تبدأ رواية رولا الحسين «حوض السلاحف» تماما مثلما بدأت رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة: هناك في المطار تُساق المرأة الثلاثينية إلى السجن بدل البلد الذي تقصده، هكذا مثلما حصل لذاك الرجل في «القوقعة». لكن الفارق بين الاثنين، كما بين السجنين، وكما بين الروايتين أيضا، شاسع إلى حدّ استحالة المقابلة بينهما. ففيما يقدّم سجين خليفة شهادة مرعبة عن الوحشية القصوى لما يحدث في سجنه، هو وآلاف الآخرين، حيث القتل ممارسة يومية وحيث التعذيب الذي لا يحتمل حتى تخيّله، نجد هنا، في رواية «حوض السلاحف»، أن السجن لا يتعدى كونه فترة استراحة ليوم واحد، ففي وقت متأخّر من المساء جرت مرافقة المسافرة الثلاثينية إلى ما وراء القضبان، كما في الرواية، وأطلق سراحها في الصباح.
تلك الساعات العشر، أو الأكثر قليلا، لم يحدث شيء فيها. المخاوف التي كانت تنتاب السجينة من عدوانية السجينات لم يتحقق أيّ منها، بل إنهن بدون متعاونات وهنّ يقدّمن لها، من فور دخولها، شرشفا ووسادة وحيّزا ترتاح فيه اقتطعنه من المساحة الضيّقة المتاحة لكل منهن. والسجان ليس في الصورة الشائعة التي نعرفها أو نظنها. إنه هنا مدام هدى، المزاوجة بين الحزم واللطف، والمحبة للمزاح. أما ما تختلف به مدام هدى عن السجانة الأخرى، مدام مريم، فإن هذه الأخيرة أكثر جدّية منها. وعن نظافة الحمام والمرحاض، وكانت هذه أول هواجس السجينة، فسرعان ما بدت نسبتها معقولة ومحتملة، شأن الشراشف والوسائد وفرش الأسرّة.
كما أن ما تحتاجه السجينات يصل إليهن من دون تأخير. ما عليهن إلا أن يكتبن على ورقة ماذا يردن ليحصلن عليه. بطلتنا، سجينة الليلة الواحدة، سرعان ما انخرطت في عادات زميلاتها فكتبت على ورقة ما قد تحتاجه إن طال بقاؤها هناك لما بعد تلك الليلة: تونة، تشيبس، ملح، حامض، خبز دايت، سكر، شاي، كورن فليكس أسمر، حليب، ملاعق، صحون، كوب، شوَك»، لتكتب لاحقا صبغة للشعر، شامبو، مرطّب لليدين…إلخ. هذا بالإضافة إلى البيض والأرز والمياه الساخنة المتوفرة في السجن. «أما السناك الذي هو أهم الوجبات بالنسبة لي، فإحداها ستكون فاكهة مما يتوفر في الداخل، والأخرى يجب أن تكون شيئا أمتع من الفاكهة كإصبع شوكولاته، أو بالأحرى كيس شوكولاته المولتيزرز، أو الكيت كات بأربع قطع…». لكن عليها أن تنتبه من المبالغة في تناول الحلوى فذلك لن يمكنها من تنفيذ ما وعدت نفسها به، وهو أن تزيل من وزنها، مغتنمة فرصة وجودها في السجن، السبعة كيلوات الزائدة.
إنها تتحسب لإقامة طويلة، حتى أنها بدأت تفكّر باعتماد السجينة الفلبينية كامرأة «مسّاج» لها، بعدما تبيّن لها أنها ماهرة في ذلك. أما إن أطلق سراح هذه الفلبينية بعد وقت قريب، وهذا احتمال، فعلى سجينتنا أن تبدأ بتدريب سجينة أخرى، فلبينية على الأرجح، لتقوم بالمهمة.
في التعريف بالرواية، أو التقديم لها، نقتطف مما كتب على غلافها الخلفي: «لأسباب مجهولة يتم توقيفها لتجد نفسها فجأة وقد اختزل العالم من حولها إلى غرفة تضم بين جدرانها حيوات مختلفة لفتيات من جنسيات عدة» ثم، في مقطع آخر من التقديم «رواية تنتصر للتفاصيل المهملة التي تمنح الحياة معناها». ثم هناك عنوان الرواية «حوض السلاحف» الواصف لمكان السجن والمقسمة أجزاؤه الصغيرة الضيّقة بين السجينات إلى حدّ أن الحيّز المعطى لكل منهن لا يفيض عن حدود جسمها، شأنهن في ذلك شأن السلاحف التي تقيم في داخل جسمها، أو في داخل قوقعتها، بما يذكّر مرّة أخرى بعنوان القوقعة المذكور أعلاه.
لكن خطط سجينتنا للمستقبل، أو لطول الإقامة في السجن، أحبطها طلوع النهار بأن انفتح باب الحديد بعد خشخشة المفاتيح ليُذكر اسمها ويؤذَن لها بالخروج. هي ليلة تخيّل ورسم خطط وتفكير بتنظيم الحياة الجديدة، وكل ذلك من دون مشاعر مصاحبة من ايّ نوع. لا مخاوف ولا تساؤلات ولا تذكّر للخارج باستثناء التفكير بـ»صلاح» المنتظر منه أن يأتي، إن عرف أنها مسجونة، ليدفع الكفالة ويخرجها.
مجموعة من الحظوظ السيّئة تجمّعت لتضيف المزيد من اللامعنى إلى هذه الرواية. أولها أنها كتبت في غير مكانها وزمانها، ثانيها هو العنف والفظاعات التي تميّز رواية السجون العربية، ما يضع الروايات العالمية المماثلة في درجة رعب ثانوية. ثم، وتجاوزا للتعداد نسأل: كيف خطر للكاتبة أن تصنع كتابا من تلك التجربة السريعة والمعرفة القليلة والشعور الأقل. ذاك أن كل ما ذكر في صفحات الرواية الـ158 كان يمكن أن يُختصر بجملتين تقولهما سجينتنا لصلاح في الوقت الفاصل بين تهنئتها بالسلامة وإدارته لمحرّك السيارة قبل توجّهها إلى المنزل. ربما كان ذلك واحدا من أعراض الرواية العربية في زمن ازدهارها.
*«حوض السلاحف» رواية لرولا حسين صدرت عن «دار الساقي» و«آفاق» في 158 صفحة، 2018.
٭ روائي لبناني
حسن داوود