بغداد ـ «القدس العربي» : اتفق تحالف «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، وتيار الحكمة الوطني، بزعامة عمار الحكيم، وائتلاف «الوطنية» بزعامة علاوي، على تشكيل «تحالفٍ موحّد» يتألف من 95 مقعداً في البرلمان الجديد، كخطوة أولى نحو جمع كتل سياسية أخرى على رأسها تحالف «النصر»- بزعامة حيدر العبادي، و»الفتح» بزعامة هادي العامري.
التحالف الذي جمع الصدر وعلاوي والحكيم لمرحلة ما بعد انتخابات 2018، حمل اسم «تحالف الأغلبية الوطنية الأبوية»، وجاء بعد اجتماع عقد، مؤخراً، بين ممثلي كتل «سائرون» و»الحكمة» و»الوطنية».
«القدس العربي» حصلت على وثيقة مسرّبة من مقررات لقاء ممثلي الكتل الثلاث، تضمنت الاتفاق على 12 مبدأً أساسياً، على رأسها تحقيق «الأغلبية الوطنية الأبوية»، والتأكيد على وحدة العراق والالتزام بالدستور وترسيخ الديمقراطية والحريات العامة.
وجرى الاتفاق أيضاً، طبقاً للوثيقة، على ألا «يقتصر التحالف الناتج عن الأغلبية الوطنية الأبوية على تشكيل الحكومة فقط، وإنما يستمر في بناء الاستراتيجيات التي تتطلبها المرحلة المقبلة، بتوافق القوى المشكلة للتحالف وفق آليات تحدد لاحقاً».
ومن المقرر أيضاً أن «تعد كتلة الأغلبية الوطنية الأبوية برنامجاً حكومياً قابلاً للتحقيق ضمن سقوف زمنية محددة، متضمناً سبعة مبادئ أساسية، إصلاحات اقتصادية، ومعالجة الدولة الريعية، تنشيط القطاع الخاص، وتنمية الاستثمار»، إضافة إلى «اللامركزية، وعدم تسييس المفاصل الحكومية والإدارية، وكذلك المؤسسة العسكرية، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع عسكرة المجتمع»، فضلاً عن «إعادة النظر بالنظام الإداري والقوانين والقرارات الموروثة عن النظام السابق خلال سقف زمني محدد، وإعادة النازحين وتوفير ظروف العودة الملائمة لهم، وتشكيل مجلس الخدمة الاتحادي خلال ستة أشهر من تاريخ تشكيل الحكم».
ومن بين المبادئ المتفق عليها، خلال الاجتماع، أن «يتضمن البرنامج الحكومي آليات مكافحة الفساد ومحاكمة المفسدين»، وعلى «رئيس الوزراء تنفيذ البرنامج الحكومي المحدد بسقوف زمنية».
وضمن مهام تحالف «الأغلبية الوطنية الأبوية»، تحديد مواصفات مناصب (رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس الوزراء، الكابينة الحكومية، والمناصب المنصوص عليها بالدستور، مع عدم بقائها بالوكالة)، على أن تقرّ مناصب الهيئات المستقلة مع الكابينة الوزارية.
ويسعى الصدر والحكيم وعلاوي، إلى «ضمان استقلال القضاء وإصلاح النظام القضائي»، إضافة إلى «بناء علاقات إقليمية ودولية متوازنة، على أساس المصالح المشتركة وعدم التدخل بالشؤون الداخلية»، وفقاً للوثيقة.
ويركز التحالف الجدي على «تشريع قانون مجلس الاتحاد والعمل به خلال سنتين»، فضلاً عن «بناء الدولة على أسس ومبادئ المواطنة والمساواة بسن التشريعات التي تدعم ذلك».
وحملت الوثيقة توقيع كل من كاظم الشمري، ومهند حسام الدين، ومحمد شاكر، عن تحالف «الوطنية»، وأحمد الفتلاوي، وفادي الشمري- عن تيار «الحكمة»، ونصار الربيعي، وحسن عاقولي، ورافع عبد الجبار عن تحالف «سائرون».
ويندرج تحالف «الأغلبية الوطنية الأبوية»، ضمن إطار تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، التي ستتولى مهمة تشكيل الحكومة الجديدة، وتحديد مناصب الرئاسات الثلاث.
قاسمٌ مشترك
ورغم تحقيق التحالف الجديد أكبر عددٍ من المقاعد البرلمانية حتى الآن، لكن ذلك لن يمكنه «وحده» من تحقيق «الأغلبية» التي تتطلب 165 نائباً على الأقل (من مجموع 329 عضواً في مجلس النواب).
مصدر سياسي مطلع على مفاوضات تشكيل «التحالف الأكبر»، أكد لـ«القدس العربي»، وجود تحركات لضم العبادي إلى تحالف «الأغلبية الوطنية الأبوية»، لكن اشتراط «سائرون» وبعض الأطراف الأخرى استقالته من حزب «الدعوة» الإسلامية الأمر الذي يحول دون ذلك.
وأضاف المصدر، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، أن تحالف «الأغلبية الوطنية الأبوية»، لا يمانع من تولي العبادي رئاسة الوزراء لدورة ثانية، ولا يوجد أي اعتراض على شخص العبادي أو أدائه، باستثناء اعتراض وحيد يتمثل برفض أعضاء التحالف استمرار حزب «الدعوة» الإسلامية في تولي دفّة الحكم. وحتى الآن لم يتخل العبادي عن حزبه الذي يشغل فيه منصب رئيس المكتب السياسي. ويبدو أن ذلك الأمر سيبعد عنه منصب رئيس الوزراء الجديد.
تحركات تحالف «الأغلبية الوطنية الأبوية»، لم تشمل العبادي وتحالفه «النصر» فقط، بل إنها تستهدف زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري.
وطبقاً للمصدر، فإن العامري مصرّ على دعم زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، نظراً لوجود «قاسم مشترك» بينهما وهو التقارب مع إيران.
وتابع: «هناك تقارب بين المالكي والعامري وبارزاني وحزب طالباني، وهم يمتلكون مجتمعين 114 مقعداً برلمانياً»، لافتاً إلى أنه «في حال قرر العبادي الانضمام إلى الأغلبية السياسية، مشروع المالكي، فإن عدد مقاعد الكتلة سيصل إلى 156، الأمر الذي يمكّن المالكي من تحقيق الكتلة الأكبر بانضمام كتل أخرى من السنّة، توصله إلى (النصف + 1) بكل سهولة».
تحقيق الكتل السياسية نتائج متقاربة في الانتخابات الأخيرة، يجعل مهمة تحقيق الكتلة الأكبر وتشكيل الحكومة، «أصعب»، وقد يُنذرُ بالعودة إلى «حكومة المحاصصة»، حسب ائتلاف «دولة القانون».
النائب عن الائتلاف، رسول راضي قال لـ«القدس العربي»، إن «الخريطة السياسية التي أفرزتها نتائج الانتخابات الأخيرة محيرة جداً، بسبب وجود نحو أربعة كتل حصلت على نتائج متقاربة»، مبيناً أن «هذا الأمر يزيد من إرباك المشهد، ويحتاج إلى فترة زمنية من المفاوضات للوصول إلى مشتركات بين الكتل السياسية الفائزة».
وأضاف: «كل كتلة فائزة تدّعي قدرتها على جمع الكتل السياسية الأخرى وتشكيل الحكومة، لكن هذا الأمر لم يتضح بعد، والمفاوضات تحتاج إلى سقف زمني أطول».
وأقرّ النائب عن ائتلاف المالكي بأن «الانتخابات الأخيرة ستعقد المشهد أكثر، وربما تعيدنا إلى المربع الأول المتمثل بحكومة المحاصصة وليس حكومة الأغلبية، كما تنادي بها جميع الكتل». وحصل تحالف سائرون على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة، بـ 54 مقعداً، تلاه كل من تحالف «الفتح» (47 مقعدا)، ائتلاف «النصر» (42 مقعدا)، «دولة القانون» (25 مقعدا)، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» (24 مقعدا)، «الوطنية» (22 مقعدا)، «الحكمة» (19 مقعدا)، «الاتحاد الوطني الكردستاني» (18 مقعدا)، و«القرار العراقي» (14 مقعدا)، «العراق هويتنا» (10 مقاعد).
اللعب بالنار
ومما يزيد المشهد تعقيداً قرار البرلمان الأخير القاضي بإعادة الفرز والعدّ «يدوياً» لنتائج الانتخابات، وإلغاء النتائج المترتبة على التصويت الإلكتروني، كونه قد يؤثر على حظوظ كتل كردية وسنية، اتُهمت «بالتزوير».
ومن بين فقرات التعديل على قانون الانتخابات، قرر البرلمان إلغاء نتائج التصويت الخاص في إقليم كردستان العراق، الأمر الذي رفضه حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة الراحل جلال طالباني.
وقالت كتلة الاتحاد في برلمان كردستان، في بيان لها، إن عدم رضا بعض الأطراف السياسية على مستوى العراق، عن نتائج الانتخابات مستمر»، مشيرة إلى أن «هذا حق مشروع إن كان في إطار الدستور والقانون».
وأضاف «لكن إن وصل الأمر إلى المساس بمقدسات الشعب الكردي ورموزه الوطنية والقومية، فإن كتلة الاتحاد الوطني ترفض ذلك بل وتقف بالضد منه»، مشددا على أنه «لا يجوز أن يطالب أي طرف سياسي كردي، بإلغاء نتائج التصويت الخاص لقوات البيشمركه والآسايش والشرطة، فقط في إقليم كردستان دون باقي العراق».
وتابع أن «الاتحاد الوطني الكردستاني، يرفض جميع محاولات كسر شوكة البيشمركه والآسايش والشرطة، بل ويدافع عن حفظ حقهم وأصواتهم التي أدلوا بها، في إطار الدفاع عن رموز الفداء والمقاومة للشعب الكردي».
كذلك، اعتبرت قيادة قوات الـ«70» في البيشمركه جزء من منظومة قوات إقليم كردستان، التي تتبع الاتحاد الوطني الكردستاني، أن إلغاء التصويت الخاص في اقليم كردستان «لعب بالنار يحرق حظوظ الفوضويين»، مشددة في الوقت نفسه على رفض أي مخطط لإلغاء أصوات الآلاف من المناضلين والوطنيين وجعلها ضمن الأجندات الحاقدة على البيشمركه. وقالت في بيان، إن «قوات البيشمركه ومكافحة الإرهاب والداخلية بكل أقسامها وصنوفها قوات فعالة لتطبيق القانون والدستور في إقليم كردستان، حيث لا تنتظر هذه القوات تكريما من أحد نهائيا»، لافتة إلى «أننا لم نكن نتوقع أن مجموعة أشخاص ستحاول تهميش قوات البيشمركه والمصالح العليا لشعبنا». وأضافت أن «يوم السادس من يونيو/ حزيران 2018 يوم مخجل للذين خططوا داخل البرلمان العراقي لألغاء التصويت الخاص في كردستان»، مشيرة إلى أن «أصوات البيشمركه ومكافحة الإرهاب وقوات الشرطة الداخلية مصدر لحماية الشعب الكردستاني وتوفير أمن إقليم كردستان».
وتابعت: «ملتزمون بالقرارات القانونية والدستورية التي تخدم كل مكونات الشعب والوطن».
مصادرة إرادة المصوّتين
أما بالنسبة لكتلة «التغيير» الكردستانية «المعارضة»، فوصفت رفض «الحزبين الحاكمين» في كردستان، تعديل قانون الانتخابات وإلغاء نتائج التصويت الخاص، بأنه «إدانة لهما»، متهمة إياهما بـ«مصادرة» إرادة المشاركين في التصويت الخاص، ومن بينهم منتسبو الدوائر الاتحادية بعد أن صادروا حقوقهم ورواتبهم.
وقال النائب عن كتلة «التغيير»، هوشيار عبدالله في بيان، إن «الحزبين الحاكمين في إقليم كردستان (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني) عبّرا عن امتعاضهما الشديد من تعديل قانون الانتخابات والتوجه نحو إلغاء نتائج التصويت الخاص، وكأنما نحن خارج السياقات الدستورية والقانونية»، مبيناً أن «قول الحزبين بأنهما يرفضان تطبيق هذا التعديل على الأقل فيما يخص إلغاء التصويت الخاص هو إدانة لهما، فبإمكانهما اللجوء إلى المحكمة الاتحادية إذا لم يكن لديهما ما يخشيانه».
وأضاف: «في الوقت الذي نثمن فيه جهود المواطنين الذين أدلوا بأصواتهم في التصويت الخاص سواء منتسبو البيشمركه أو القوات الأمنية أو الدوائر الاتحادية، نؤكد للرأي العام بأن الحزبين الحاكمين بعد أن قاما بالأمس بحرمان هؤلاء المنتسبين من رواتبهم ومن أبسط حقوقهم، يحاولان اليوم مصادرة إرادتهم وسرقة أصواتهم»، مشيرا إلى أن «ذلك اتضح من خلال استخدامهما سياسة الترغيب والترهيب قبل الانتخابات ثم تزوير النتائج وجعلها بشكل معكوس أثناء الانتخابات».
وتابع: «الحديث عن رفض الوحدة 70 لإلغاء التصويت الخاص لا يخلو من توجهات حزبية، فالوحدة تدار من قبل شخص حزبي اشترك في تزييف إرادة الناخبين، واليوم يطلق كلاماً غير مسؤول بحق المطالبين بإلغاء نتائج التصويت الخاص»، موضحاً أن «يتوجب على السلطات الاتحادية وعلى رأسها القضاء أن تتعامل مع إقليم كردستان بحيطة وحذر». وشدد على ضرورة أن «تكون هناك آلية قوية ومضمونة للسيطرة على صناديق الاقتراع والمباشرة بالعد والفرز اليدوي، سيما وأن انزعاج الحزبين الحاكمين من التعديل لا يبشر بخير، فقد يلجآن إلى طرق غير قانونية للحيلولة دون تنفيذ التعديل على أرض الواقع».