من جيسي أفانس حتى ليونيل ميسي

حجم الخط
1

ربما بعد خمسين سنة حيث سيجلس مؤرخ النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني ويكتب تاريخه، سيبدأ كتابه هكذا: في نيسان/أبريل 1971 أرسلت الولايات المتحدة منتخبها لتنس الطاولة إلى مباراة استعراضية في الصين، كانت تلك الخطوة الاولى التي اخترقت سور العداء بين الدولتين العظميين، التي جرت منذ الحرب الكورية في الخمسينيات. كانت تلك خطوة أولى في الطريق إلى التقارب والتعاون بين الدولتين العظميين. في 2018 ألغى منتخب الأرجنتين المباراة الاستعراضية التي كان من المقرر أن تجري مع منتخب إسرائيل، تحت ضغط قوي من معارضي الاحتلال في الأرجنتين وفي اسبانيا. كانت تلك مرحلة هامة في الطريق الطويل إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب دولة إسرائيل. المشاعر الرياضية لها تأثير محفز مثل المشاعر الوطنية أو الدينية القوية. بعد شهر على الاستعراض الافنغلستي الفاشي من بطولة بنيامين نتنياهو وأبناء عائلة ترامب وعدد من رجال الدين المسيحيين في القدس، استعراض غمر أمة كاملة بمشاعر ذات طابع كهذا، جاء السقوط الكبير. يبدو أنه لن يكون ما يشوش على هذين الأزعرين الثملين من نشوة النصر. ترامب ونتنياهو اللذان يذهبان من جيش إلى جيش ترافقهما جوقة تشجيع وحشية قليلة العقل بقيادة ميري ريغف.
والآن جاءت فرقة كرة القدم إحدى الفرق الافضل في العالم برئاسة نجم كبير له ملايين المشجعين في العالم وفي إسرائيل، وقالت، نحن لن نشارك في مباراتكم. وحتى لو قيلت كل المبررات بأن الالغاء جاء لاعتبارات مهنية لاحتياجات المنتخب الذي يستعد لكأس العالم أو لمشاكل امنية، المعنى واضح. الأرجنتين قررت أن إسرائيل التي تحتفل في القدس بعروض استعراضية في حين أن الفلسطينيين في غزة يقمعون وتطلق النار عليهم ليست هي ملعبها.
إلغاء مباراة الأرجنتين في إسرائيل يجب أن يكون يوم عيد لكل من يؤيدون السلام ومن يؤيدون حلم إسرائيل أخرى. فهو يضع ملايين الإسرائيليينليس فقط عشاق كرة القدمأمام ضرورة النظر في المرآة وسؤال أنفسهم بصدق: لماذا يحدث هذا بالذات؟.
إن تأثير إلغاء المباراة يمكن أن يكون أكثر دراماتيكية بكثير من إلغاء دعوة باحث إلى مؤتمر في جامعة خارج البلاد، أو إزالة بندورة الشيري التي زرعت في المستوطنات عن الرفوف في السوبرماركيتات في لندن. إذاً ماذا سيفعل الآن مئات آلاف مشجعي ليو ميسي في إسرائيل؟ هل سيتوقفون عن السفر إلى برشلونة لمشاهدته وهو يلعب؟. إذا فعلوا ذلك سيضطرون إلى مواجهة أزمة غير بسيطة: بالنسبة لشخص يحب الرياضة فإن ترك مجموعة محبوبة ونقل الدعم والتشجيع لخصمها (ريال مدريد) هو تقريبا مثل تحويل الديانة. بالضبط إلى هذا تهدف حركة المقاطعة الـ بي.دي.اس: دعوة جموع الإسرائيليين لمواجهة تداعيات القمع والاحتلال على مناطق راحتهم مع المس بروتين حياتهم اليومية. لذلك إلغاء المباراة هو أمر هام جداً. هناك قدرة لنجوم الرياضة والفنانين الذين يحظون بتشجيع الملايين على التأثير على الرأي العام وهزه أكثر بكثير من السياسيين والأكاديميين والمفكرين. هناك عدد غير قليل من الامثلة لرياضيين شكلوا الذاكرة التاريخية ووضعوا إشارة مرور في النضالات ضد القمع، العنصرية والعنف. وحتى لو لم يكونوا يقصدون هذا منذ البداية. جيسي أفانس، العداء الاسود الذي وجّه الاتهام إلى الديكتاتور النازي عندما تغلب على كل أنقياء العرق الالمان في أولمبياد ميونيخ في 1936، هو مثال جيد على ذلك.
مثال آخر هو تومي سميث وجون كارلوس، هما أيضاً رياضيان من السود، وقفا على منصة تتويج الفائزين في ركض الـ 200 متر في أولمبياد المكسيك في 1968 وهما يحملان شعارات حقوق الانسان وكل واحد منهما رفع يداً تلبس قفازاً أسود أثناء عزف النشيد الوطني الامريكي كتشجيع للقوى السوداء. بادرة حسن النية هذه ساهمت في النضال من أجل حقوق المواطن في تلك السنين أكثر من مؤتمر أكاديمي. إن الغياب الصارخ لليونيل ميسي عن ملعب كرة القدم في القدس، عاصمة إسرائيل ورمز الاحتلال، يمكنه أن يؤدي إلى أن يذكر في المستقبل ليس فقط بفضل لعبه الخاص. إزاء النقاش الذي جرى في الأسابيع الأخيرة على صفحات «هآرتس» بشأن الطريق الصحيحة لليسار الإسرائيلي. نعم مع الضم الجزئي، لا للضم الجزئي، نعم لحزب العمل، لا لحزب العمل فإن قرار منتخب الأرجنتين عدم المجيء إلى هنا يضع تحدياً جديداً. المرحلة القادمة التي ستأتي بشكل تلقائي، سيكون هناك جهد كبير سيجري في أوروبا للضغط على فنانين وهيئات بث عامة من أجل عدم المجيء للاحتفال القادم المخطط له في القدس، الاورفزيون 2019. إن صوت مؤيدي السلام ومعارضي الاحتلال في إسرائيل يجب أن يكون مسموعاً. طالما أن إسرائيل تحوّل أحداثاً رياضية وثقافية إلى استعراضات تعطي الشرعية للعروض من غخراج ميري ريغف، لن نشارك فيها وسنقنع آخرين في البلاد وفي العالم بأن يحذوا حذونا.
توجد لقرار كهذا مشروعية أخلاقية، يهودية وتاريخية. في آذار/مارس 1933 جرى في نيويورك لقاء لشخصيات عامة يهودية برئاسة الحاخام ستيفن شموئيل فايس، رئيس المؤتمر اليهودي الامريكي وزعيم صهيوني مهم، تقرر فيه دعوة الجمهور الأمريكي لمقاطعة المنتوجات الالمانية المستوردة إلى أمريكا بسبب سياسة المانيا النازية اللاسامية. ذلك لم يكن قراراً سهلاً. لم يكن واضحاً ماذا سيكون رد الادارة. وكان هناك خطر لزيادة حدة الجو اللاسامي في الشارع الأمريكي. فايس رجّح الكفة لصالح القرار بقوله «إن زمن الانتظار والحذر انقضى، علينا أن نسمع صوتنا كبشر».

هآرتس 7/6/2018

من جيسي أفانس حتى ليونيل ميسي
إن تأثير الخطوات التي يقوم بها الرياضيون أكبر من تأثير الخطوات السياسية
دانييل بلتمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية