الدوحة ـ «القدس العربي»: سنة تمر على الحرب الإعلامية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي تشنها أبو ظبي والرياض والمنامة والقاهرة على الدوحة، وارتدت تبعاتها على مفتعلي الأزمة لتكون حربا خاسرة عليهم.
365 يوما كانت حبلى بتطورات غير متوقعة لقادة دول تصوروا تحقيق انتصار سريع، وتوجيه ضربة موجعة لغريمتهم، التي تجاوزت وعلى عكس أمانيهم إرهاصات الأزمة بحرفية عالية، ومن دون أي خسائر وخرجت على العكس منتصرة.
فشل الإمارات، والسعودية، والبحرين، في تحقيق أي هدف من حصارها المفروض على جارتها قطر، يدفع بعرابي العملية إلى التقليل من شأن الأزمة التي استحدثوها، ووصفها بأنها «صغيرة جدا جدا» بلغة اليائس، كما جاء على لسان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وتهافت الآخرون لتكرار النغمة نفسها.
دول الحصار تسوق حتى الآن، قراراتها العقابية التي فرضتها جماعيا على الدوحة قبل 12 شهرا، على أنها إجراءات «مؤسفة لكنها ضرورية» ولم ترغب في البوح بمكنونات نفسها على أنها تدابير تهدف لإخضاع القطريين «المزعجين» بالنسبة إليهم، وإدخالهم بيت الطاعة ليغردوا معهم الإيقاع نفسه من دون استقلالية في قرارهم.
أولى الصفعات تلقتها دول الحصار من واشنطن (مع أنها ابتهجت للحظات بتغريدات خارج السياق للرئيس ترامب) واصطدمت لاحقا بموقف المؤسسات الرسمية، التي انتقدت خيارات الثلاثي، ورفضت الانسياق خلف مخططاتها.
أبدى وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون، ووزير الدفاع جيم ماتيس، دعمهما المطلق للدوحة، بل وظهر نفاد صبر تيلرسون فيما يتعلق بقائمة المطالب التي وصفها بالمتطرفة،
في الوقت الذي اعتبر فيه الموقف القطري مقبولا.
تهمة تمويل الإرهاب التي كانت رأس حربة المحاصرين لقطر، وحاولوا استخدامها ورقة ضغط لاستجداء تعاطف المجتمع الدولي، ارتدت عليهم، وطالت الرياض تحديدا، انتقادات، واعتبرت أنها الطرف الذي يتحمل القسط الأكبر من اللوم في تمويل الإرهاب.
واستبقت الدوحة المسار، بتوقيعها اتفاقية لاستهداف تمويل الإرهاب مع الولايات المتحدة، وهو ما لم يفعله أي من خصومها.
وأوضحت عدد من المؤسسات البحثية المتابعة، أن مساعي كل من السعودية والإمارات، اللتين تقودان الحملة الممنهجة ضد قطر، تبوء بالفشل، وبدلًا من أن تحقق أهدافها برضوخ الدوحة بعزلها، فتحت للأخيرة مجالات أوسع في العلاقات الإقليمية والدولية.
كما عزز الحصار علاقات قطر مع القوتين الإقليميتين تركيا وإيران، والسلع تتدفق إلى أرصفة ميناء حمد الدولي ومطاراتها، من دون توقف.
معطيات المؤسسات البحثية تؤكد أن الاقتصاد القطري بعد الأزمة، يحقق نتائج أفضل، ومردوده أحسن، وصار هو الأسرع نموا في المنطقة، ويتميز بالتنوع. عكس اقتصادات دول الحصار التي فقدت سوقا حيوية وتكدست بضاعتها في رفوف مخازنها بعدما غيرت الدوحة وجهاتها التجارية. ويشير صندوق النقد الدولي إلى «إن التداعيات الاقتصادية والمالية المباشرة للأزمة بين قطر ودول الحصار بدأت تتلاشى» وهو تصريح يمكن اعتباره إقراراً دولياً بقوة الاقتصاد القطري.
ويرى الصندوق أنه رغم تأثر النشاط الاقتصادي فإن ذلك كان لفترة قصيرة، وأن قطر تمكنت من إنشاء خطوط تجارية جديدة بشكل سريع.
وبالمثل تعافى القطاع المصرفي القطري من نزوح الأموال وتمكن من التكيف، بعد أن ضخ مصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار سيولة في البنوك.
وفي السياق ذاته، أفاد وزير الطاقة القطري أن قطاع الصناعات الغذائية زادت طاقته الإنتاجية بأكثر من 300 في المئة في ثمانية أشهر بعد الأزمة، وأن الدوحة تســـعى للتــنــوع الاقتصادي وعلى رأس ذلك توسيع قاعدة الصناعة.
وأضاف أن عدد المصانع التي افتتحتها قطر خلال ثمانية أشهر منذ بدء الحصار، يساوي عدد المصانع التي افتُتحت وبدأت إنتاجها في السنتين السابقتين، مؤكداً أن قطر تستغل إمكانياتها الكبيرة من الطاقة لخلق وتوسيع الصناعات الثقيلة والمعدنية كالحديد والألمنيوم، والصناعات الأخرى التي تعتمد على البترول والغاز.
الدول المحورية تأكد لها بعد زوال تأثير اللوبيات المحدود مدفوعا بميزانيات ضخمة ضختها أبو ظبي تحديدا عبر سفيرها في واشنطن وهن الحجج التي تختبئ خلفها دول الحصار.
وحمل وزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو رسالة إلى السعودية تطالبها بإنهاء الحصار الذي تفرضه بمعية الإمارات والبحرين ومصر على قطر منذ مطلع حزيران/يونيو الماضي. بومبيو أبلغ الرسالة إلى نظيره السعودي عادل الجبير خلال لقائهما السبت في الرياض. كما حمل الرسالة نفسها إلى ولي العهد محمد بن سلمان في اللقاء الذي جرى بينهما وجددها إلى الملك سلمان بن عبد العزيز.
ووصفت «نيويورك تايمز» الرسالة التي حملها الوزير الأمريكي للسعودية في إطار أول جولة خارجية له منذ مصادقة الكونغرس على تعيينه وزيرا للخارجية بالبسيطة والواضحة، وأكدت أن بومبيو، مدير الاستخبارات السابق المحسوب على من يسمون جناح الصقور في إدارة الرئيس دونالد ترمب، حمل رسالة مفادها «كفى كفى» للحصار على قطر.
وقالت إنه بينما تفكر السعودية في شق خندق مائي يفصلها عن قطر ودفن النفايات النووية بالقرب منها، فإن مايك بومبيو يختار السعودية كأول دولة يحل فيها بعد تعيينه، مشيرة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم دعما قويا لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال لقائهما في البيت الأبيض في وقت سابق من الشهر. ووفق الصحيفة الأمريكية، فإن واشنطن تريد إنهاء الحصار على قطر، لأنها ترى أن مواجهة إيران وهزيمة تنظيم «الدولة» الإسلامية أوجب.
أبو ظبي والرياض تحديدا، تواجه حاليا بعد سنة من الحصار المفروض على جارتها، ضغوطا متزايدة من المنظمات الأممية.
وقالت منظمة العفو الدولية إن «الأزمة الخليجية لا تزال تؤثر على العديد من الأسر التي تتحمل وطأة النزاع السياسي مع دولة قطر» معربة عن مخاوفها من استمرار اضطراب حياة الآلاف من سكان الخليج نتيجة للنزاع.
وكشفت المنظمة أنها أجرت مقابلات ميدانية في قطر مع عدد من المتضررين، والتقت بمسؤولين من وزارات الداخلية والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية، فضلا عن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، لتقييم أثر الأزمة السياسية على حقوق الإنسان وأوضاع الأسر.
وقالت مديرة بحوث الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية لين معلوف، إن التدابير التي فرضتها السعودية والبحرين والإمارات، انتهكت حق عشرات الأسر في الحياة والتعليم وحرية التعبير. وأوضحت أن دول الحصار هددت مواطنيها بعقوبة قاسية إذا انتقدوا التدابير التي اتخذت ضد قطر، مشيرة إلى أن هذا تسبب في فصل صادم لكثير من الأسر المختلطة، دون أفق لإمكانية حل سياسي. وكشفت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر إنها استقبلت منذ بدء الحصار آلاف الشكاوى بانتهاكات، وذلك في تقرير يرصد آثار الحصار.
الأوراق التي حاولت لعبها دول الحصار ارتدت عليها في الأخير واحترقت في جيبها ولم تحقق أي انتصار في حربها غير المعلنة على شقيقتها قطر التي تتجاوز الأزمة بعزم وتحد بالغ حررها من عدد من القيود التي كانت مفروضة عليها وتعيقها من التقدم بثقة نحو المستقبل
11HAD
سليمان حاج ابراهيم