مريم حيدري: «باب موارب»
الشاعرة والمترجمة الأهوازية مريم حيدري تكتب باللغتين العربية والفارسية، لكنّ الفصحى هي الوسيط الذي احتضن 47 من قصائد النثر التي جمعتها في هذه المجموعة، رغم تصريحها مراراً بأنها تشعر بالرهبة إزاء اللغة العربية وتجد نفسها أكثر انسراحاً في الفارسية. شعرها لا ينوء كثيراً تحت أثقال شعراء التصوّف والغزل، أمثال الرومي وحافظ وسعدي الشيرازي، الذين تعلن امتزاج روحها بنصوصهم؛ وثمة، في المقابل، مسحة من التأمل الميتافيزيقي الأنثوي الذي يذكّر أكثر بمناخات إميلي دكنسون، خاصة حين تتكثف معطيات المعنى في ذروة اتكائها على بساطة القول والتركيب. ثمة أيضاً، تدفق شعوري أنثوي خفيف، بقدر ما هو شفيف؛ يضيف عنصر توازن لافتاً حقاً في المعمار الدلالي للقصائد، لأنه إنما يُعلي الحسّي والإيروتيكي كلما انقادت نبرة القصيدة نحو منطقة تنذر بانزياح وجداني وعاطفي جارف. ومن حيث الشكل يسهم تراصّ القصائد، القصيرة إجمالاً، في نأي النصّ عن الإسراف في النثرية، وعن إغواء الاستغراق في التفاصيل اليومية.
ترجمت حيدري مجموعة محمود درويش «أثر الفراشة»، وقصائد مختارة من عناية جابر ونوري الجراح، كما نقلت من الفارسية أشعار أحمد رضا أحمدي ونثر سالار عبده الروائي المقيم في نيويورك. هنا قصيدة «ذات ظهيرة» من مجموعة «باب موارب»:
أستمعُ إلى النغمات الفارسية التي أخذتَ تحبها
وأعلّق على الجدار صوراً تخفي غيابك؛
غيابك يشرئبّ،
يُخرج أعضاءه كلها
ويهرول في حياتي،
دون أن يلتفت إلى الوراء.
* * *
مسرعاً كعادتك
بأفاعٍ سوداء تتلوى تحت قميصك
تمضي.
وإنْ حدث والتفتَّ،
أنا هناك
واقفة
أرفو لك على عجلٍ قميصاً أبيضَ
وهواجس شاحبة اللون
ألمّع نظارتك،
وفي المساء
أطفئ لك الضوء في ركن هادئ من البيت،
أطفئ الأغاني
أتركك في غبطة مجهولة،
وأصمت.
يسكنني حفيف أرواح شاردة.
المتوسط، ميلانو 2018