تجاوز الحاضر الى مستقبل مؤسس لتاريخية، وجود الفرد والمجتمع.
فبدءا من الوظيفة الإغرائية للعتبة الأولى /العنوان (رائحة الموت) يجد المتلقي نفسه قد مارست عليه الكتابة الروائية، لعبة الخفاء والتجلي، وعليه مواجهة سؤال الكشف عن مفهوم الموت. أهو، حقيقي، أم موت بعمق دلالاته الرمزية؟ ويختلف التوقع من قارئ لآخر، وقد يكون هامش التأويلات عصيا في أحايين شتى.
تأتي جملة الإهداء الأخيرة، لتلغز الدلالة: «ومن يدري لعلك المقصود»، ليقذف بالمتلقي وهو في حيرته الأولى في مجموعة من التساؤلات المربكة. والملاحظ أن تركيز التصدير على الوظيفة النحوية لكاف الخطاب في «لعلك» ليس بريئا أو ورد بشكل اعتباطي، بقدر ما هو توريط للمتلقي في أتون لعبة سرد ماكرة، تبتغي إقحام المتلقي في اللعبة السردية، وجعله معنيا بسؤال الموت الموجه إليه بالتحديد بكل الألم والوجع. الأمر الذي يفرض عليه تتبع مسارات المعنى والدلالات الثاوية في أعماق الرواية وتمزيق حجب الرؤية لديه للخروج من شرنقة غفلة وعيه الراكد والمدجن، خاصة أن سياق البنية السردية في جسد الرواية. ولعل استغلال ضمير المتكلم أسلوب التماهي بين السارد والقارئ في، المسودة الأولى: «أعلنني ميتا» يجعل المتلقي يصرح في اندهاش صادم، أنه فعلا بين سنديان الشك ومطرقة التساؤل، فيشرع حينئذ في تحسس وعيه، مستشعرا موته الرمزي متسائلا عن حقيقة وجوده وماهية حياته. فتبدأ عنده رحلة البحث عن سبل فك شيفرات الأنا والآخر والذات والواقع والحياة، في الزمان والمكان التاريخيين. ليجد نفسه ينوب عن المجتمع في طرح السؤال الإشكالي التالي الذي يقض مضجع الفرد والمجتمع العربي والمتخلف عامة عبر الزمان والمكان: «أيمكن أن نتحرر من موتنا».
هكذا يقحمنا، الفضاء النصي للرواية داخل النص، كما المسرح التجريبي الاحتفالي الذي يصعد فيه المتلقي الجالس في القاعة إلى الخشبة باعتباره ممثلا معنيا ومسؤولا عن الوضعية والموقف، ليمتد بذلك الركح ويشمل القاعة كلها، يكون المتلقون/المشاهدون أنفسهم، منتجين وممثلي كل أدوار المسرحية، وليسوا فقط مشاهدين. وتكون الرواية بهذا الاختيار الواعي قد ضخت دماء جديدة في الكتابة الروائية المغربية والعربية، فخرجت عن تحديد الأطار الزمكاني التقليدي للبدايات في الكتابة الروائية.
4- من نموذج الوجود الساكن،
إلى نموذج الوعي المؤسس للتاريخية:
إن لعبة فخاخ الفضاء النصي، كما هيأها الخطاب السردي في الرواية بذكاء، ونصبتها اللغة للقارئ ليسقط في مراياها المنعكسة، جعلت التأويل يحرض على الشك في الواقع وعدم الاستكانة إليه، كما لم يستطب بلقايد تاريخه ويستكين إليه. ولعل الرواية وهي تفصح عن الوعي من خلال شخصية بلقايد/المفهوم والرؤية للواقع في علاقتها بالآخر، كثيمة رئيسة من جملة من الثيمات الشائكة التي تحبل بها الرواية. وبدهي أن الأنا والآخر كمفهوم فلسفي، اشتغلت وتشتغل عليه الدراسات النفسية وهي تنبش في أعماق النماذج العليا للفكر الإنساني الذي يموج بالتناقضات. وفي الفلسفة فإن الآخر هو من يؤسس هويتنا ويصلنا بالعالم… وعوض أن يمثل الآخر الجسر الذي يوصل بلقايد العربي /الحفيد/الفرد /المجتمع بالعالم، أصبح الآخر يشكل لعنة وتقويضا وهدما للمصير والوجود كعائق تراجيدي يؤسس للموت الاجتماعي، «مدينة ترفضني قبل أن أولد»، بهذا المنظور تتقاطع الرواية مع ما يذهب إليه الفيلسوف المعاصر يوجين هابرماس في كتابه «نظرية الفعل التواصلي» التي ترتكز على أن قدرة الفرد النقدية عليها أن تجعل من التواصل تناغما بين الإنسان وذاته، وبين الذات ووعيها، لتجد مدخلها للعالم المعاصر الجديد، حيث تنتقل الأنا والآخروالمجتمع، من نموذج الوجود الممتد للواقع السائد المستلب، إلى نموذج الوعي المؤسس لتاريخية الانتماء والهوية.
٭ كاتب مغربي
أحمد بهيشاوي