القاهرة ـ «القدس العربي»: كل يوم يمر دون توصل مصر وإثيوبيا والسودان لاتفاق بشأن الخلافات حول سد النهضة الإثيوبي الذي تعتبره مصر سيؤثر على حصتها التاريخية من مياه النيل التي تقدر بـ 55 مليار لتر مكعب من المياه، يمثل نجاحا لأديس أبابا مع اقترابها من الانتهاء من بناء السد، في وقت تتسع الأزمة المصرية.
السفير الإثيوبي لدى الخرطوم، ملوقيتا زودي، كشف قبل أيام عن أنه سيتم الاحتفال قريبا جدا بانتهاء بناء سد النهضة بعد إنجاز أكثر من 65 في المئة من عمليات التشييد.
وقال في تصريح صحافي على هامش حفل إفطار رمضاني نظمته السفارة الإثيوبية لوكالات الأنباء والصحافة المحلية، إن العمل في السد يسير على قدم وساق.
وأضاف:» كما تعلمون هو مشروع كبير جدا وما زال ينتظرنا الكثير، لكن عمليات البناء تسير بشكل جيد ومتواصل ولم تتوقف ولو لدقيقة واحدة، حتى الآن أنجزنا أكثر من 65 في المئة من عمليات البناء وقريبا جدا، ربما في أقل من عام سنحتفل بإنجاز سد النهضة».
رسائل عديدة أرسلها السفير الإثيوبي من خلال تصريحاته، كان أهمها تأكيده على أن عمليات البناء لم تتوقف دقيقة واحدة، ما يعني أن المفاوضات كانت تسير في طريقها المتعثر، بينما عمليات البناء تسير في طريق ممهد.
الرسالة استقبلها الشارع المصري، باعتبار أن المفاوضات التي استمرت لأعوام وشهدت أكثر من 20 جولة استضافتها القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، كانت مجرد محاولة إثيوبية لإضاعة الوقت على المصريين في وقت تسير عمليات البناء بوتيرة متسارعة.
وبينما تواصل إثيوبيا البناء دون النظر للخلافات مع مصر، تستضيف القاهرة يومي 18 و19 حزيران/يونيو المقبل أعمال «اللجنة التساعية «بين دول مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة بمشاركة وزراء الخارجية والري ومديري أجهزة المخابرات في الدول الثلاث، لاستكمال ما اعتبره ممثلو الدول الثلاث انفراجة في المفاوضات المتعثرة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
ففي منتصف أيار/مايو الماضي حدث اتفاق مفاجئ بين الدول الثلاث بعد عدد من الجولات المتعثرة.
واتفقت الدول الثلاث على تشكيل فريق علمي مستقل ومشترك لدرس ملء سد النهضة وقواعد تشغيله، بالتوازي مع دراسات الاستشاري. وتمثل مسألة ملء السد وتشغيله عقبة بين مصر وإثيوبيا، إذ تخشى مصر أن تؤثر نسبة المياه المحتجزة خلف بحيرة السد على حصتها المائية.
وتأتي 80 في المئة من المياه الواردة إلى مجرى النهر الرئيسي من النيل الأزرق الذي يبنى عليه السد.
وأعلنت الخرطوم أن محادثات وزراء الخارجية والمياه ورؤساء المخابرات في السودان ومصر وإثيوبيا، حققت اختراقات في خلافات سد النهضة في شأن التقرير الاستهلالي للاستشاري وملء السد الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق.
وسيقوم المكتب الاستشاري بتسليم رده على خطاب الملاحظات خلال ثلاثة أسابيع من تقديمه، على أن تتم مناقشة الرد في اجتماع وزاري بمشاركة الدول الثلاث، وبحضور المكتب الاستشاري في القاهرة بعد أسبوع واحد من تقديمه الرد، على أن يعقبه اجتماع تساعي ثالث في الفترة من 18-19 حزيران/يونيو المقبل في القاهرة، بحضور ممثل المكتب الاستشاري.
ووقع الوزراء وقادة المخابرات وثيقة اتفاق تضمنت أيضا عقد قمة لرؤساء الدول الثلاث من أجل دفع التعاون بينها مرتين كل سنة.
وتعد التقرير شركتان فرنسيتان هما «بي ار إل» و «أرتيليا» المكلفتان من الدول الثلاث بتنفيذ دراسات حول التأثيرات المحتملة لسد النهضة على دول أدنى النهر «مصر والسودان».
السفير محمد الدرديري وزير الخارجية السوداني، زار مصر الأسبوع الماضي، في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه، التقى خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ووزير الخارجية المصري سامح شكري.
وخلال المؤتمر الصحافي الذي جمعه بنظيره المصري، قال، إنه فيما يتعلق بأزمة سد النهضة التي يتم بحثها على المستوى الثلاثي تم قطع شوط في تجاوز الخلافات بين البلدان الثلاثة، وعازمون على تجاوز ما تبقى من خلافات وأي إشكاليات تظهر في المستقبل».
وأضاف: «ربما يحدد موعد لعقد اجتماع اللجنة التساعية لاستمرار التنسيق» مشيرًا إلى أن هناك اتفاقيات مرجعية لمصر والسودان فيما يتعلق بمياه النيل، وهذه الاتفاقيات سارية والبلدان تحترمها، وهي أساس لتعامل البلدين مع إثيوبيا».
وتابع، أن هناك قمة مرتقبة بين الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوداني عمر البشير في تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
وأضاف: «نقلت للرئيس عبد الفتاح السيسي، دعوة الرئيس السوداني عمر البشير، لزيارة الخرطوم في / تشرين الأول/اكتوبر المقبل، وهو الموعد المقرر لعقد القمة بين الزعيمين».
وأمام تعثر المفاوضات، حاولت مصر الخروج من المأزق بدعوة البنك الدولي للدخول كطرف محايد للفصل في الخلافات الفنية حول سد النهضة، إلا أن الاقتراح قوبل بالرفض من الجانب الإثيوبي.
التعنت الإثيوبي دفع رئيس لجنة الشؤون الافريقية في مجلس النواب، والقيادة السياسية للتحرك على المستوى الدولي لحل أزمة السد، وإعداد ملف فني لتقديمه لمجلس الأمن الدولي، والمحكمة الجنائية الدولية لوقف أعمال بناء السد، واتخاذ إجراءات ضد حكومة أديس أبابا، لتعنّتها.
وقال، إن «النظام السوداني والحكومة الإثيوبية، يحاولان تسييس الجانب الفني في أزمة السد، وكسب تعاطف شعبي، على حساب مصر، ومحاولة ابتزازها بكل الطرق».
وأضاف: «معركة أديس أبابا والخرطوم خاسرة على المستوى الدولي، لأن السد لا يتفق مع المعايير والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها إثيوبيا، بالإضافة لمخالفة المواصفات التي سيبنى عليها السد للاتفاق الإطاري الموقع بين الدول الثلاث». وتابع: «حياة المصريين لن تكون رهن تسييس واضح من الحكومة الإثيوبية، والنظام السوداني، الذي كشف الوقت على مدار الأشهر الماضية، أن الدولتين تستغلان وقت المفاوضات الفنية بين الدول الثلاث».
وشدد على «ضرورة الإسراع في اتخاذ كافة الإجراءات على مستوى المؤسسات الدولية لحفظ حقوق المصريين التاريخية في مياه النيل».
لم تقتصر الحلول التي طرحها مقربون من النظام على فكرة التحكيم الدولي بل امتدت للحل العسكري.
اللواء يحيى كدواني، وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب سبق وقال، إن على مصر اللجوء لكافة القنوات الدبلوماسية، في سبيل حل أزمة سد النهضة، بما فيها اللجوء للتحكيم الدولي والمحافل الدولية.
وأضاف أن «كافة الخيارات متاحة أمام مصر للحفاظ على أمنها القومي، بما فيها الخيار العسكري. فمياه النيل مسألة حياة أو موت لمصر، خاصة وأن النهر المصدر الوحيد للمياه بالنسبة لها، لذلك فلا تفريط في نقطة مياه واحدة».
وأوضح أن «مصر لا تسعى لاستخدام الحل العسكري في أزمة السد حاليا، ولكن حال استنفاد الطرق الدبلوماسية، فلن يكون أمامها سوى ذلك الحل لحماية شعبها وأمنها القومي، وبالتالي فهو ليس مستبعدا تماما، وهو أمر مشروع دوليا».
إلا أن النظام المصري يبدو أنه قبل بالأمر الواقع وبدأ اتخاذ خطوات لترشيد استخدام المياه تحسبا لانخفاض المياه الواردة في نهر النيل، فسن قانون لتقليص المساحات المزروعة بالمحاصيل الشرهة للمياه كالأرز، كما بدأ الحديث عن خطة إعلامية لتوعية المواطنين بضرورة ترشيد الاستهلاك إضافة للحديث عن البدء في تدشين محطات لتحلية مياه البحر.
وتخوض دولتا المصب (مصر، والسودان) ودولة المنبع (إثيوبيا) مفاوضات انطلقت قبل 6 سنوات، في محاولة لتجنب الإضرار بحصة مصر من مياه النيل (55.5 مليار متر مكعب) وتمكنت الدول الثلاث في أيلول/سبتمبر عام 2016 من التوصل لاتفاق مع مكتبين فرنسيين لإجراء الدراسات الفنية اللازمة لتحديد الآثار الاجتماعية والبيئية والاقتصادية المترتبة على بناء السد الإثيوبي.
وكانت مصر والسودان وإثيوبيا وقعت على «وثيقة الخرطوم» في كانون الأول/ديسمبر 2015 بشأن حل الخلافات بشأن السد تتضمن الالتزام الكامل بوثيقة «إعلان المبادئ» التي وقع عليها رؤساء الدول الثلاث في اذار/مارس 2015 وهي المبادئ التي تحكم التعاون فيما بينها للاستفادة من مياه النيل الشرقي وسد النهضة. ونص الاتفاق الذي وقع عليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والسوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين «على أن تقوم المكاتب الاستشارية بإعداد دراسة فنية عن سد النهضة في مدة لا تزيد عن 11 شهرا، ويتم الاتفاق بعد انتهاء الدراسات على كيفية إنجاز سد النهضة وتشغيله دون الإضرار بدولتي المصب مصر والسودان».
وأشار إلى أن أهم ما يشغل مصر الآن هو الاتفاق على حيثية ومعايير محددة يتم الملء وفقًا لها، بوضع كل الاحتمالات المتوقعة لكميات المياه والفيضان والأمطار خلال فترة ملء خزان السد بما لا يؤثر على استخدامات مصر من المياه ويقلل من معدلات الضرر المتوقع، وليس تحديد سنوات الملء والاتفاق على عدد محدد من السنوات مع إثيوبيا كما يحاول الجانب الإثيوبي الوصول إليه.
وتتبادل القاهرة وأديس أبابا الاتهامات بشأن تعثر المفاوضات، فبينما تقول القاهرة إن أديس أبابا والخرطوم يرفضان التقرير الاستهلاكي الذي قدمته الشركة الاستشارية، تقول إثيوبيا إن المفاوضين المصريين هم سبب التعثر، بطرحهم لاتفاقية 1959 الموقعة بين السودان ومصر، والتي تمنح القاهرة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا من مياه نهر النيل، فيما تحصل الخرطوم على 18.5 مليار متر مكعب» معتبرة أن هذه الاتفاقية لا تعنيها ولن تتحدث بشأنها، في إشارة لعدم التزامها بحصة مصر التاريخية.
تامر هنداوي