قناة قرطاجنة أو حنايا زغوان التونسية من عجائب الدنيا التي عبثت بها يد الزمان والإنسان

حجم الخط
2

تونس «القدس العربي»: قال المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»: «قال أبو عمرو الكندي في كتاب الموالي، ومنهم أبو غنيم مولى مسلمة بن مخلد الأنصاري، كان شريفا في الموالي، وولاه عبد العزيز بن مروان الجزيرة ثم عزله عنها، وكان يجلس في داره التي يقال لها دار الفيل فينظر إلى الجزيرة فيقول لإخوانه: أخبروني بأعجب شيء في الدنيا، قالوا منارة الإسكندرية. قال ما أصبتم شيئا. قال فيقولون له فقناة قرطاجنة».
وقناة قرطاجنة أو حنايا قرطاج أو زغوان في تونس هي مجموعة من الأعمدة الشاهقة التي تربط بينها أقواس، وفي أعلى هذه الأعمدة والأقواس توجد قناة مياه تجلب الماء من المنابع في مدينة زغوان التونسية، إلى مدينة قرطاج (قرب العاصمة تونس). وفي أماكن محددة تصبح هذه القناة تحت الأرض من خلال هندسة عجيبة أدهشت المتقدمين والمتأخرين تجعل الماء ينساب بين مدينتين متباعدتين دون مضخات أو أي شكل من أشكال الطاقة بما في ذلك الحيوانية. ويجتمع الماء في مخازن ضخمة في قرطاج كانت تسمى في العصور القديمة مواجل الشيطان، يتدفق منها الماء إلى المباني والحمامات والمنشآت العامة داخل المدينة التي نمت فيها واحدة من أهم وأعرق حضارات المتوسط في عالم ما قبل ميلاد المسيح. والماجل المتعارف عليه في تونس هو مخزن نظيف يتم تطهيره باستمرار يقع تحت الأرض تجمع فيه المياه النظيفة سواء تلك التي يكون مصدرها الأمطار، وهي الأساس، أو غيرها لاستغلالها عند الحاجة.
وتتدفق المياه وتنساب عبر هذه القناة التي يبلغ طولها 132 كيلومترا بعضها فوق الأرض وبعضها تحتها مثلما وصفها المؤرخون وأكدت وصفهم الآثار الصامدة. وبالتالي فنحن إزاء تحفة هندسية معمارية فريدة وعجيبة، ما زالت تثير الانتباه إلى يومنا هذا رغم هدم الجزء الأكبر منها والذي بدأ مع سيطرة القائد العربي حسان بن النعمان على قرطاج وصرف الأنظار عنها إلى مدينة تونس التي ستصبح لاحقا عاصمة البلاد بعد تخريب القيروان من قبل بني هلال.
وعرفت مدينة زغوان التونسية بمياهها العذبة التي يضرب بها المثل، ويحبذها التونسيون، حتى أنه أقيم فيها معبد للمياه في العصور القديمة ما زالت آثاره قائمة إلى اليوم. ويقع هذا المعبد في سفح جبل زغوان الذي لا تنبع منه مياه صالحة للشرب فحسب، بل أيضا مياه معدنية كبريتية ساخنة صالحة للتداوي والعلاج خصوصا بمنطقة الزريبة التابعة للولاية.
وهذا المعبد الزغواني المهيب المنحوت في قلب جبل زغوان الشامخ، هو جزء من قناة قرطاجنة إضافة إلى الحنايا ومواجل الشيطان وصهاريج المعلقة وقنوات توزيع المياه في أحياء قرطاج وحماماتها. ومن خصائص هذا المعبد انه بناء فريد بكل ما للكلمة من معنى ولا يوجد له مثيل أو شبيه في الحضارات القديمة على تنوعها وإن دل على شيء فهو يدل على أهمية الماء في بناء الحضارة التونسية منذ العصور الغابرة وعلى أهمية النشاط الفلاحي في وجدان التونسيين منذ القديم.
وتذكر المصادر التاريخية أن التفكير في بناء هذه القناة برز منذ العصري البوني، أي قبل ميلاد المسيح، ويؤكد العارفون أنه لو لم تهدم أجزاء القناة الكبرى لكانت اليوم واحدة من عجائب الدنيا السبع باتفاق كثير من المؤرخين العارفين بدقة بنائها. لكن مشروع البناء تأجل بفعل الحرب البونية بين قرطاج وروما، ولم يتم انجاز القناة إلا في القرن الأول الميلادي بأمر من الإمبراطور هدريان.

البناة العمالقة

ينسب المؤرخون العرب – الذين انبهروا بقرطاج أو قرطاجنة بعد استكمال فتح بر تونس الذي كان يعرف قديما باسم افريقية وليس افريقيا- بناء القناة إلى العمالقة الذين بنوا أهرامات مصر وهم بقايا قوم عاد. وتجد هذه الرواية صدى واسعا لدى العرب الذين لم يطلعوا على المصادر الإغريقية والرومانية التي تتحدث عن تأسيس المدينة على يد الأميرة الفينيقية عليسة أو أليسار أو ديدون التي فرت من مدينة صور اللبنانية خوفا من بطش شقيقها بجماليون، حسب الأسطورة، وعلى يد التجار الفينيقيين الباحثين عن المرافئ حسب الواقع والمنطق.
ويصف الواقدي في كتابه فتوح افريقية بانبهار أحد قصور قرطاج من خلال سفير العرب إليها للقاء «صاحب قرطاجنة» فيقول «فدخل بابا بعد باب حتى استكمل عشرين بابا مختلفة الألوان بعضها مذهبة وأخرى مفضضة فوجد صاحب قرطاج جالسا على سرير طوله عشرون ذراعا من العاج المرصع بالدر والياقوت له مئة قائمة مصنوعة من الرخام مختلفة الألوان».
وفي هذا الإطار يقول المؤرخ الرقيق القيرواني في كتابه تاريخ افريقية والمغرب، وقد «تحدث ناقلا شيخا مسنا من شيوخ الأندلس كان لقي والي القيروان موسى بن نصير: قال كيف كان خبر قرطاجنة ومن بناها؟ قال قوم من بقية آل عاد الذين هلك قومهم بالريح وبقيت بعدهم خراب ألف عام حتى أتى الزبير بن لاود بن ثمود الجبار فبناها على البناء الأول ثم احتاج إلى الماء العذب فبعث إلى أبيه وكان أميرا على الشام وعمه على السند والهند، وكان ملكه من قرطاجنة إلى الأندلس فأرسل إليه أبوه المهندسين فهندسوا له الماء حتى وصلوا إلى قرطاجنة. قال وكم كان عمره قال سبعمئة سنة. فارتادوا له مجرى القناة أربعين سنة، وكان لما حفر أساسه وجد حجرا مكتوبا فيه هذه المدينة علامة خرابها إذا ظهر فيها الملح». فبينما نحن ذات يوم في غدير قرطاجنة إذ بان الملح على الحجر فعندها رحلت إلى هنا».
وفي هذا الإطار أيضا يقول الزهري في كتابه «كتاب الجغرافيا» وبمقربة من مدينة تونس، تقع المدينة المعلقة (قرطاج) وهي خربة موسومة بالقدم لها بنيان عجيب يدل على أنها من بنيان قوم ليسوا على قدرنا ولا على مثلنا بل هم أعظم خلقة وأشد قوة. وهو ما يؤكد انبهار المؤرخين العرب بقرطاج من الناحية المعمارية وبقناتها عجيبة الصنع حتى أن البعض نسب بنائها أيضا إلى الجن من أتباع النبي سليمان.
أما عن خراب القناة وقرطاج نفسها فينسبها بعض المؤرخين العرب إلى ظلم أهلها للصالحين الذين حلوا بها لنشر دين الله. وفي هذا الإطار يقول أبو عرب التميمي في كتابه طبقات علماء افريقية وتونس «حدثني عبد الله بن الوليد قال حدثني داود بن يحي عن عبد الملك بن أبي كريمة عن عبد الرحمان بن زياد بن أنعم قال: كنت وأنا غلام مع عمي بقرطاجنة فإذا بقبر مكتوب عليه بالحميرية، أنا عبد الله بن الآراشي رسول الله صالح النبي، بعثني إلى أهل هذه القرية، أدعوهم إلى الله، أتيتهم ضحى فقتلوني ظلما، حسبهم الله».
وتتحدث مصادر أخرى عن تكذيب سكان قرطاج لأحد حواريي المسيح عليه السلام وعدم قبولهم لدعوته وهو ما تسبب في غضب الله عليهم. وتحولت قرطاج إلى خراب على غرار إرم ذات العماد وأرض ثمود الذين جابوا الصخر بالوادي ومدائن فرعون ذي الأوتاد، وغيرها.

مواجل الشيطان

يذكر المؤرخ التونسي فوزي محفوظ أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة التونسية في كتابه أساطير قرطاجنة في عيون المؤرخين العرب، أن «مواجل الشيطان ذكرها المؤرخ أبو عبيد البكري في كتابه المسالك والممالك وقال انها تقع بعد قصر قومش وقال أنها سبعة مواجل كبار للماء فيها ماء قديم لا يدري متى دخلها. ويصف صهريجا كبيرا داخل المدينة حوله 1700 حنية قائمة وكان يجري إليه الماء من عين جقار. ونحن نعلم ان صهاريج قرطاج هي التي كانت تستقبل مياه القناة الكبرى القادمة من جبال زغوان ولكنها ليست وسط المدينة. وقد يكون البكري حصل في خلط ولم ينتبه فعلا إلى أن مواجل الشيطان هي التي كانت تزود بحنايا زغوان. ولكن لا بد من التأكيد أن المواجل كانت متعددة داخل المدينة وفي أطرافها ومن بينها تلك التي تسمى صهاريج برج الحديد والتي تقع غير بعيد عن مسرح قرطاج الأثري وصهاريج أميلكار».
ويضيف قائلا: «ويدقق المؤرخ الشريف الإدريسي الوصف ويتحدث عن الدواميس التي يبلغ عددها 24 داموسا واصفا إياها بأنها في سطر واحد وأن كل داموس طوله 130 خطوة وهي نافذة إلى بعضها، وبين كل داموس وصاحبه أثقاب وزرافات والماء يجري إليها من عين شوقار». أما كتاب «الاستبصار في عجائب الأمصار» فيتحدث عن قناة داخل المدينة تصب في مواجل الشيطان التي سميت كذلك لدوي الصدى الذي ينبعث منها. وكان السكان يتبارون في الدخول إليها للتعبير عن الجرأة والبأس وقوة القلب وقال أنها 18 صهريجا منفوذة بعضها إلى بعض. ووصف الاستبصار كان أكثر واقعية من كل الذين سبقوه فهو شاهد عيان وقد كان مؤلفه من الذين تشجعوا ودخلوا الصهاريج وما قاله يتطابق تقريبا مع الواقع الحالي حيث لا يزال يرى بها 15 صهريجا طول الواحد 100 متر تقريبا وعرضه سبعة أمتار ونصف.»
ويتحدث محفوظ عن القناة العظيمة التي ذكرها أبو عبيد البكري وذكرها غيره من المؤرخين ووصفوها بدقة. وأجود وصف لها، حسب المؤرخ التونسي، دونه الشريف الإدريسي الذي قال «وطول مسافة جري هذا الماء من العين إلى الدواميس ثلاث مراحل. وكان جري الماء من هذه العين إلى هذه الدواميس على عدة قناطر لا يحصى لها عدد، وجري الماء بوزنة معتدلة، وهذه القناطر قسي مبنية بالصخر. فما كان منها من نشز الأرض كان قصيرا وما كان منها في بطن الأرض وأخاديدها كان في غاية العلو وهذا من أغرب شيء أبصر على وجه الأرض. والماء في وقتنا هذا مقطوع عن هذه الدواميس لا يصل إليها منه شيء كل ذلك أوجبه خراب مدينة قرطاجنة».

هدم حسان للقناة

تفيد مصادر الفتح الإسلامي أن القائد العربي حسان بن النعمان الذي أخضع قرطاج وشمال تونس عموما لحكم الأمويين هو أول من هدم القناة ويذكر المؤرخ وعالم الاجتماع التونسي ابن خلدون تواصل تهديم الحنايا في زمانه بشكل دائم ومستمر لجودة حجارتها واستحسانها في المباني. وقد كانت مما يفتخر به الافارقة (نسبة إلى افريقية وليس افريقيا وهو الاسم القديم لتونس الذي منح لاحقا لسائر القارة) وأعجب بها المشارقة.
يقول ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان أن «قرطاجنة تونس كانت مدينة عظيمة شامخة البناء أسوارها من الرخام الأبيض وبها من العمد الرخام المتنوع الألوان ما لا يحصى ولا يعد وقد بنى المسلمون من رخامها لما خربت بعد الفتح عدة مدن ولم يزل الخراب فيها منذ زمان عثمان بن عفان رضي الله عنه وإلى هذه الغاية على حالها عمودان أحمران من الحجر اللامع في مجلس الملك أحدهما قائم والآخر قد وقع. دور كل عمود منهما ستة وثلاثون شبرا وطوله فوق الأربعين ذراعا، وهي على ساحل البحر وبينها وبين مدينة تونس اثنا عشر ميلا. وتونس عمرت من خراب قرطاجنة وحجارتها. وقد بقي من حجارتها ما يعمر به مدينة أخرى».
ويقول ابن خلدون الذي ولد ونشأ في مدينة تونس وشهد ممارسات هدم قناة قرطاج في كتابه «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»: «وكذلك حنايا المعلقة بقرطاجنة إلى هذا العهد تحتاج أهل مدينة تونس إلى انتخاب الحجارة لبنائهم. وتستجيد الصناع حجارة تلك الحنايا فيحاولون على هدمها الأيام العديدة. ولا يسقط الصغير من جدرانها إلا بعد عصب الريق، وتجتمع له المحافل المشهورة. شهدت منها في أيام صباي كثيرا».
ويقول المسعودي المكنى بهيرودوتس العرب «إن قناة قرطاجنة لم يزل الهدم فيها واستخراج الرخام الكثير منها إلى الآن. وأخبر من رأى ألواح رخام استخرجت منها طولها أربعون شبرا في عرض أربعة أشبار والحفر في خراباتها دائم لا ينقطع وإخراج الرخام منها كذلك».
ومن المدن التي بنيت برخام قرطاج، في أكبر عملية اعتداء على تراث إنساني حصلت في تاريخ البشرية وطالت واحدة من أهم الحضارات الإنسانية، حضارة قرطاج، يمكن ذكر مدينة الزهراء في قرطبة الأندلسية والتي شيدها عبد الرحمان الناصر وقال ابن عذاري في كتابه البيان المغرب في أخبار الاندلس والمغرب، وفي ذكر بناء الزهراء بقرطبة «ابتدئ بنيانها في أيام الناصر من أول سنة 352 للهجرة وكان يصرف فيها كل يوم من الصخر المنجور ستة آلاف صخرة سوى التبليط في الأسوس، وجلب إليها الرخام من قرطاجنة افريقية وتونس».
وللإشارة فإن نهب آثار قرطاج وقناتها العظيمة تم من خلال فتوى دينية صدرت في عهود الإسلام تبيح الاعتداء على ممتلكات العصور التي سبقت اعتناق بر تونس للإسلام. وتبيح هذه الفتوى أيضا نهب ما خلفه الشيعة الفاطميون في بر تونس بعد مغادرتهم إلى مصر وتأسيس القاهرة وعودة سكان افريقية (تونس اليوم) إلى اعتناق المذهب المالكي السني، وهو أمر أثر سلبا على وضعية الآثار في البلاد التونسية وجعل التونسيين والعرب القادمين مع الفتح وغيرهم يطمسون واحدة من عجائب الدنيا أي قناة قرطاج أو حنايا زغوان التي كانت في عصرها تحفة معمارية تثير الدهشة والاستغراب ولم تبق منها اليوم سوى آثار الصهاريج والأقواس الشامخة التي تهدم جزء كبير منها بفعل الزمن ويد البشر.

قناة قرطاجنة أو حنايا زغوان التونسية من عجائب الدنيا التي عبثت بها يد الزمان والإنسان

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية