انقراض «المساجلات الشعرية» في زمن «السيلفي»!

حجم الخط
32

حين أعود إلى بيروت أشتري الصحف والمجلات اللبنانية كلها للتعارف مع إيقاع قلب المدينة وأستمع إلى الأخبار المتلفزة على ما تيّسر من القنوات. وسرّني أنه يمكن مشاهدة ثلاث قنوات فرنسية كبيرة في بيروت هي TF1 ـ فرانس 2 ـ والقناة M6… وهنا لاحظت أمراً أيجابياً (فرنكوفونياً).. ففي باريس نرى القنوات ذاتها من دون قراءة ما يقوله المتكلم طبعاً، أما في بيروت فإن حرص الفرنسيين على لغتهم يجعلهم يقدمون على الشريط الكلام الذي نسمعه، مطبوعاً أيضاً إذ يهم الفرنسي أن يفهم الآخر كل كلمة محكية من برامجه وأن يزداد تعارفاً بها.. وبطريقة كتابتها.

عمودنا الفقري الروحي كعرب

شعرت بالغيرة من هذا الحرص الفرنسي على إيصال لغته إلى الآخر، كأن برامجه التي يبثها خارج وطنه هي أولاً دروس مشوّقة لتعليم اللغة الفرنسية على نحو غير مباشر.
هذا في الوقت الذي يهمل بعض إذاعاتنا ومنابرنا الصحافية لغتنا العربية، العمود الفقري الروحي لنا كعرب.. ففي البرامج الإذاعية المحلية لا أجد سبباً لاستعانة بعض «النجوم» بكلمات أجنبية مع من يحاورهم على الرغم من وجود مرادف عربي لها يفهمه الجميع، كما لو كان بعض «النجوم» يقول للمستمع إنه أكثر رقياً منه لأنه يستعمل في الحوار عبارات أجنبية!.. والأمثلة لا تعوز أي مستمع.. أهي «وجاهة» لغوية؟

العودة إلى مهنة المصحح؟

لعل وجود مصحح في المنابر الإعلامية اللبنانية والعربية ضرورة ملحة ليستقيم لساننا ولا نفعل مثل بعض السياسيين الذين يكتب لهم أحدهم خطبة سيلقيها وينسى (تشكيلها). من طرفي أعتقد أننا بشر ونخطئ كلنا ولكن تفشي الأخطاء حتى في بعض الكتب الأدبية العربية صار بحاجة إلى علاج كما الأخطاء (المهولة) في المجلات ولدى المذيعات والمذيعين.. وغبطت الفرنسيين على حرصهم تعليم لغتهم بحيث تؤدي القنوات الفرنسية المرئية في بيروت مهمة إضافية هي أيضاً تعليم لغتها!..

لا إفراط ولا تفريط!

لا أتحدث عن المبالغة في الأمر.. فقد عايشت مصححاً في مجلة لبنانية كنت أعمل فيها من زمان أراد تبديل عنواني «أرخص ليالي» ليوسف إدريس إلى «أرخص الليالي».
قلت له أن عنوان كتاب يوسف إدريس هو «أرخص ليالي» ولا نستطيع أن نبدل عنوان المنشور على غلافه.. وأصر على رأيه وقلت له أن يتصل بالدكتور يوسف إدريس ويقول له ذلك وريثما يفعل نحافظ على عنوان الكتاب، ولا أدري كيف لم أتشاجر مع المصحح القدير بأكثر مما ينبغي. أكره المبالغة وأعتقد أن لا أحدَ معصوماً عن الخطأ!.. وأسجل غيرتي من غيرة الفرنسيين على لغتهم.

«المساجلات الشعرية»

حين كنت طالبة في المدرسة المتوسطة في دمشق كانت لعبتنا المفضلة في باحتها «المساجلة الشعرية»! عشر طالبات مثلي (يتبارزن) شعرياً. أقول مثلاً البيت الشعري: إذا رأيت نيوب الليث بارزة/فلا تظنن أن الليث يبتسم. ويكون على المتبارية الأخرى أن تقول بيتاً من الشعر يبدأ بآخر حرف من البيت الذي قلته. ومن تفشل تخرج من اللعبة حتى تبقى واحدة (منتصرة). إنها لعبة تزيد من معرفتنا بالشعر العربي وتعلقنا بلغتنا الأم. أعرف أن ذلك حدث منذ زمن طويل، ومعظم الجيل الجديد يقضي وقته مع «الهاتف الذكي» والآيفون، ووسائل التواصل الاجتماعية.. ترى هل يجرؤ مقدم برامج متلفزة على دعوة شعراء لمبارزة شعرية؟

طرح قضية عادلة بأسلوب ظالم!

غادرت بيروت راجعة إلى باريس يوم إضراب موظفي المستشفيات الحكومية في لبنان حتى تحقيق مطالبهم العادلة، كما أوضحوا أنه حتى باب «قسم الطوارئ» سيكون مغلقاً. تخيلت سيدة لم تستمع إلى نشرة الأخبار وجاءت للولادة وقد بدأت تعاني أوجاع المخاض ووجد زوجها الباب مغلقاً في وجهيهما. هل من المقبول أن تولد في السيارة بمفردها إذا كان زوجها متوسط الحال ولا يستطيع تسديد نفقات المستشفيات الخاصة؟
ثمة أسلوب آخر ظالم للحصول على مطالب عادلة هو قطع الطرقات وإحراق الإطارات فيها. ويعجز الناس عن الذهاب إلى العمل أو العودة إلى بيوتهم، ويتحولون إلى رهائن. والذي يحدث أن المضربين يفقدون يوماً بعد آخر تعاطف الرأي العام معهم.. كما حدث لعمال السكك الحديدية في فرنسا، الذين طال إضرابهم!

نتبدل ولا نعترف بذلك

في أحد مخازن بيروت حين كنت واقفة في (الطابور) أمام قسم بيع الأطعمة الشهية اللبنانية الطازجة، وجاء دوري بعد طول انتظار إلتفت نحو السيدة الواقفة خلفي وقلت لها: سأشتري أطعمة كثيرة، فإذا كنت قد جئت لصنف واحد تفضلي ومرّي قبلي!
قالت لي: لا.. أريد أن أحدثك.. لقد عرفتك..
كنت واثقة بأنني لم أرها يوماً في حياتي ولا بد أن صاحب المخزن قال لها إسمي. وفوجئت حقاً حين قالت لي: لقد تعارفنا على الهاتف يوم اتصلت أنتِ بي قبل أعوام طويلة حين كنتِ طالبة في الجامعة الأمريكية وطلبتِ الحديث معي. وقالت لي إسمها وأنها شقيقة زميلي في الجامعة يومئذ (…) إبن السياسي اللبناني الشهير الذي كان يُعّد إبنه لوراثة موقعه السياسي. وقد حدث ذلك.
أضافت: أنت تحدثت معي كي أكف عن معارضة زواجه من زميلتكما الأجنبية في الجامعة الأمريكية من دين آخر وحضارة أخرى!.. وتذكري أنني لم أقنع اخته ووالدته وتزوج من فتاة مناسبة سياسياً وجميلة واحتل موقع والده الزعيم اللبناني الشهير.
والغريب أنني تذكرت تلك المخابرة الهاتفية منذ عقود طويلة وتصافحنا بحرارة ولم أقل لها أنني تبدلت ولو عاد الزمان لما قمت بتلك المخابرة الهاتفية ولتركت القرار للعاشقين وأسرتهما ولما تدخلت..
نعم. الزمن يبدلنا جميعاً.. والإنكار لا يجدي.. فقد صارحتني الأخت بأنها نادمة على رفضها يومئذ زواجه من حبيبته! وأنها لم تجرؤ على الزواج من حب عمرها!.. ولم تتزوج…
يا للزمن!.. كم يبدلنا ونرفض الاعتراف بذلك غالباً!

انقراض «المساجلات الشعرية» في زمن «السيلفي»!

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية