واشنطن ـ «القدس العربي»: وصف البيت الأبيض قطر بأنها شريكة في القتال ضد المتطرفين، وأشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال أستقباله الأمير تميم بن حمد ال ثاني أثناء زيارة إلى واشنطن قائلا انه من أكبر المدافعين عن فكرة وقف تمويل التطرف.
الزيارة الودية التي قام بها أمير دولة قطر إلى الولايات المتحدة شكلت تحولا ملحوظا في موقف ترامب الذي كان يتعامل مع قطر لأسباب غير مفهومة، كجزء من المشكلة وليس جزءا من الحل. وفي الواقع، هناك اجماع بين جميع الخبراء ان قطر نجحت في تغيير لغة ترامب تجاهها بعد ان كرر الرئيس الأمريكي في مرحلة ما ادعاءات بعض الدول الخليجية بانها تقدم الأموال للجماعات المتطرفة وتغذي إيران.
انحياز ترامب للمغالطات التي كانت ترددها دول الحصار سببت له خلافات جوهرية مع أعضاء حكومته، بمن فيهم ريكس تيلرسون الذي كان حينذاك وزيرا للخارجية، وقد وعد ترامب القيادة القطرية بالمساعدة في حل الخلافات في منطقة الخليج العربي ولكن جهوده لم تذهب إلى أي مكان في حين وقعت قطر التي تستضيف قاعدة العديد التي تضم قرابة عشرة آلاف جندي أمريكي اتفاقيات مع الأمم المتحدة والولايات المتحدة لتبادل المعلومات بشأن الإرهابيين وامداداتهم المالية. طلب ترامب من قادة الخليج خلال الأشهر الماضية إصلاح علاقاتهم مع بعضهم ولكن الأزمة لم تكن ذات أولوية بالنسبة إلى البيت الأبيض. وقد تعرض ترامب لاتهامات من جانب العديد من المحللين الأمريكيين بانه يشعر بالرضى عن استمرار جمود الأزمة قبل زيارة الأمير القطري.
ترامب لم يعد يمارس سياسة تكرار المزاعم أو عدم التدخل في الأزمة الخليجية، إذ انعطف موقفه إلى حد التدخل، وبدلا من نشر التغريدات التي تكرر مزاعم لا أساس لها من الصحة تجاه قطر، فقد أرسل وزير خارجيته مايك بومبيو إلى الشرق الأوسط ليقرأ أمام السعوديين بيانا جاء فيه بانه يجب إصلاح المشكلة مع القطريين، وأدرك ترامب ان مصلحة الولايات المتحدة تقتضي وجود مجلس خليجي موحد غير مفكك إلى جانبها.
واعترف خبراء واشنطن ان قطر نجحت في مواجهة الحصار الذي تفرضه السعودية والإمارات والبحرين ومصر، إذ استخدمت قطر مواردها المالية بحكمة وأقامت صناعات جديدة وأعادت أنماط الرحلات وعمقت علاقاتها مع قوى إقليمية، وبرهنت الإجراءات القطرية الذكية عن حقيقة مفادها ان دولا كثيرة قد انحازت إلى جانب قطر أو انها على الأقل غير متعاطفة مع خطط دول الحصار.
ولاحظ الأمريكيون انتشار تداعيات الأزمة الخليجية إلى ما وراء المنطقة وظهور تحالفات جديدة، ولم تكن هناك حاجة إلى التدقيق لمعرفة ان رياح الأزمة وصلت إلى شمال افريقيا وجنوب الصحراء، ولاحظوا أيضا، ان محاولات عزل الدوحة قد وصلت إلى مرحلة تافهة جدا من نمط نشر الأخبار المزيفة عن قطر والتسريبات الاستراتيجية ومحاولات الإحراج كما صارت رسائل البريد الالكتروني لسفراء الإمارات ممتلئة بمزاعم هدفها الثأر.
وأشاد خبراء وصناع السياسة في الولايات المتحدة بعودة الحس السليم في سياسة ترامب تجاه الأزمة الخلجية ولكن الانتقادات لم تتوقف بسبب موقفه السابق، إذ قالوا ان السياسة الخارجية لترامب وصلت إلى مرحلة تعسفية مع طابع درامي ولكن موقفه في البداية من الأزمة الخليجية كان محيرا إلى درجة كبيرة إذ لم يفهم الوسط السياسي في واشنطن كيف يمكن للرئيس التخلي فجاة عن حليف قوى مثل قطر؟ وكيف يمكنه اتخاذ إجراءات تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة؟
كيف يمكن فهم التحول الذي بلغ 180 درجة في سياسة ترامب؟ الإجابة كانت واضحة في قدرة الدبلوماسية القطرية على شرح موقفها داخل البيت الأمريكي، ولكن العديد من المحليين تعاملوا مع المشكلة بتعمق أكثر لان قطر، في الواقع، لم تكن في حاجة إلى بذل أي جهود لشرح موقفها لو لم تكن هناك محاولات غير مفهومة من بعض الأطراف للإساءة إلى موقف قطر وخلق ماكنة من الأكاذيب والشائعات ضدها داخل الإدارة الأمريكية والولايات المتحدة.
القصة ليست كاملة، ولكن التقارير ما تزال تظهر بشأن الخطط التى كان يطرحها في واشنطن العديد من مبعوثي السعودية والإمارات، مثل دور مؤسس جماعة بلاك ووتر، وهي جماعة مرتزقة سيئة السمعة، في تنظيم حملة إعلامية لمساعدة ترامب على الفوز في الإدارة من جاسوس إسرائيلي. واعترف العديد من السياسيين الأمريكيين ان أمراء السعودية والإمارات حرصوا على فوز ترامب بالرئاسة.
وهكذا أصبحت السياسة الأمريكية الخارجية ثابتة في الدفاع عن مصالح دول يعتقد انها دعمت انتخابات عام 2016 بما في ذلك تكرار مزاعم لا أساس لها من الصحة ضد حليف استراتيجي للولايات المتحدة مثل قطر إضافة إلى الغاء الاتفاق النووي مع إيران وهو إجراء يرى العديد من المحللين بانه يزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط.
الصحافة الأمريكية تناولت صفقات بعض دول الخليج مع مساعدي ترامب باهتمام كبير من أجل حل لغز السياسة الخارجية لترامب، وقد وصلت اتهامات العديد من المراقبين إلى القول ان الحملة الانتخابية لترامب وصلت إلى حد الاندفاع المجنون في بيع السياسة الخارجية الأمريكية في مزاد علني، وان ما حدث في الواقع، هو خطوط عريضة لفضيحة أسوأ من ووتر غيت على نطاق واسع، وان بعض الأطراف الخارجية قد استخدمت أساليب غير قانونية.
واتفق المحللون الأمريكيون على حقيقة واحدة هي ان من المستحيل الاعتراض على القول بان بعض الدول التي قدمت عروضا لمساعدة ترامب على الفوز في الانتخابات قد استفادت بشكل مستمر ولكن الكشف عن احتمال تدخل السعودية والإمارات قد أخذ الأمور إلى مستويات أعلى بكثير. إذ دعمت إدارة ترامب خطوات ولي العهد السعودي بدون حكمة، بما في ذلك التحرك ضد قطر.
ولم يكن من المفترض ان تصل الأمور إلى هذه النقطة لو لم تكن الأجواء السياسية الأمريكية ملوثة للغاية، إذ انتقلت الحرب بين الديمقراطيين والجمهوريين من مناقشات واتهامات حزبية إلى مرحلة استمالة حكومات أجنبية واستخدام بيانات مسروقة.
11HAD
رائد صالحة