هل يتمكن أردوغان من تحقيق انتصار تاريخي في جبال قنديل؟

حجم الخط
4

إسطنبول ـ «القدس العربي»: يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي حقق تقدماً كبيراً في الحرب على تنظيم «بي كا كا» داخل البلاد وامتداداته في سوريا إلى تحقيق انتصار تاريخي وذلك بتطهير جبال قنديل شمالي العراق التي تعتبر بمثابة مركز القيادة والقاعدة الأكبر والأكثر تحصيناً للتنظيم في معقله الذي استعصى لعقود طويلة على الرؤساء والحكومات التركية المتعاقبة.
وعلى الرغم من أن عمليات الجيش التركي لم تتوقف منذ عشرات السنوات ضد مواقع التنظيم في شمالي العراق، إلا أنها اقتصرت على الغارات الجوية وبعض العمليات البرية المحدودة وبعمق عدة كيلومترات داخل الحدود، أو بعض عمليات الكوماندوز الخاطفة، ولم تصل إلى مستوى القيام بعملية عسكرية برية واسعة بالعمق الذي تتواجد فيه جبال قنديل ذات الطبيعة الجغرافية الوعرة.
وتقع جبال قنديل في إقليم شمال العراق عند نقطة التقاء الحدود التركية الإيرانية العراقية، وهي عبارة عن سلسلة جبلية يصل ارتفاعها في بعض المناطق إلى 4000 متر فوق سطح البحر وتتميز بغاباتها الكثيفة وتلالها المرتفعة ووديانها العميقة.
ومنذ تأسيسه عام 1984 وعلى غرار الحركات الكردية المتمردة تاريخياً في المنطقة، اتخذ حزب العمال الكردستاني «بي كا كا» من جبال قنديل مركزاً رئيسياً له، تتواجد فيه قيادته العليا، وأنشأ فيها مراكز تدريب ومواقع محصنة ومخازن أسلحة إلى جانب مراكز صحية لعلاج مصابيه، وغيرها، وتقول تركيا إن الحزب يتخذ من قنديل مركزاً خلفياً لتخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية والهجمات ضد المدنيين والعسكريين الأتراك داخل البلاد.
لكن ومع التقارب الكبير الذي حصل بين أردوغان وحزب الحركة القومية المعارض ذو التوجهات المتشددة ضد المسلحين الأكراد، وسع أردوغان في السنوات الأخيرة عملياته العسكرية في محاولة للقضاء على تهديدات تنظيم العمال الكردستاني من داخل وخارج البلاد. وبالفعل نجح الجيش التركي في تحقيق تقدم غير مسبوق من خلال القضاء على القوة العسكرية الأساسية للحزب داخل البلاد بعدما وصل إلى مرحلة إعلان الإدارة الذاتية في بعض المدن جنوب وشرقي البلاد في حرب مفتوحة استخدمت فيها كافة أنواع الأسلحة وأوقعت آلاف القتلى والجرحى ودمرت فيها مناطق سكنية كاملة، ونتج عنها في المحصلة إضعاف قوة التنظيم العسكرية داخل تركيا إلى درجة غير مسبوقة.
وفي سوريا، خاض الجيش التركي عمليات عسكرية ضد وحدات حماية الشعب الكردية التي تقول أنقرة إنها امتداد لحزب العمال الكردستاني وجرى السيطرة على مناطق جرابلس ودابق والباب، ولاحقاً عفرين ومحيطها، إلى جانب الاتفاق الأخير مع واشنطن والذي سينتج عنه سحب الوحدات الكردية من مدينة منبج، لتكون بذلك أنقرة قد نجحت في إنهاء تواجد التنظيم غربي نهر الفرات.
وعقب أشهر طويلة من تكثيف الغارات الجوية شبه اليومية ضد مواقع التنظيم هناك، أطلق الجيش التركي عملية عسكرية برية واسعة في شهر آذار/مارس الماضي على الجانب العراقي من الحدود، لكن وسط تكتم إعلامي كبير عن تفاصيل العملية وأهدافها.
لكن ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة والحاسمة في تركيا، يبدو أن الرئيس التركي وانطلاقاً من رغبته في حصد مزيد من أصوات القوميين الأتراك أضطر إلى الكشف عن تفاصيل غير مسبوقة عن العملية العسكرية المتواصلة في شمالي العراق، وهي التفاصيل التي كانت مفاجئة لجميع الأطراف داخل تركيا وحتى في العراق الذي يفقد السيطرة والمتابعة على ما يجري في حدوده الشمالية مع تركيا.
كما أن أنقرة تجنبت طوال السنوات الماضية إطلاق تصريحات أو كشف معلومات عن عملياتها العسكرية داخل العراق في محاولة لتجنب إثارة غضب الحكومة والعراقية وإحراجها أمام الشارع العراقي، وهو ما قد يجبر بغداد على ممارسة ضغوط على تركيا لوقفها بحجة انتهاك السيادة العراقية. وحسب آخر التقديرات التي أعلنها رئيس الوزراء بن علي يلدريم، الجمعة، فإن الجيش التركي وصل بالفعل إلى عمق 30 كيلومترا داخل الأراضي العراقية وانتشر بمساحة 300 كلم مربع في تلك المنطقة، مؤكداً أن الجيش التركي «اقترب من جبال قنديل وقضائي مخمور وسنجار».
وقال أردوغان، الجمعة، إنه «إذا تطلب الأمر سندخل إلى سنجار وقنديل أيضا، سنذهب إلى أماكن تمركز جميع من يزعجون بلادنا». ولأول مرة هدد أردوغان بمهاجمة مخمور في شمالي العراق «إذا أقرت الحكومة العراقية عجزها عن إيجاد حل لتواجد التنظيمات الإرهابية المعادية لتركيا في هذه المناطق» مهدداً «يمكن أن نأتي في أي وقت».
والسبت، قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، إن بمقدور بلاده السيطرة على معاقل منظمة «بي كا كا» في جبل قنديل شمال العراق، «متى تشاء»، مضيفاً: «جبل قنديل هدف قريب بالنسبة لنا السيطرة عليه هي مسألة وقت»، وتابع: «يمكننا السيطرة على قنديل في الوقت الذي نشاء. قوة تركيا في هذا المستوى حاليًّا. سترى تركيا خلال مدة زمنية قريبة جدًّا أبطالنا في قنديل. إنها بالنسبة لنا مسألة وقت فقط».
من جهته، قال وزير الدفاع التركي نور الدين جانكلي إن العمليات في شمالي العراق أسفرت عن «تحييد 500 إرهابي» منذ مطلع العام الجاري، متعهداً أن «الجيش التركي يقوم بما يلزم من أجل التطهير التام» وأنه «سيواصل المهمة حتى النهاية» وذلك في تصريحات على هامش مشاركته في اجتماع لحلف شمال الأطلسي «الناتو» السبت.
وفي وقت سابق، قالت مصادر مقربة من الحكومة إن عملية قنديل المتوقعة هي جزء من عملية عسكرية واسعة بدأها الجيش التركي في شهر آذار/مارس، وأن القرار النهائي حول هذه العملية جرى اتخاذه في اجتماع مجلس الأمن القومي الذي انعقد في نهاية كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي.​
ولأول مرة، نشرت وكالة «الأناضول» الرسمية، الأربعاء، خبراً يؤكد أن القوات التركية تنشط بفعالية على عمق 20 كيلو مترا داخل الأراضي العراقية، وأوضحت أن العملية التي تشارك فيها قوات برية ومقاتلات حربية وطائرات من دون طيّار، تهدف إلى تدمير أسلحة ومواقع وملاجئ المنظمة، وتوفير أمن الحدود التركية مع العراق، ومنع تسلل العناصر الإرهابية إلى الداخل التركي.​
وبينما أكدت وسائل إعلام مقربة من الحكومة أن العملية سوف تكون أوسع وأكبر من عملية «غصن الزيتون» التي نفذها الجيش التركي ضد وحدات حماية الشعب الكردية في مدينة عفرين السورية، قالت صحيفة «حرييت» إن «إسماعيل متين تمل، قائد الجيش التركي الثاني الذي أشرف على عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون يقود عملية قنديل».​
وكتب عبد القادر سيلفي أبرز الكتاب الأتراك المقربين من دوائر صنع القرار، في مقال له في صحيفة «حرييت»: «عملية قنديل بدأت فعلياً وهي امتداد للعملية التي انطلقت في اذار/مارس الماضي، حيث وصل الجيش التركي إلى عمق 25-30 كيلومترا داخل الأراضي العراقية» مضيفاً: «الجيش التركي تمكن من إقامة 11 نقطة وموقع عسكري داخل أراضي شمال العراق التي تم تطهيرها من المسلحين، حيث تم تدمير 16 موقعاً مهماً للتنظيم حتى الآن».​
لكن ورغم كل التصريحات الرسمية التي تحاول تبسيط العملية وتؤكد اقترابها لأهداف انتخابية كما تقول المعارضة التركية، يُجمع المحللون الأتراك على أن الحديث يدور في الوقت الحالي عن تقدم في مناطق أقل وعورة وصعوبة على الطريق باتجاه قنديل، وأن العمل يجري حالياً على حصار بعض المناطق المؤدية إلى قنديل وشل حركة التنقل لمسلحي التنظيم من خلال 11 نقطة عسكرية أقامها الجيش داخل شمالي العراق.
ويؤكد المحللون أن الحديث عن تطهير جبال قنديل بشكل دقيق أمر يحتاج إلى فترة طويلة من العمليات العسكرية المتواصلة التي ربما تمتد إلى سنوات وذلك انطلاقا من أنها تمثل القاعدة العسكرية الأكثر تحصيناً في تاريخ الحركات الكردية المتمردة وتنظيم العمال الكردستاني إلى جانب العوامل الجغرافية الصعبة جداً التي تتمتع بها المنطقة وتعتبر أحد أبرز أسلحة التنظيم الذي أصبح متمرساً على القتال في هذه المنطقة الصعبة.

11TAG

 

هل يتمكن أردوغان من تحقيق انتصار تاريخي في جبال قنديل؟

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية