دمشق – «القدس العربي»: تعيش مناطق درعا والقنيطرة، آخر معاقل المعارضة جنوبي سوريا، تحت وطأة ضبابية المشهد السياسي في ظل تفاهمات معلنة وأخرى يكتنفها الغموض، فبينما يجري الحديث عن رغبة أمريكية بتعديل الاتفاق بشأن المنطقة اتبرز موافقة إسرائيلية مشروطة بانتشار قوات النظام قرب حدودها، على ان تبعد إيران وميليشياتها باتجاه العمق السوري.
ووسط ملامح الفوضى وتضارب التصريحات بين الحلفاء، برز إعلان روسيا عن اتفاق ينص بشكل واضح على انسحاب ميليشيات إيران من المنطقة الجنوبية من سوريا، وهو ما يتناقض مع مزاعم رأس النظام السوري بشار الأسد الذي نفى في لقاء مع قناة روسية وجود قوات إيرانية في سوريا.
اعلان موسكو بأن الاتفاق المبرم بشأن جنوب سوريا ينص على انسحاب القوات الإيرانية وميليشياتها المساندة لقوات النظام السوري في المنطقة وانتقالها إلى العمق بعيداً عن الحدود الجنوبية للبلاد، مرجحة تنفيذ ذلك خلال أيام معدودة، وجاء كرد سريع غداة تطرّق رأس النظام السوري بشار الأسد خلال مقابلة مع قناة روسية، إلى عدم وجود قوات إيرانية في سوريا، إذ قال «لم تكن لدينا أي قوات إيرانية في أي وقت من الأوقات، ولا يمكن إخفاء ذلك، ولا نخجل من القول بأن لدينا مثل هذه القوات لو كانت موجودة، فنحن من دعونا الروس وكان بإمكاننا أن ندعو الإيرانيين» لافتاً إلى وجود ضباط إيرانيين فقط.
وتتعارض تصريحات المسؤولين السوريين بمن فيهم الاسد مع تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي على وجود إيران في سوريا مضيفاً ان «إيران ستبقى في سوريا طالما هناك إرهاب، وطالما أرادت ذلك حكومة دمشق، حيث لا أحد يستطيع إرغام إيران على الخروج من سوريا، ومن يجب أن يخرجوا هم من دخلوا إلى هذا البلد دون إذن الحكومة». وهو كلام ينسجم مع ما قاله أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، قبل أيام، حيث أكد على الوجود الإيراني في سوريا بهدف محاربة الإرهاب، مشيراً إلى ان ذلك «جاء بطلب من الحكومة السورية، وهو قانوني وشرعي على عكس الوجود الأمريكي وبعض الدول الأخرى، كما أن إيران تعتبر أمن سوريا من أمنها القومي».
الميليشيات
وعلى ضوء تلك التصريحات رأى الباحث في الشؤون الروسية – التركية باسل الحاج جاسم أن الوجود الإيراني في سوريا لم يعد سراً على أحد، مرجحاً ان تكون هناك عمليات دمج لتلك الميليشيات المؤتمرة بإمرة طهران في إطار قوات شعبية أو ما شابه ذلك، بحيث لا تبقى بشكل منفصل، في محاولة لابعادها عن الاستهداف الإسرائيلي، لافتا إلى انه «لا يخفى على أحد أن أي حرب أو سلم في الجنوب لا بد أن يمر عبر بوابة إسرائيل التي تتحرك في المنطقة على كل الاتجاهات بدون رادع، كما الوزير على رقعة الشطرنج». ورأى الباحث السياسي «ان مستقبل الجنوب السوري مرتبط بتفاهمات دولية من جهة و اقليمية من جهة ثانية، ووسط كل هذا الأمن الإسرائيلي الذي هو أولوية روسية وأمريكية في الوقت نفسه».
وبالرغم من تضاؤل احتمالات الحسم العسكري الا ان وزير خارجية النظام وليد المعلم أعرب عن وجود احتمالين بما يخص الجنوب السوري، لافتاً في مؤتمر صحافي في دمشق، إلى أن حكومة بلاده «تسلك في بداية الأمر السبل التي اعتادت العمل بها وهي المصالحات وإن لم تنجح فهذا حديث آخر»، في إشارة إلى احتمال عودة المعارك، مشيراً إلى ان قوات النظام أسقطت منشورات تدعو المعارضة في الجنوب الغربي لتسليم أسلحتهم والتسوية مع النظام أو الرحيل.
من جهته أوضح الباحث في العلاقات الدولية الحاج جاسم ان امام الجنوب السوري مبدئياً خيارين، فإما سيناريو الغوطة «مع بعض التعديلات الأمريكية – الإسرائيلية» أو سيناريو الشمال بتدخل طرف ما عسكرياً بشكل مباشر أو عبر نشر نقاط مراقبة. مضيفاً ان اتفاق خفض التصعيد «الروسي – الأمريكي – الأردني» تم توقيعه بشكل منفرد بعيداً عن طاولة محادثات أستانة، «وبالتأكيد فإن الهواجس الإسرائيلية لم تكن غائبة عن أذهان الأطراف الأخرى، وهو ما يشير إلى رغبة أمريكية بتمييز الجنوب عن باقي المناطق السورية، ولكن ما قيل إنها رغبة أمريكية بتعديل الاتفاق قد توحي بتغيير ما، ستتضح ملامحه لاحقاً، لاسيما في ظل الحديث عن موافقة إسرائيلية بتواجد قوات النظام على الحدود مع إبعاد إيران وميليشياتها عن الحدود ولمسافة معينة».
منطقة عازلة
مركز جسور للدراسات اعتبر تعارض التصريحات بمثابة الاستجابة لصفقة محتملة تلقاها بشار الاسد خلال زيارته الأخيرة لروسيا تتضمن بقاءه في السلطة مقابل رفع الشرعية عن وجود الميليشيات الإيرانية في سوريا، مع وجود تفسير آخر يفيد بمحاولة بشار الأسد التستر على الوجود الإيراني في سوريا بغرض امتصاص حالة التصعيد الدولي ضد النفوذ الإيراني، على أمل إيجاد مخرج مناسب تقـوم به روسيا وإيـران.
ورجح البعض ان وجود منطقة عازلة في الجنوب السوري قد تجنب إسرائيل وإيران حرباً محتملة، إذ ذكر المصدر ان الجنوب السوري يشهد تحركات عسكرية متبادلة بين النظام والمعارضة تجهيزاً لمعركة محتملة بين الجانبين على ضوء تصعيد إسرائيلي ضد النفوذ الإيراني في سوريا ومطالب أمريكية من إيران بالانسحاب من سوريا، لكن قيام طهران بشن معركة واسعة في الجنوب السوري يحتاج لغطاء من روسيا، التي قد لا تذهب لهذا الخيار، حيث يوجد أصلاً اختلاف بين مقاربة الطرفين حول استراتيجية الحل في سوريا، ومن بين ذلك أخذ موسكو بعين الاعتبار للمصالح الإسرائيلية وقد ظهر هذا الأمر خلال تنسيق الطلعات الجوية بين الجانبين ومن ثم الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية بإقامة منطقة خالية من وجود وكلاء إيران من غير السوريين ضمن مسافة تتراوح بين 5 و10 كم عند حدود الجولان المحتل، وذلك ضمن بنود مذكرة خفض التصعيد التي وقعها الجانبان في العام 2017.
وقد تجد إيران نفسها حسب «جسور» ملزمة باتفاق جديد في الجنوب يجنبها حرباً في واسعة تستهدف تقويض نفوذها لأبعد حد، وهذا الاتفاق يكون بإقامة منطقة عازلة تتراوح حدودها بين 25 و50 كم انطلاقاً من هضبة الجولان المحتل، وهو مطلب حاولت إسرائيل إقناع روسيا والولايات المتحدة به خلال توقيع مذكرة خفض التصعيد لكنهما فضلتا الاكتفاء بمنطقة محدودة خالية من وجود وكلاء إيران.
وإقامة منطقة عازلة في الجنوب السوري تحتاج إلى تفاهم جديد بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والأردن وربما اشتراك إسرائيل فيه، يكون إما بتعديل نص مذكرة خفض التصعيد وتأطريها أو بالتوصل لاتفاق منفصل وجديد، ينص على إبعاد إيران ضمن المسافة المذكورة أعلاه، على أن تقوم الدول الضامنة بدعم جهود المجالس المحلية لتصبح ضمن مجلس حكم مشترك للجنوب السوري، وأن يتم تركيز الجهود لقتال تنظيم داعش وإنهاء ملف جبهة النصرة وتحويل الفصائل العاملة في الجبهة الجنوبية لقوة حرس حدودية للمنطقة العازلة.