المظاهرات في عمان والأصداء في الشارع العربي

حجم الخط
1

رافق هبة رمضان العمّانية، احتفاء عربي شعبي، ووجد هذا الفرح «الخجول» إلى حد ما تعبيرا له في «تغريدات» هنا وهناك على «تويتر» إلا أن الفرح الفلسطيني له خصوصية معينة، اختصرها «المغرد» ناجي رشيد NajiRashed@ حينما علق على استقالة رئيس وزراء الأردن هاني الملقي، تحت ضغط الشارع قائلا: «بناشد الشعب الأردني يجي (يأتي) يعتصم على دوار المنارة في رام الله بلكي (لعل) استقالت السلطة كلها» وهذه التغريدة وإن كانت متعلقة بموقف الضمير الجمعي الفلسطيني مما يجري في «المقاطعة» إلا أن دلالتها تتجاوز حدود رام الله، في خلفية المشهد السائد في المنطقة العربية، لتعبر عن مدى ارتباط ما يجري في العاصمة الأردنية بمجمل تطورات الحدث في عموم المنطقة. ويمكن قراءة التأكيد الأهم لهذه المقاربة، في تلك الفقرة الصغيرة التي ضمّنها المعلق الإسرائيلي العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل في مقاله يوم 4/6/2018، وعبر فيها عن مدى اهتمام القيادة الصهيونية بما يجري في الأردن، حين قال، في معرض تحليله لواقع التحديات التي يواجهها الكيان هذه الأيام: «وخلال ذلك إسرائيل ستكون مضطرة لأن توجه في الأيام الأخيرة اهتماما أكبر لما يجري في الأردن». ويشرح هارئيل «حساسية الموقف» حينما يردف قائلا: «القدس تدرك الحساسية الأردنية للتدخل في الشؤون الداخلية للجيران(!)، لهذا ليس من المعقول أن نسمع أي وزير إسرائيلي يتطرق بشكل علني لما يجري وراء الحدود الشرقية. ومع ذلك فإن استقرار المملكة هو مصلحة أمنية عليا بالنسبة لإسرائيل. في تل أبيب يتابعون الآن بانتباه خاص المظاهرات في الأردن وجهود النظام لكبح «الاحتجاج» وربما يكون هذا التعليق هو الأكثر وضوحا عن مدى اهتمام قيادة الكيان الصهيوني بما يجري في عمّان، كون هذا الحدث ليس مختصا بـ «الدوار الرابع» الواقع في قلب عمان، حيث تقع رئاسة الوزراء، بل هو حدث له سمة عابرة للحدود، لأكثر من سبب. معلق آخر هو تسفي بارئيل تحدث بشكل أكثر وضوحا عن مآل «ربيع عمان» حينما كتب في الصحيفة ذاتها قائلا تحت عنوان: «المملكة تهتز»: ليس من المبالغ فيه التقدير أن دولا عربية غنية والإدارة الأمريكية ستهب لمساعدة الملك وتدعمه اقتصاديا. الأردن هو دولة هامة من ناحية استراتيجية في دائرة الدول العربية المؤيدة للغرب ـ هو لبنة هامة في سور التعزيزات ضد إيران» والحقيقة أن هذا الموقف الأخير الذي يشير إليه بارئيل كان مشكوكا فيه، قبل يوم الأربعاء الثلاثين من شهر أيار/مايو الماضي، حين نفذ الأردنيون أكبر إضراب في تاريخهم المعاصر، كان ظاهره الاستجابة لدعوة مجلس النقباء احتجاجا على مشروع قانون جديد لضريبة الدخل، وباطنه الشعور بعدم اليقين تجاه مستقبل بلدهم الأردن، بعد أن وجد الأخير نفسه تقريبا خارج «اللعبة» في السيناريوهات التي تُرسم لمستقبل المنطقة، ليعود «فجأة» إلى منتصف دائرة الحدث!
والحقيقة العجيبة أن الأردنيين هم أيضا فوجئوا بحجم «قوتهم» وقدرتهم على رص صفوفهم، والتعبير عن موقف نادر موحد، في الإضراب الكبير أولا، وما تلاه من زحف جماهيري يومي حاشد نحو «ميدان تحريرهم» وهو «الدوار الرابع» حيث سجلوا هناك مشهدا استثنائيا شد إليهم أنظار صناع القرار في المنطقة والعالم، ودق ناقوس خطر لم يكن في الحسبان، قد يعيد ساعة الرمل إلى الحركة باتجاه موجة ثانية من «الربيع العربي» تخلط كل الأوراق التي اجتهد ساسة عرب وأجانب في ترتيبها منذ أشهر، لفرض السيناريو الأخير لدفن قضية فلسطين، تحت عنوان «صفقة القرن»!
حتى ما قبل يوم الأربعاء المشهود، أربعاء الإضراب الأردني، كانت الطريق تبدو ممهدة لتنفيذ ذلك السيناريو، ولئن بدا الحدث الأردني في ظاهره محليا بحتا، إلا أن تلك التحركات والتصريحات والاتصالات التي تلته في غير ساحة، ما ظهر منها وما بطن، أظهرته كحدث إقليمي شديد الخطورة على ما يعد في الغرف المغلقة، وكما يبدو التقطت القيادة الأردنية المأزومة اقتصاديا وسياسيا، على خلفية الضغوط التي تواجهها في ملف الاقتصاد والقدس وسواهما، طرف الخيط أو «حبل النجاة» فسهلت على نحو استثنائي للجموع التعبير عن غضبها، ومهدت الطريق لها كي تزحف كل ليلة من ميدان الشميساني إلى الدوار الرابع، بحراسة ورعاية قوات الأمن، لتعبر بكامل راحتها عن الغضب الاقتصادي والسياسي مما يجري في البلاد، وسجلت عدسات الهواتف الذكية مشاهد غير مسبوقة من الانسجام النادر والتآلف والتآخي بين قوات الأمن والمتظاهرين، بل إن القيادة الأردنية أشعرت جماهيرها الغاضبة بلذة «الانتصار» فلبت بعض مطالبها، فأقيل رئيس الوزراء هاني الملقي وكلفت شخصية قريبة من الناس عمر الرزاز، بتشكيل حكومة جديدة، بعد أن سبق هذا تجميد لرفع كبير فرضته الحكومة المقالة على أسعار المشتقات النفطية.
ما يحدث في عمان اليوم هو محط أنظار كثيرين في عواصم عربية وغربية، والحدث لم يزل ساخنا، ومتدحرجا، ومن الصعب على أي محلل أن يجزم بمآلاته إن على مستوى الداخل الأردني أو على مستوى المنطقة، لكن ما هو مؤكد أن ما بدا استكانة جماهيرية عربية لكل ما يُخطط ويُفرض من خارج الحدود على أهل هذه البلاد، لم يعد كذلك، فأصداء الشعارات التي صدحت بها حناجر الأردنيين وجدت تعبيرا لها وترحيبا ليس في رام الله فقط، بل في شوارع الخرطوم وبيروت والرباط والمنامة والرياض، وبالتأكيد في مركز صنع القرار في تل أبيب وواشنطن وغيرهما أيضا، حتى ولو امتنع أي من قادة هذه العواصم والناطقون الرسميون فيها، عن التعبير علنا على ما يجري في عمان والمدن والقرى الأردنية!
والسؤال الكبير اليوم، هل يعيد «الدوار الرابع» كتابة تفاصيل ما يسمى «صفقة القرن»، بحيث تأخذ بعين الاعتبار احتمالات الانفجار الشعبي العربي، في نسخة مزيدة ومنقحة من «الربيع العربي» ظاهرها الاحتجاجات على المعاناة المعيشية اليومية، وباطنها القلق الوجودي على مستقبل الأمة بأسرها؟

11HAD

المظاهرات في عمان والأصداء في الشارع العربي

حلمي الأسمر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية