ما بين «كسر الصمت» و«2048»: فضح المؤسسة العسكرية والتنبؤ بزوال الكيان الصهيوني

العديد من المؤلفات والأعمال الفنية التي تصدر لتندد بأفعال الكيان الصهيوني في الأرض المحتلة، سواء كانت عربية أو غربية، تبدو كأصوات كاشفة وفاضحة لسياسات الاحتلال. لكن في الآونة الأخيرة ظهرت مثل هذه الأعمال من داخل الكيان الصهيوني نفسه، سواء من خلال منظمات مدنية أو فناني السينما. كان فعل التوثيق هو السبيل للكشف عن فساد الدولة المزعومة، التي تحتال بمسمى أو مفهوم الديمقراطية وتستميت في تمثله، مقارنة بدول الجوار المعروف سلفاً كيف تكون وتعيش أنظمتها الحاكمة.
ومن داخل إسرائيل تتصاعد أصوات المغضوب عليهم من السلطة الإسرائيلية نفسها. ذلك من خلال عملين أولهما كتاب توثيقي تم من خلال منظمة بعنوان «كسر الصمت»، والآخر فيلم عنوانه «2048»، ينتهج التوثيق متوسلاً بالخيال، ليعلن في النهاية زوال هذا الكيان المسمى بـ (إسرائيل).
و»كسر الصمت» منظمة غير حكومية تأسست عام 2004 بمبادرة من جنود إسرائيليين وعدد من كبار المحاربين السابقين في الجيش، حيث تقوم المنظمة بجمع شهادات حول العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وقد جمعت أكثر من 700 شهادة من المجندين وجنود الاحتياط، التي تتناول أكثر من عشر سنوات منذ بداية الانتفاضة الثانية. وتهدف المنظمة إلى فضح المؤسسة العسكرية والحكومة الإسرائيلية أمام الرأي العام الإسرائيلي والعالم، وهي المرّة الأولى التي يتم فيها ذلك من خلال وجهة نظر إسرائيلية خالصة، مما كان له التأثير الكبير داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية والمتشددين، الذين حاربوا المنظمة إعلامياً، حتى أنهم وجهوا هجوماً عنيفاً لكتاب يستعرض هذه الشهادات قبل صدوره، بمجرد إعلان المنظمة عن فكرته!

ويكيليكس إسرائيلي

يتضمن الكتاب شهادات أكثر من مئة من الجنود السابقين في الجيش الإسرائيلي، يتناول تجربتهم داخل الأراضي الفلسطينية، وما كانوا يقومون به من أعمال طالما ادعت الحكومة والعسكرية الإسرائيلية أنها فقط أعمال وقائية، ولكنها في حقيقتها عمليات عسكرية هجومية منظمة، وهو ما يتنافى والموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية الذي يؤكد أن وجود الجيش في هذه المناطق يُعد عملاً وقائياً ليس أكثر. كما يشير الكتاب، إلى أن الجيش الإسرائيلي يتبع سياسة أخرى تقوم على (الفصل)، أي عزل الفلسطينيين ليس فقط عن الإسرائيليين، بل أيضاً عن بقية الفلسطينيين في المناطق الأخرى، سواء في الضفة الغربية أو في غزة. كذلك اعتاد المستوطنون مهاجمة الفلسطينيين، بدون أي تدخل أو ملاحقة من قِبل الجيش، كما يتلقى بعض الجنود الأوامر من المستوطنين بشأن كيفية التعامل مع الفلسطينيين.
من خلال شهادات الجنود وما يقومون به بالفعل داخل الأراضي الفلسطينية، يتضح أن الحكومة الإسرائيلية تريد أن يشعر الفلسطينيون بأنهم دوماً مراقبون وتحت السيطرة، ذلك من خلال مظاهر عدة يقوم بها الجيش، كتفتيش المنازل في أي وقت ولأسباب واهية، والتجول الليلي في الشوارع، وتفجير الغاز المسيّل للدموع والقنابل الضوئية، وخلق جلبة وصخب شديدين، بهدف إشعار الفلسطينيين بأن الجيش موجود في كل وقت وكل مكان، ولا يمكن مهاجمته، وهو ما يسمى في لغة الجيش الإسرائيلي «توليد الإحساس بالمطاردة» كما يقول إيهودا شاؤول، أحد مؤسسي منظمة «كسر الصمت»، البالغ من العمر 27 عاماً، الذي خدم في صفوف الجيش لمدة ثلاثة أعوام بين 2001 و2004.

أطلقوا النار بدون أسئلة

يستطرد شاؤول قائلاً، إنه خلال خدمته العسكرية في الخليل، حيث يعيش 600 مستوطن يهودي متطرف بين حوالي 220 ألف فلسطيني، كان يتفنن هو ورفاقه الجنود في كيفية إذلال الفلسطينيين، من تفتيش سياراتهم وإيقاع الضرر بممتلكاتهم وتدنيس أمواتهم وتحويل حياتهم إلى جحيم. وطالما تمنى شاؤول محاكمته، إذ أنه ارتكب خلال خدمته العسكرية أعمالاً عديدة يستحق بسببها قضاء عشرات السنين في السجن. وأوضح سبب عدم محاكمته قائلاً، إن محاكمته كانت ستورط رؤساءه أيضاً، مضيفاً أنه كان يتمنى لو حدث ذلك، لأن لو تم ذلك لكان حقق الحدث السياسي الأهم في حياته، أي تحمّل مسؤولية ما فعله، وأضاف أن مجمل نظام الظلم الممارس في الضفة الغربية كان سيحاكم معه أيضاً. وفي أعقاب أحداث غزة يستحضر الكتاب شهادة أحد الجنود الذي قال «كانت الأوامر تتلخَّص بعدم الالتزام هذه المرة بالتي كنا نتلقاها سابقا وتدعو إلى تفادي التعرض للمدنيين… قيل لنا إن واجهتم مشكلة ما أطلقوا النار بدون طرح أسئلة».
وتستمر الشهادات المفزعة فيقول أحد أفراد لواء «جفعاتي» إنه سمع مجموعة من الجنود يتحدثون على العشاء قائلين إنهم طرقوا باب أحد المنازل، ولم يسمعوا أي جواب، فقاموا بوضع قنبلة تستخدم في العادة لدك الأبواب وتسهيل دخولهم، ولكن في لحظة تفجير القنبلة فتحت سيدة الباب، ما تسبب في تعرضها للانفجار وتطاير أشلائها على الحائط. وأضاف أحد الجنود أن أطفالاً خرجوا بعد الانفجار ليشاهدوا أشلاء والدتهم، إلا أن أحد الجنود أدلى بتعليق هو أن ذلك الحدث كان أمراً مضحكاً وأعقب هذا التعليق بضحكة عالية! كما أشار أحد الجنود إلى حادثة إرسال شاحنة عسكرية في قرية طوباس عام 2003 وإلقاء قنابل الصوت في الشارع لإيقاظ الناس، فقط للتأكيد بأن جيش الاحتلال متواجد في المنطقة، كذلك يستطرد الجندي نفسه، متذكراً واقعة إطلاق النار على رجل أعزل في نابلس عام 2002، وقد أمر قائد السرية بإطلاق النار على رجل أعزل، مع علمه أنه لا يشكل أي خطر، إضافة إلى ربط رجل فلسطيني آخر أمام مركبة عسكرية كدرع بشري خلال التجول في الشوارع تفاديا للرشق بالحجارة.

«2048»

فقط مئة عام هي كل عُمر دولة إسرائيل (1948 ــ 2048) وستصبح أثراً من آثار التاريخ، مجرد ذكرى مشوّشة في عقول مَن عاصروها. ليتحول حلم ثيودور هرتزل إلى وثائق متربة تتحدث عن دولة كانت، ومقابر مندثرة في أماكن متفرقة، ولاجئين في دول العالم يحلمون من جديد بالعودة إلى الأرض الموعودة. هكذا يرى الفيلم العبري «2048» لمخرجه يارون كفتوري زوال الكيان الإسرائيلي عن العالم، فإسرائيل ستأكل نفسها، وستصبح مجرد عاديات أثرية في متجر رجل فلسطيني يحكي عن تاريخ قديم لم يعرفه أحد، وقد عاد الفلسطينيون إلى أراضيهم وإقامة دولتهم، حسب دورة التاريخ وحتميته.
يرى الفيلم أن الكيان المسمى دولة، أنها دولة بوليسية في الأساس، كما أن مشكلاتها الداخلية المتأصلة، التي لا تحب إسرائيل ذكرها وكأنها من التابوهات، هي التي ستقوّض هذا الكيان وتفنيه. فالفساد المستشري لدى الفئة الحاكمة، والنزاع الطائفي العلماني، والمعاملة السيئة للعمال الأجانب، والتفاوت الطبقي الصارخ، كلها أسباب كافية لتدمير إسرائيل ذاتياً، ليصحو العالم ذات يوم ويبحث عن اسم إسرائيل في متحف التاريخ، بعد مئة عام من كابوس ثقيل كان يجثم على ضمير هذا العالم.
من خلال خيال توثيقي يحاول مخرج إسرائيلي، يوجو نيتزر، في عام «2048» البحث عن إسرائيلي الشتات الجديد، بعدما دُمرت إسرائيل وانتهت تماماً، ولم تعد باقية فقط إلا في ذكريات مَن شهدوا نهايتها وعاصروها. وعن طريق حوارات مُتخيّلة يحاول الفيلم اكتشاف أسباب ما حدث، وشعور هؤلاء بعد زوال دولتهم. وهنا لا يوجد إلا قِلة من الناس تروي حكاياتها بالعبرية واليديشية ــ لغة الأشكيناز ــ عن كيفية طرد العرب لليهود، وإقامة الدولة الفلسطينية. وشهود العيان هؤلاء، والمشتتون في عدة أماكن كقبرص وغيرها، استشعروا خطر زوال دولتهم، ففروا هاربين، ليواصلوا حلماً قديماً بمجرد فقط العودة إلى أرض الميعاد، والعيش كأقلية مسالمة ورعايا في الدولة الفلسطينية.
تبدأ حكاية الفيلم بعثور المخرج الشاب في عام 2048 على شريط لفيلم وثائقي، قام جده بتصويره عام 2008، في الذكرى الستين لتأسيس الكيان الصهيوني، وما كان عليه من صلف وتعنت، ليسرد الواقع الإسرائيلي الحالي، من وجهة نظر الماضي، وبالعودة إلى عام 2048 اللحظة الراهنة للمخرج، وبالمقابل لا يجد من إسرائيل التي كان يشاهدها كما صورها جده سوى مقابر تشهد على وجودهم في ما مضى، وبعض الجرار الفخارية التي تحتفظ برماد موتاهم، وقسم مهجور للدراسات الصهيونية في مكتبة برلين يعلوه التراب ولا يقربه أحد، وكأنهم لا يريدون تذكّر هذا التاريخ البائد، إضافة إلى متجر لبيع التذكارات في فلسطين، حيث يقوم فلسطيني ببيع السائحين آثار تاريخ كان ولن يعود.
يرى مخرج الفيلم وكاتبه يارون كفتوري أن اليهود اليوم لا يزالون يعيشون على تقاليد الصهيونية البالية، ويحيون على أساطير تاريخية لا أساس لها من الصحة، فالصهيونية عيوبها كثيرة وأبرزها الانشغال المفرط بالذات، والتعالي ورفض الآخر، لتصبح بهذا الشكل عبارة عن مجرد محاولة أيديولوجية فاشلة، مصيرها إلى زوال. فيقول «إسرائيل اليوم مختلفة تماماً عن حالها قبل عدة عقود حينما أردناها دولة ديمقراطية وليبرالية، فصارت شوفينية لا تؤمن إلا بالقوة». المخرج الذي عارض من قبل احتلال الأراضي العربية عام 1967، يرى الآن أن الخطر الداخلي أشد من مخاطر إيران والعرب وغيرها من التهديدات الخارجية. ورغم المهاجمة الشديدة للفيلم، خاصة من قِبل اليمين والمتطرفين اليهود، إلا أن بعض الأصوات العاقلة داخل إسرائيل رأت في الفيلم أنه يسرد نتائج حتمية لواقع شديد القلق والاضطراب.

11ADA

ما بين «كسر الصمت» و«2048»: فضح المؤسسة العسكرية والتنبؤ بزوال الكيان الصهيوني

محمد عبد الرحيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية