دمشق – «القدس العربي» : لعل أكثر ما تخشاه موسكو في الملف السوري أن تنزلق الأمور إلى حرب مفتوحة بين إسرائيل وواشنطن ومعها بعض الدول الإقليمية من جهة وإيران وحزب الله من جهة أخرى، مما يدفعها للمناورة بهدف استيعاب الاحتقان الإيراني – الإسرائيلي، وسحب فتيل أي توتر حفاظاً على مكاسبها، بيد أن مساعي موسكو فشلت في مدينة القصير التي تعتبر منطقة نفوذ ميليشيا حزب الله اللبناني، إذ اضطرت للاستجابة لوساطة النظام السوري، بعد أن أثار انتشار قواتها حفيظة طهران، وسرعان ما سحبت روسيا قواتها من جميع النقاط العسكرية التي أنشأتها في محيط مطار الضبعة العسكري وبعض المواقع الأخرى، مقابل انتشار قوات النظام السوري فيها. ويبقى شغلها الشاغل «ضبط الإيقاع» بين القوى الفاعلة وخصوصاً بين إيران وإسرائيل لتبقى متسيدةً مفاصل وقواعد اللعبة في سوريا.
مسؤولان في الميليشيات الداعمة للنظام السوري، أكدا لرويترز أن نشر عسكريين روس في سوريا قرب الحدود اللبنانية هذا الأسبوع أثار خلافاً مع الميليشيات المدعومة من إيران بينها حزب الله الذي عارض هذه الخطوة غير المنسقة، وقال أحد المسؤولين العسكريين، إنه جرى حل الموقف يوم الثلاثاء عندما سيطر جنود من قوات النظام على ثلاثة مواقع انتشر فيها الروس قرب بلدة القصير في منطقة حمص، وبدا أنها واقعة منفردة تصرفت فيها روسيا دون تنسيق مع حلفاء بشار الأسد المدعومين من إيران.
وأشار القائد العسكري إلى أن الخطوة حلت بعد نشر قوات النظام عناصر من الفرقة 11 على الحدود السورية – اللبنانية، مضيفاً أن مقاتلي «حزب الله» لا يزالون في المنطقة، فيما أشار مصدر آخر إلى ان إيران وحلفاءها يدرسون الموقف بعد التحرك الروسي غير المنسق.
مصدر مطلع قال لـ»القدس العربي»، إن قوات روسية قامت بإنشاء نقاط عسكرية عدة قرب منطقة القصير في محيط مطار الضبعة العسكري وانتشرت في جبل أكروم ووادي خالد، إضافة إلى انتشار الشرطة العسكرية الروسية في معبر جوسية الحدودي بين لبنان وسوريا، وذلك لكبح جماح إيران ومنع حدوث صدام مباشر مفتوح بين إيران وإسرائيل، مما يعرض مصالح ومكتسبات موسكو للخطر، الأمر الذي أثار غضب ميليشيا حزب الله ومن ورائه إيران في المنطقة.
وساطة
وخشية وقوع خلافات بين الطرفين تدخل النظام السوري متوسطاً فتم سحب روسيا لجنودها ونقاطها مقابل انتشار عناصر الفرقة 11 في نقاط المراقبة الروسية. إذ تواجه هذه المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا ضغوطات لإخراج ميليشيات إيران وحصراً حزب الله منها، حيث أعربت «إسرائيل» في مناسبات عدة أنها لن تسمح لإيران بإنشاء قواعد عسكرية في سوريا، فيما اقتصر دور النظام السوري على لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة.
الخبير في العلاقات الدولية سعد الشارع أوضح لـ»القدس العربي» ان ما يدفع روسيا لاحتواء الموقف هو مخاوفها من إشعال فتيل الحرب بين إسرائيل وإيران، مما قد ينسف أي مكتسبات استطاعت تحقيقها خلال السنوات الاخيرة في سوريا، سواء على الصعيد العسكري او حتى على الصعيد السياسي إضافة إلى التأثير المباشر على التفاهمات والاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمتها مع النظام السوري، حيث تسعى موسكو إلى التهدئة محاولة الاّ يصل الاحتقان الايراني – الإسرائيلي في المنطقة إلى صدام مفتوح او مباشر.
تفاهمات دبلوماسية
وتعمل موسكو حسب رؤية المتحدث، وفق سياقين، الأول يتماشى مع مصالح إيران وأذرعها في المنطقة، وبموازاة ذلك تحاول إقناع طهران بالخروج من المناطق التي لا تحبذ إسرائيل وجودها فيها، أهمها منطقة الجنوب السوري، وفي الدرجة الثانية المناطق المحاذية للحدود مع لبنان.
وتتجه منطقة القصير والشريط الحدودي مع لبنان حسب محللين إلى تفاهمات تشبه إلى حد ما تفاهمات الجنوب السوري بالنظر إلى حساسية درعا والقنيطرة المحاذية تماماً لمناطق سيطرة إسرائيل، إذ ترغب إسرائيل بتقييد التواجد الإيراني وتخفيف ثقل الميليشيات التابعة لها على الحدود مع لبنان، ووفقاً لرؤية «الشعار» فإن «المنطقة مقبلة على تفاهم دبلوماسي ولن تتعرض لأي صدام حيث سيحاول الروسي لعب ادوار رئيسية في عقد اتفاقيات بين الطرفين، إيران وحزب الله من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.
عودة أهالي القصير
مصادر ميدانية نفت لـ»القدس العربي» حدوث أي انسحاب لعناصر حزب الله من القصير مشيرة إلى ان ما حصل خلال الساعات الماضية هو اعادة انتشار للميليشيا التي لازالت تحتفظ بكامل ثقلها العسكري في هذه المنطقة، وفي هذا الصدد قال العقيد فاتح حسون القيادي في الجيش الحر وقائد حركة تحرير الوطن، أن الشرطة العسكرية الروسية انتشرت قبيل انسحابها على الحدود اللبنانية السورية المحاذية لجبل أكروم ووادي خالد، وكذلك لاحظنا انتشاراً للشرطة العسكرية الروسية في نقاط محددة في منطقة القصير.
مضيفاً ان انتشار الشرطة العسكرية الروسية في منطقة القصير كان في «معبر جوسيه الحدودي بين لبنان وسوريا، بينما كان التمركز في مدرسة جوسيه الرسمية، وقرية المصرية قرب الهرمل، حيث تمركزت القوات في مدرستها الرسمية، ومحطة مياه القصير عند جسر الدف، ونقطة شمال غرب العقربية على الطريق بين الهرمل والساحل السوري، إضافة إلى تواجدها في الفرقة 11. واكد وجود تفاهمات من اجل إعادة أهالي القصير المتواجدين في لبنان إلى مناطقهم، قائلاً يوجد «تكليف بعض الجهات من أجل إحصاء أهالي وأبناء القصير الموجودين في لبنان بضمان روسي وسيتم العمل على إعادة النازحين خلال شهري تموز وآب المقبلين».
بري: حزب الله في بلده سوريا
أمام هذه التطورات استنكر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الدعوات لسحب حزب الله وإيران قواتهما من سوريا، واعتبرها أمراً مستبعداً حالياً، واكد امس الأربعاء في لقاء مع سبوتنيك الروسي ان «إيران موجودة في سوريا بطلب من الدولة السورية، تماما كما أن الوجود الروسي في سوريا قد جاء بطلب من الحكومة السورية
وجاء كلام بري في حوار مع موقع «سبوتنيك» حيث تناول العلاقات الروسية -اللبنانية، والوضع في سوريا والملف الإيراني وعدداً من القضايا التي تهم الشأن اللبناني.
وزعم بري أن «حزب الله»، «موجود في بلده، لأنه لو لم يكن متواجداً هناك، لكان «داعش قد أصبح هنا» في لبنان، مؤكداً على أن تحرير الأراضي السورية هو السبيل الوحيد للانسحاب» لافتاً إلى ان انتشار حزب الله في سوريا تقابله استضافة لبنان لنحو مليون ونصف المليون شخص سوري.