عام مرّ على الأزمة التي تجلّت بإعلان الدول الخليجية الثلاث ومصر قطع علاقاتها الدبلوماسية وإغلاق كافة المنافذ البرية والبحرية والجوّية مع قطر، من دون أن تلوح في الأفق بوادر إيجابية حول إمكانات الحل. الصخب الذي رافق بدايات الحصار تراجعت وتيرته إلى الحد الأدنى حتى الصمت. حُجبت الأضواء عن هذا «الحدث»، لكن ذلك لا ينفي حقيقة وجود أزمة قائمة بأبعادها وانعكاساتها المتعددة، سواء أكان على مستوى الوحدة الخليجية ومؤسساتها وفي مقدمها مجلس التعاون الخليجي، أم على علاقة أبنائها المتحدّرين من جذور واحدة وتربط بينهم أواصر القربى والنَسَب.
الوساطة الكويتية التي قام بها أمير الكويت اصطدمت بجدار السقوف المرتفعة وأخفقت. قطر نجحت في استيعاب الصدمة والتأقلم، وإن كان بكلفة باهظة، لكن الاستحقاقات المقبلة تُشكّل في حقيقة الأمر التحدّي الأساسي.
أضحت واشنطن «الوسيط الوحيد»، لا بل «العرّاب» بين حلفائها. تعود الأزمة إلى الأضواء مع التصريحات الأمريكية، ويسعى كل طرفٍ إلى تفسيرها لمصلحته. المعطى الوحيد المتوفر أنه حين يصبح حل الأزمة مطلباً أمريكياً جدّياً سيتم ذلك. في الوقت الضائع منذ قمة الرياض في أيار/مايو 2017 ولسنة تلت، لا أسباب ضاغطة لفرض الحل، ما دامت دقائق الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة وآلياتها التنفيذية لم تُنجز بعد. لا يمكن للمراقبين قراءة سياسة قطر بمعزل عن التوجّه الأمريكي. ما هو حاصل أن السياسة الأمريكية في عهد دونالد ترامب انقلبت رأساً على عقب، هي نقيض سياسة باراك أوباما ومشروعه الداعم لـ «الإسلام السياسي». الاستدارة تحتاج إلى وقت وترتيبات لهضمها.
ثمة تحوّلات جذرية تحصل في المنطقة مع الإدارة الأمريكية الجديدة كانت حتى الأمس القريب ضرباً من ضروب الخيال. مَن كان يظن أن يد إيران، التي كانت طليقة في عهد أوباما على مدى 8 سنوات حيث تغلغلت وتمددت بأذرع عسكرية، يمكن أن يأتي وقت لتحجيمها؟ مَن كان يتوقع أن صعود «الإسلام السياسي» في سنوات «الربيع العربي» يمكن أن يشهد هكذا انهيار؟ ومَن كان يتوقع أن يشهد النزاع العربي – الإسرائيلي هذا القدر من التحدّيات، وأن يذهب رئيس أمريكي في ترجمة وعدٍ انتخابي، تبنّاه كل المرشحين السابقين، بنقل سفارة بلاده إلى القدس؟ مِن هنا يمكن البدء بالنقاش حول أفق الأزمة الخليجية.
ما قاله وزير الخارجية الأمريكية هو أن «وحدة الخليج ضرورية لضمان أمن الإقليم»، وأنّ «الوحدة الخليجية ضرورية ونحن نحتاج إلى تحقيقها». كان ذلك قبل إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني والعودة إلى العقوبات وقراره باتخاذ عقوبات إضافية. اليوم تم الانتقال إلى الخطوات العملية.
ثمّة مذكرة تفاهم لإنشاء مركز لاستهداف تمويل «الإرهاب» وقّعته دول مجلس التعاون الخليجي الست والولايات المتحدة خلال القمة الأمريكية – الخليجية في الرياض السنة الماضية، وقد خضع بالأمس القريب إلى الامتحان الأصعب المتمثل بتبنّي أعضائه قرارات العقوبات التي تتخذها وزارة الخزانة الأمريكية ضد كيانات وأفراد ومؤسسات. لم تشذّ قطر عن شقيقاتها. تبنّت الإجراءات الأمريكية، بما يؤمّن لها الثناء الأمريكي وتوفير المظلة.
لا يتوقع متابعون أمريكيون قريبون من إدارة ترامب أن تتنازل قطر للدول الأربع. ما يهمّ واشنطن أن تسير الدوحة في خط التوجهات الأمريكية، وأن يُؤمّن الجميع متطلبات النجاح لاستراتيجية محاصرة إيران.
توفير تلك المتطلبات لمحاصرة إيران يتطلب في البداية توفير منفذ لقطر، التي تُشكّل الأجواء الإيرانية ملاذها وباتت حاجة لها، فيما المطلوب اليوم تضييق الخناق على طهران. استفادت إيران من الأزمة الخليجية، الأمر الذي لا يمكن استمراره إذا كان للاستراتيجية الأمريكية أن تنجح. أمريكا تريد خنق إيران وأذرعها وميليشياتها ومصادر تمويلها من بوابة العقوبات الاقتصادية والمالية، وهذا يتطلب تدابير وإجراءات قاسية قد تصل إلى حدود إغلاق المنافذ مع إيران وفرض عقوبات على الدول التي تخرقها.
ما تشي به أجواء فريق ترامب أن الرجل ليس في وارد خوض معارك خاسرة، والمعركة التي خاضها بسلاح «القوة الناعمة» ضد كوريا الشمالية أعطت نتائجها، لأن العقوبات الاقتصادية التي فُرضت عليها كانت جدّية، ووقفت واشنطن بالمرصاد للصين حين أرادت الالتفاف عليها. وحين يذهب اليوم ترامب إلى رفع «سيف العقوبات» في وجه طهران، فإنه لن يرضى بأن يتم الالتفاف عليها وتفريغها من مضمونها، كما كان يجري سابقاً.
لا أفق لحل الأزمة مع قطر سوى من نافذة واشنطن. ثمة معلومات تحدثت عن طلب أمريكي من أمير الكويت التنحّي عن ملف المصالحة. تلك المصالحة، التي وإن حصلت، فإنها لا يمكن أن تعني عودة المياه إلى مجاريها. فالعلاقة بين قطر والسعودية تشوبها، منذ عقود، حال من عدم الثقة بين شقيق أكبر وشقيق أصغر آل طموحه إلى لعب أدوار أكبر من حجمه، وإلى تجاوز ما يراه الشقيق الأكبر خطوطاً حمر. والذهاب إلى حل الأزمة بين دول الخليج الثلاث (السعودية والإمارات والبحرين) ومصر وبين قطر سيرتكز على الملفات الخلافية وبُعدها السياسي على صعيد العلاقة بين تلك الدول وقطر، بل على صعيد التداعيات التي أصابت مجلس دول التعاون الخليجي الذي أصابه الشلل فيما كان يتجه إلى تطوير علاقاته باتجاه حال اتحادية، فكان أن تسلل القلق إلى الدول الصغرى، ولاسيما الكويت وسلطنة عمان، مما أفضى إليه واقع الحال الخليجية.
ستتّجه الأنظار، في المدى المنظور، إلى مركز استهداف تمويل «الإرهاب» الذي اتخذ من الرياض مقراً له. لا أحد يقول إنه بديل عن إطار مجلس التعاون الخليجي الذي وُلد عام 1989، ولن يتم قول ذلك، لكن في النتائج العملية لواقع دول الخليج، يبدو وكأنه ما عاد يربط بينها سوى هذا العنوان: «عنوان مكافحة الإرهاب واستهداف مصادر تمويله»، وما يتطلبه ذلك من خطوات سياسية واقتصادية وأمنية وحتى عسكرية.
11HAD
رلى موفّق