في التظاهرات الأخيرة التي شهدها الأردن حاول الملك عبدالله الثاني أن يهدئ المتظاهرين لكنه فشل واضطر في بداية شهر حزيران (يونيو) أن يعزل رئيس وزرائه هاني الملقي، وهو السادس منذ عام 2011 الذي يعينه الملك ويعفيه من صلاحياته بشكل يجعل من وظيفة رئيس الوزراء في الأردن الأقل أمانا. فحسب مجلة «إيكونوميست» (7/6/2016) «أن تحصل على وظيفة في القطاع العام الأردني يعني وظيفة للحياة إلا إذا كنت رئيسا للوزراء».
وكان عزل الملقي الذي تقول المجلة أنه رئيس وزراء ذو عقلية إصلاحية مطلبا لم يكن الملك قادرا ليتجاهله خاصة من «أبنائه وإخوانه» الأردنيين وتظاهراتهم التي عمت الأردن في صورة لم تشهدها البلاد في تاريخها.
وتقول المجلة، إن الأردن قبل تولي الملقي منصب رئيس الحكومة عام 2016 كان يتجه نحو الإفلاس، حيث ارتفعت نسبة الدين إلى الدخل القومي العام من 62 في المئة عام 2011 إلى 93 في المئة بعد أربعة أعوام. وقام الملقي بوقف الإنزلاق نحو الإفلاس من خلال رفع الموارد وتخفيض الدعم على الطاقة. واستقر مستوى الدين على نسبة 95 في المئة، كما وقبل الأردن 723 مليون دولار كقرض من صندوق النقد الدولي ووعد بإجراء إصلاحات أخرى في المستقبل. ومن ناحية التحليل الاقتصادي فالتغيرات كما تقول المجلة متأخرة نوعا ما، لأن الأردن تصرف مثل دولة خليجية غنية بالنفط لديه نظام دعم سخي وقطاع عام يوظف واحدا من كل ثلاثة عمال.
وبدون مصادر طبيعية ونمو اقتصادي بسيط بنسبة 2 في المئة العام الماضي والحرب في سوريا والعراق والركود الاقتصادي في السعودية، فقد تأثرت الصادرات الأردنية، فيما تأثر القطاع السياحي بالإضطرابات الإقليمية التي أخافت السياح. ولم يعد الأردن بمقدوره التعويل على المال الخليجي مثل منحة الـ 5 مليارات دولار التي تلقاها في الأيام الأولى من الربيع العربي عام 2011. ويرى دبلوماسي غربي أن «السعودية عملت على منع الاقتصاد الأردني من الغرق».
إلا أن السعوديين غاضبين من تردد الأردن إرسال قوات لدعم حملتهم في اليمن ضد المتمردين الحوثيين ورفضه الانضمام إلى الحصار الذي فرضوه مع الإمارات العربية والبحرين ومصر على قطر. ولم يقدم السعوديون للأردن ولا ريالا واحدا منذ عام 2016. ورغم زيادة المساعدة الأمريكية للأردن بنسبة 28 في المئة سيتلقى بموجبها 6.4 مليارات دولار على مدى السنوات الست المقبلة إلا أن المبلغ ليس كاف لردم الفجوة. ويريد صندوق النقد الدولي من الأردن أن يخفض نسبة الدين إلى 77 في المئة بحلول عام 2022 ويأمل المسؤولون الأردنيون تحقيقه من خلال زيادة النمو الذي لم يرتفع عن نسبة 3 في المئة. ويتوقع مسؤولو الصندوق أن يبقى على هذا المستوى حتى 2022.
وإزاء هذا الوضع يحتاج الأردن لأن يسد العجز في الميزانية ولكنه لا يريد أن يسبب الضرر للأردنيين الذين يعانون من ارتفاع الأسعار. ونسبة من يعيشون تحت خط الفقر هي واحد من كل خمسة، أي يعيشون على 70 دينارا في الشهر وهو مبلغ زهيد لا يساعد على النجاة خاصة في عمان التي تعتبر من أكثر العواصم العالمية غلاء. ومن هنا كان هتاف بعض المتظاهرين «معناش». ومع أن هناك برنامج لمساعدة الفقراء عبر «صندوق المعونة الوطنية» والذي يوفر المساعدات لـ92.500 من العائلات الأردنية، إلا أن ما يحصلون عليه لا يزيد عن 50 دينارا في الشهر حسب دراسة حديثة. وتم تخصيص 250 دينارا كتحويلات نقدية للموظفين في القطاع الخاص ممن لا تتجاوز دخولهم السنوية عن 18.000 دينار وكذا المواطنين من ذوي الدخل المنخفض. ولأن نظام الرعاية الأردني ينفق معظم الأموال على الدعم فإن قطع هذا سيثير غضب السكان الذي واجهوا ارتفاعا في أسعار الوقود خمس مرات هذا العام فيما زادت فاتورة الكهرباء بنسبة 55 في المئة وتضاعف سعر الخبز.
وتعتقد «إيكونوميست» أن قانون ضريبة الدخل المعدل في شكله حذر، حيث خفض الدخل القابل للضريبة. ومع ذلك اعتبرت النقابات الأمر مؤذيا لذوي الدخل المحدود وأبناء الطبقة المتوسطة. ومن هنا سيواجه رئيس الوزراء الجديد عمر الرزاز امتحانا كبيرا في النظر بالقانون. وأعلن يوم الأربعاء على حسابه في تويتر أنه جاهز للحوار مع كل الأطراف للتوصل لخطة اقتصادية. ويعرف الرزاز الذي عمل في البنك الدولي سابقا الرهانات العالية وأن مساحة المناورة ضيقة وأن الحكومة لا تستطيع التخلي عن الإصلاح المالي. لكن المشكلة ستظل قائمة والتظاهرات ممكنة خاصة أن المتظاهرين بعدما أسقطوا الملقي يريدون التخلص من ضريبة الدخل. وفي وقت لم يعد الأردن يعتمد على سخاء حلفائه فإن وقت دفع الفاتورة يقترب.
جيل جديد
وبين نار وغضب المواطنين وضرورات الإصلاح تواجه الحكومة تداعيات سياستها الداخلية وتدفع ضريبة التغيرات في المزاج الإقليمي والحروب الأهلية التي تحيط بها. وهنا لا بد من الإشارة إلى طبيعة المتظاهرين الذي هم عينة مختلفة عن المتظاهرين السابقين الذين كانت تقودهم قيادات حزبية سبعينية، فهم من أبناء الألفية الجديدة وتتراوح أعمارهم بين 20- 30 عاما وتجنبوا في شعاراتهم وهتافاتهم المطالب بتغيير النظام أو الحرية والعدالة الاجتماعية وكان الموضوع الحاضرهو الاقتصاد. وقد قرأ الأكاديمي كيرتس ريان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية أبالاتشين في نورث كارولينا ومؤلف كتاب «الأردن والانتفاضات العربية: نجاة النظام والسياسة بعيدا عن الدولة» في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» (4/6/2018) مشيرا للكيفية التي تحول فيها احتجاج ليوم واحد دعت إليه النقابات لتظاهرات ضخمة لم يشهد الأردن لها مثيلا. وما هو مثير حسب كيرتس أن التظاهرات واسعة وليست حزبية وهي متنوعة. وكانت 30 نقابة من النقابات المهنية واتحادات العمال- والتي تمثل المهندسين والصيادلة والمحامين والصحافيين والأطباء وغيرها- قد دعت يوم 30 أيار (مايو) إلى إضراب مشترك. وبدا الإضراب وكأنه ثورة ضريبية من الطبقة المتوسطة المهنية إلا أن حركة شبابية معروفة بالحراك، نزلت إلى الشوارع في العاصمة، عمان وانتشرت منها إلى إربد ومأدبا والكرك وجرش ومعان والزرقاء والمفرق والطفيلة وفي كل أنحاء البلاد. وعلى خلاف التظاهرات السابقة فإن الاحتجاجات هذه ليست متجذرة في مصادر السياسة التقليدية، أي في الأحزاب اليسارية والإخوان المسلمين أو الأحزاب الإسلامية الأخرى. بل تنوعت من مكان لأخر ومثلت الطيف الأيديولوجي وأجيالا عدة من الطبقتين المتوسطة والعاملة. وشارك فيها الشباب والشابات بالآلاف. وفي المحصلة فقد شارك الجميع كمواطنين وليس كأعضاء في أحزاب ومنظمات معينة.
وبسبب طبيعتها غير المؤدلجة فهي محصنة كما يقول كيرتس عن نقد النخبة المعادية للإصلاح التي تتهم وبشكل روتيني أي احتجاج بأنه مختطف من جماعات هوية أو أيديولوجية (وعادة ما يلام الإخوان المسلمون أو قوى خارجية تتلاعب بالسياسة المحلية). وهي بهذا تثير أسئلة حول ولاء/ وطنية المتظاهرين وشرعية تظاهراتهم. وعلى ما يبدو فقد كان هذا في ذهن المتظاهرين وحملوا الأعلام الأردنية وأكدوا على سلميتها. فهذا هو الجيل المتأثر بالسياسات النيوليبرالية وآثار تفتيش الدولة عن مصادر أخرى بسبب تهميشها على الصعيد الإقليمي خاصة من قبل المحور الأمريكي ـ السعودي ـ الإسرائيلي.
ويشير كيرتس إلى أن مطالب المتظاهرين تعلقت يالسياسات دون التطاول على رموز معينة في الحكومة أو الدولة. ولم يمنع هذا أصواتا هتفت مطالبة بالإطاحة برئيس الوزراء وحكومته أو حل البرلمان فيما هتف البعض ـ خاصة من الطفيلة ـ ضد الملك. ودعت غالبية المتظاهرين لإلغاء سياسات التقشف والتأكيد على سيادة الأردن ضد المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فالتظاهرات في جزء منها ثورة ضريبية وكذلك احتجاجات ضد التقشف الاقتصادي وزيادة الأسعار وعدم القدرة على مواجهة الكلفة اليومية للمعيشة وضد الفساد في الحياة العامة وضد حكومة يعتقد معظم الأردنيون أنها لا تستجيب لهم وبعيدة عن معاناتهم اليومية. وصرخ الكثيرون «خبرـ حرية وعدالة اجتماعية» فيما استخدم آخرون أسماء أخرى تقترح أن الأردنيين ليسوا آلة صرف مالي للحكومة. ويشعر الكثيرون انهم لا يستطيعون الحصول على قوت اليوم وهم حانقون على تحملهم الإجراءات الاقتصادية الصعبة ولا يصدقون أن الحكومة والأغنياء يقدمون التضحيات نفسها. ويرى البعض أن الكيل طفح و «كفى». واستخدم الكثيرون كلمة مواطن لتأكيد مطالبهم، فهم مواطنون لا رعايا. ولهذا يتحدثون عن المواطنة والعدالة الاجتماعية والحقوق. وهذه اللغة ليست جديدة ولكنها أصبحت جزءا من معجم الاحتجاجات في تظاهرات 2011- 2013. والتظاهرات الواسعة ضد اتفاق الغاز مع إسرائيل في السنوات الأخيرة.
ويقول كيرتيس إنه لو طلب من الأردنيين الدفع أكثر في عدد من الإصلاحات الضريبية أو تخفيض الحكومة الدعم فإنهم يتوقعون في الحد الأدنى دورا أكبر في تقرير كيف ولماذا حدث هذا ويتوقعون زيادة في الخدمات. ويشعر الكثير من فقراء الأردن أنهم يتحملون ومنذ عقود كلفة الإصلاحات ولم يعد لديهم ما يقدمونه.
ويعتقد الكاتب أن النقاش هنا يجب ان لا يكون متركزا حول نجاة النظام أو استقرار الدولة ولكن أبعد من اهتمامات الدولة وعن المواطنين العاديين الذين يكافحون من أجل حياة كريمة والحصول على فرص اجتماعية واقتصادية حقيقية ومستقبل حقيقي وعن حكومة تستجيب ومسؤولة وعن المواطنة الفاعلة في الأردن لا تنجو فقط ولكنها تزدهر، وليس فقط لصالح النخبة بل وكل الأردنيين.
دروس الربيع العربي
ويعلق تايلور لاك في تقرير في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» (5/6/2018) أن الناشطين العرب ومنذ عام 2011 يبحثون عن صيغة دائمة يتمكنون من خلالها الضغط على حكوماتهم. ويبدو أن المحتجين الأردنيين الذين رفضوا التحزب عثروا عليها وقد بدأوا حراكهم على ما يبدو. وتحدث عن الطاقة والمثالية التي يتسم بها الرجال والنساء الذين يحتجون كل ليلة في شوارع الأردن.
وقال إنهم شباب واعون سياسيا وغير حزبيين ومحصنون بالحكمة التي يعتقدون أنها مصدر قوتهم الكبرى والقائمة على فهم متأخر لفشل الربيع العربي. ويتساءل لاك إن كان هذا الجيل غير المتحزب والمتعلم من فشل الماضي على قدر من التمرس والتحمل بدرجة يستطيع من خلالها إحداث التغيير الحقيقي في هذه المملكة المحافظة سياسيا والمثقلة بالمشاكل الاقتصادية؟ ويجيب أنهم حققوا خطوة أولى وهي استقالة رئيس الوزراء يوم 4 حزيران (يونيو). ويعلق الكاتب إن هؤلاء الشباب هم مثل الذين احتجوا مطالبين بالديمقراطية والحرية عام 2011، فهم متعلمون عاطلون عن العمل أو في أعمال لا تلبي طموحاتهم. وعند هذه النقطة تنتهي المقارنة. أما المحتجون الجدد الذين خرجوا إلى شوارع الأردن ضدا على قانون ضريبة الدخل المقترح فهم مستقلون، أي لا علاقة لهم بالأحزاب السياسية التقليدية، ولهذا السبب تجنبوا اللغة السياسية أو المطالب التي قد تفرق الأردنيين. كما أنهم ناشطون واعون للتاريخ القريب عندما قامت الحركات الإسلامية باختطاف موجات الربيع العربي بشكل أدى لاستقطاب إسلامي/ علماني وقومي/ معارض. ومن هنا تركزت مطالب الشباب على الاقتصاد: عزل رئيس الوزراء وإلغاء سياسات التقشف التي أدت لفرض الضريبة على المواد التي تتراوح ما بين العدس إلى الأدوية فيما ارتفعت أسعار الوقود خمسة أضعاف خلال الأشهر الخمس الماضية.
ويقول المحللون إن غياب الأحزاب السياسية هو جزء من رفض الشبان للأحزاب التقليدية الأردنية والأيديولوجيات. ويرى ديفيد هيرست في موقع «ميدل إيست آي» (6/6/2018) أنه يجدر بكل شخص أن يتجاوب مع الأصوات القادمة من الأردن، فينتبه إليها، وينصت لها. ويعتقد هيرست أن التظاهرات الأخيرة هي أكبر من الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد في عام 1989 أو في عام 1996، وذلك أن احتجاجات هذين التاريخين كانت تقف وراءها العشائر في محافظات المناطق الريفية النائية. وبخلاف هذه فالاحتجاجات الأخيرة انتشرت على مساحة 46 منطقة وتحولت لحدث وطني شامل. وأضاف أن «ما من حاكم مستبد يراقب هذه الأحداث من الخارج، خاصة عبر الحدود السعودية، إلا ويقلقه المشهد، بل ويقض مضجعه. ويقدم الأردن اليوم دليلا حيا على أن القوى التي غذت انتفاضات عام 2011 ما زالت حية ومفعمة بالنشاط».
11HAD
إبراهيم درويش