آخر «حكواتية» الشام يزين ليالي دمشق الرمضانية

حجم الخط
0

بعد انتهاء طقوس الإفطار وصلاة التراويح، يبدأ العشرات بالتجمع في مقهى «النوفرة» أحد أقدم مقاهي العاصمة السورية دمشق، في انتظار حكاية أخرى سيرويها على مسامعهم آخر «حكواتية» الشام.
وبحركات مميزة، يرتدي الحكواتي أحمد اللحام (60 عاماً) العباءة والطربوش التقليديين، ويعتلي كرسياً في صدر المقهى الشعبي الذي يقع في قلب حارات دمشق القديمة، ممسكاً بيده اليمنى سيفاً معدنياً وباليسرى كتاباً قديماً ذو أوراق صفراء وحروف سوداء كتبت بخط اليد، ويستعد لبدء فصل جديد من حكاية عنترة بن شداد، مكملاً ما توقف عنده الليلة الفائتة.
تعلو وتنخفض نبرة صوت اللحام ـ أبو سامي – تماشياً مع إيقاع وأحداث الحكاية، وفي ذروة التشويق يضرب بالسيف الحديدي على طاولة صغيرة بقربه، لتعلو أصوات الحضور من شبان وشابات ورجال ونساء تفاعلاً معه ومع ما يقوم به أبطال القصة أو ما يتفوهون به من جمل وعبارات ذات مغزى. وبعد حوالي نصف ساعة ينهي أحداث هذا الجزء مغلقاً كتابه وتاركاً مستمعيه في شوق لحكاية اليوم التالي.
ويتحدث الحكواتي لـ»القدس العربي» عن شغفه بهذه المهنة التي عشقها منذ زمن، ويمارسها منذ حوالي سبع سنوات كهواية إلى جانب مهنته في مجال صناعة وبيع المفروشات، وذلك لشعوره بالحاجة للحفاظ على هذا التراث من الانقراض.

مهنة مركبة

بدأ عشق اللحام للروايات والحكايات منذ الصغر حيث اعتاد التهام الكتب على اختلافها مما أعطاه خيالاً واسعاً ومقدرة لغوية كبيرة. وكان لممارسة خاله مهنة الحكواتي أثر كبير عليه فورثها عنه، وكان يمارسها بشكل متقطع لسد الفراغ في مقهى النوفرة، إلى أن بدأت الحرب وبرزت الحاجة إليه كبديل للحكواتية الذين توفي بعضهم وتعذر على البعض الآخر متابعة العمل.
«لم أفكر بالعمل كحكواتي إلا عندما تناقصت أعداد الحكواتية في دمشق بشكل كبير»، يقول اللحام الذي يعتبر من آخر ممارسي هذه المهنة المحترفين في دمشق اليوم ويضيف: «أعمل بشكل يومي دون انقطاع في هذا المقهى وأعتبر عملي هذا بمثابة الهواية، فهو في نهاية الأمر لا يدر دخلاً كبيراً كمعظم المهن التقليدية اليوم».
لا يعني ذلك بأن الحكواتي مهنة ســهـلــة، وهــي في رأي اللــحـــام تتضــمن فن الخطابة والــوعــظ والأدب والتــوجــيه الفكري لإيصال رسالة للجمهور بطرق مختلفة.
وبذلك، يشبه المتحدث الحكواتي بالخطيب الذي يجب ان تتوفر لديه موهبة وأهلية الخطابة والإلقاء وشد المستمعين طوال فترة رواية القصة، وعليه من أجل ذلك الاستعانة ببعض الكلمات المفتاحية والأمثال الشعبية والأشعار، وتغيير نبرة الصوت وطريقة الحديث التي يجب أن تختلف بين بداية وصلب وخاتمة الحكاية، وأيضاً ذلك السيف الحديدي الذي يساعده عند ضربه بالطاولة على إعادة الجمهور لجو الحكاية في حال شرودهم عن المتابعة.

مخاوف من الزوال

رغم الحرب التي عاشتها دمشق على مدار السنوات الفائتة، استمر مقهى النوفرة بتقديم طقس الحكواتي بشكل شبه يومي خاصة خلال شهر رمضان، ولم يمر يوم دون وجود زبائن يحضرون خصيصاً للاستماع لحكايات الملك الظاهر بيبرس أو عنترة بن شداد، وهما الروايتان الأساسيتان اللتان يتناوب الحكواتي على قصّ أجزاء منهما بشكل يومي، وتستغرق كل منهما حوالي العام الكامل لإنهائها.
«حتى في أسوأ اللحظات التي خيم فيها الموت على المدينة، لم أتوقف عن القدوم ومتابعة الحكاية، فعلى الحياة أن تستمر رغم كل شيء، وكنت أسعد بتفاعل الناس معي ومع حكاياتي التي تأخذهم لعالم آخر مختلف»، يضيف الحكواتي.
ومع ذلك، لا يخفي تخوفه من اندثار هذه المهنة مع غياب أي اهتمام رسمي أو غير رسمي بها، ويعتقد أن الوقت قد حان لبذل جهود من وزارة الثقافة أو السياحة على سبيل المثال لتعليمها لشباب جدد قادرين على مزاولتها، ويتمتعون بفن الإلقاء والخطابة وهما موهبتان أساسيتان لمهنة الحكواتي، ولا بد بالطبع من صقلها وتدريبها.
ينهي حكواتي اليوم أمسيته ويجلس ليحتسي كأساً من الشاي ويدخن نرجيلته التي يحرص على إعدادها بنفسه. على الجدران الخشبية خلفه تتربع صور ولوحات تبين إحداها حكواتي دمشق الأول عبد الحميد الهواري الذي توفي عام 1956، ويأمل أن يستمر هذا التقليد دون أن يختفي كبعض التقاليد الدمشقية التراثية التي طواها النسيان والإهمال أو غيبتها ظروف الحرب.

آخر «حكواتية» الشام يزين ليالي دمشق الرمضانية

زينة شهلا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية