سيكون من الصعب أن نجد هذا الاسبوع أحداً في إسرائيل يؤمن بأن الهدوء الذي تحقق صباح يوم الاربعاء في القطاع سيصمد على مدى الزمن. والتقدير السائد الذي يسود في غزة إيضاً على أي حال هو أن هذه مهلة مؤقتة، وربما مؤقتة جداً، وفي غضون وقت قصير ستستأنف النار.
بعد نحو أربع سنوات هادئة، شيء ما في الميزان بين إسرائيل وحماس انكسر. هذا لا يعني أنهم في غزة توقفوا عن الخوف: أحداث الاسابيع الاخيرة تثبت بوضوح بأن الردع الإسرائيلي لا يزال قويا، وإلا لكان اندلعت في الجنوب معركة واسعة أخرى منذ زمن بعيد. ولكن يخطيء من يعتقد بأنه يمكن اعادة الدولاب إلى الوراء إلى أيام الهدوء التي سادت على حدود القطاع على نحو شبه متواصل منذ انتهاء حملة الجرف الصامد.
إسرائيل وحماس في نقطة انعطافة. فقد قال مصدر رفيع المستوى انه «في كل يوم ترتفع درجة الحرارة في الميدان. في غزة توجد أقل فأقل كوابح، وأكثر فأكثر استعداد لأخذ المخاطر». هذا لا يعني أنهم في القطاع حسموا أمرهم في صالح الحرب: هذا يعني أنه اذا لم يتوافر سبيل لتحرير الضغط هناك فلن يتبقى في أيديهم بديل آخر.
جذور يوم القتال هذا الاسبوع يمكن البحث عنها في أحداث الايام التي سبقته، أو في أحداث نصف السنة الاخيرة، أو بشكل عام في ما يحصل في القطاع منذ 2014. يبدو أن كل الاجوبة صحيحة.
فبعد أربع سنوات من المعركة الاخيرة، توجد غزة في درك أسفل غير مسبوق. فالشبكات تنهار، الاقتصاد يخبو، البطالة تستشري بشكل غير مسبوق والمعنويات العامة في الحضيض.
تعترف حماس اليوم بالفم الملآن بأن ليست لها القدرة على الحكم في القطاع. وان وعودها بمستقبل أفضل لسكانها كانت عابثة ولا يسندها شيء. فقد أملت بالمصالحة مع السلطة الفلسطينية، والتي لم تحصل، على خلفية معارضة طلب أبو مازن نزع سلاح المنظمة وانخراطها في أجهزة أمن السلطة التي تأخذ على نفسها السيطرة في غزة وإعادة بنائها.
في إسرائيل يحبون أن يكرهوا أبو مازن، ولكنه ليس إمعة. لو كان استجاب لطلب استجداء حماس لدفن السلطة مرتين: في غزة، حيث يعلق مع المشاكل ويترك حماس لتكون بطل الشارع الذي يقاتل ضد إسرائيل، وضمنا في الضفة حيث كان سيسمح لحماس بتحقيق مزيد من الشعبية على حسابه. ليس واضحا إذا كان أبو مازن على الاطلاق أراد مساعدة غزة أم انه سعى إلى خنقها ولكنه رفض التراجع. وكانت النتيجة هي أن المشكلة تدحرجت كما هو دوما إلى الملعب الإسرائيلي.
الشارع هتف مطالباً بالثأر
بحثت حماس عن حلول بديلة للوضع. مال قطري، وساطة مصرية، وحتى اتصالات عقيمة مع دول في الغرب (وبالطبع التسكع الدائم مع إيران، الذي أدى إلى مساعدة مالية معينة للمنظمة، أصغر من تلك التي يتلقاها من طهران شريكها ـ خصمها في القطاع، الجهاد الإسلامي). وعندما وصلت إلى طريق مسدود، عادت حماس إلى المطارح المعروفة للاحتكاك مع إسرائيل. بداية احتكاك مدني، بدأ في كانون الأول/ديسمبر في «مظاهرات» احتجاج على قرار الرئيس ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وبعد ذلك احتكاك عسكري على الجدار وصل الذروة في الاسبوع الماضي.
على الطريق كانت عدة نقاط أساسية. الاحداث العنيفة ليوم الارض في 30 آذار/مارس وبعدها تلك في يوم نقل السفارة إلى القدس في 14 أيار/مايو، والتي أدت إلى الهدوء ـ بوساطة مصرية ـ بالذات في اليوم الذي كان يفترض أن يكون هو الاعنف، يوم النكبة. هذا أثبت شيئيين: أن حماس في ضائقة ومن شأنها أن تتوجه إلى العنف، وانها تتحكم في المنطقة بشكل مطلق إذا أرادت ان تشجيع العنف فعلت وإذا أرادت أن توقفه فتوقفه على الفور.
محاولات احتكاك دائم
في محاولة للحفاظ على احتكاك دائم مع إسرائيل، اختارت حماس في الاسبوعين الاخيرين تحويل الجدار إلى مجال للإرهاب. بدأ هذا مع الطائرات الورقية الحارقة التي فعلت العجب بحقول الكيبوتسات في غلاف غزة، تواصل في محاولات إطلاق النار ورشق الزجاجات الحارقة على قوات الجيش الإسرائيلي، وبلغ الذروة في بداية الاسبوع الماضي مع محاولة زرع عبوة قرب الجدار. الجيش الإسرائيلي رد بنار دبابة نحو موقع مجاور للجهاد الإسلامي، الذي كان مسؤولاً عن العملية فقتل ثلاثة من رجاله.
في الجهاد أقسموا على الانتقام. فغير قليل من المحافل في إسرائيل يعتقدون بأن هذا كان أمراً مباشراً من طهران، من خلال قيادة التنظيم في دمشق، بهدف إشغال إسرائيل في الساحة الجنوبية مما يخفض قليلا من الضغط الذي تمارسه ضد وسائل تثبيت التواجد الإيراني في الساحة الشمالية. معقول ان يكون هذا التفسير صحيحا ولكنه ليس كاملا: فحتى لنشطاء الجهاد في غزة يوجد فتيل ـ قصر جدا هذا الاسبوع، وطلبوا الانتقام. في المرة الاخيرة التي حصل فيها هذا، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي (بعد أن دمرت إسرائيل نفقا للتنظيم ودفنت تحت 12 من رجاله)، انتظر الانتقام زمنا طويلا. أما هذه المرة فقد أراد الجهاد سطراً أخيراً مختلفاً.
في إسرائيل ينبغي أن يكونوا قلقين من التفكر الذي استخدموه في غزة عندما اختاروا طريقة الرد. عشرات قذائف الهاون نحو استحكامات الجيش الإسرائيلي من ناحل عوز وحتى تسوفا، هي ظاهراً هدف مشروع ـ الموقع بالموقع والمقاتل بالمقاتل ـ ولكن الاصابة التي كادت تقع في روضة الاطفال في عين هشلوشا كان يمكن ان تنتهي بمصيبة.
ليس واضحا لماذا ظنوا في الجهاد ان إسرائيل ستمر على هذه الاحداث بسكينة، وكأنها لا شيء، كمرور الكرام: ليس واضحا أيضاً ماذا ظنوا في حماس حين أقروا للجهاد بأن يحطموا القواعد ليوم واحد.
الرد الإسرائيلي
أما الرد الإسرائيلي الحاد، والذي تضمن هجوما على عشرات الاهداف، في وضح النهار، فقد أدخل حماس في فخ. فجأة وجدت نفسها في مكانة فتح: الحاكم، الذي يخشى المواجهة مع إسرائيل ويتركها لمنظمات أخرى. الشارع هتف مطالبا بالانتقام، والشبكات الاجتماعية عربدت، بينما تنظيم المقاومة الاساس جلس هادئا.
استغرق هذا بضع ساعات فقط إلى أن قررت حماس الانضمام إلى النار. ومع أنه بقي من دون تحطيم القواعد، وسمح بضرب البلدات المجاورة للقطاع فقط، ولكنه أشار لإسرائيل بأن حماس هي الاخرى في اللعبة.
ولكن خلف الكواليس أدارت حماس لعبة مزدوجة. توجهت لإسرائيل عبر مصر وطلبت هدوءاً فورياً. ولاحقاً في المساء ادعت حتى انه تحقق وقف للنار. في إسرائيل رفضوا خوض مفاوضات وقدموا الجواب الدائم: إذا أوقفتم اطلاق النار، فنحن ايضا سنوقفه.
وفي هذه الاثناء استغل الجيش الإسرائيلي الفرصة ودمر غير قليل من اهداف المنظمة، وبالاساس تلك المتعلقة بتعاظم قوته العسكرية. حماس فهمت الرسالة، فأوقفت في الفجر النار من غزة تماما.
جولة قصيرة وغير تمثيلية في النقب الغربي قدمت أول أمس ما هي المعضلة الإسرائيلية. في سديروت، بعد ليلة من الانذارات والملاجيء، طالبوا بعمل قاطع، في كيبوتسات الغلاف طالبوا بالعودة إلى الهدوء. وراوحت إسرائيل هذا الاسبوع بين هذين الطرفين: جاهزية فورية لعمل واسع واستعداد للتوقف الفوري عن العملية.
ولكن الحسم الإسرائيلي يجب أن يكون استراتيجيا، وليس تكتيكيا. اولا بسبب سلم الاولويات الوطني. إذا كانت إيران توجد اليوم في المكان الاول، فمحظور على إسرائيل ان تجتذب إلى تصعيد في الجنوب. وهذا صحيح أيضاً في نظرة مركزة على غزة. فشيء ما فيها انكسر، ولن يكون ممكنا اصلاحه. مطلوب طريق آخر، يمكن أن يكون واحداً من اثنين: معركة واسعة أو تهدئة طويلة الامد.
في الاسابيع الاخيرة تجرى اتصالات أولية، بوساطة مصرية، لفحص الامكانية الثانية. معقول أن يكون الطريق إلى هناك مليء بالعقبات والازمات ولكن فحص الخيار واجب، وليس فقط لأن من مسؤولية الحكومة البحث عن كل سبيل قبل الانزلاق إلى الحرب.
هدنة كهذه ستجبي ثمنا من الطرفين. فإسرائيل ستكون مطالبة بالسماح بمشاريع لاعمار القطاع بل ودفع ثمن بتحرير سجناء مقابل إعادة المحتجزين في غزة. وبالمقابل يمكن لإسرائيل أن تتلقى غير قليل من التنازلات من حماس، بما في ذلك في مجال التعاظم العسكري. الاحساس العام كان ان هذا ممكن.
على هذه الخلفية ليس واضحا ما الذي دفع بعضا من وزراء الكابنت اطلاق التهديدات. فهم يعرفون صورة الوضع والخطط العسكرية، ويعرفون ان احتلال القطاع، إسقاط حماس، قطع رؤوس زعمائها، ليس على جدول الاعمال في هذه اللحظة. بل العكس هو الصحيح إذ أن إسرائيل سعت إلى إعادة المعضلة إلى غزة كي يحطموا هناك الرأس. فاذا اختارت حماس الحرب فستكون المسؤولية عليها واذا اختارت الهدوء فهي ستصل اليه من نقطة ضعف.
هذه المعضلة ستزداد الان. يوم الثلاثاء متوقع يوم قتالي آخر على الجدار، يوم النكسة. ويحتمل أن تستأنف بعده محاولات تحدي الجيش الإسرائيلي على الجدار. وفي هذا احتمال للتفجر الذي يفتح جولة أخرى. وهذا ما يجعل الجيش يبقي على قوات معززة في الجبهة والمواظبة على التدريب لحرب في الجنوب. وستقرر الايام القريبة القادمة اذا كان حزيران/يونيو 2018 ينضم إلى حزيرانات سابقة، أم يكون مؤشراً بالذات لبداية انعطافة في جبهة الجنوب.
إسرائيل اليوم1/6/2018